من جماليات خصوصية كل مجتمع، ان اجياله تتناقل الكثير من الجمل السائدة في كل عصر،والتي تبرز لاسباب او لاخرى، فتجعل منها مصطلحاتٍ وتعابيرٍ وامثلةٍ، تستخدم استخداما يليق بها احيانا، او يبتعد عن الفكرة الاصلية احيانا اخرى..
ولجملة ( دار..دور.) اثر بارز في التداول اللغوي العراقي، فهي، بعد ان كانت جملة اولية، في كتاب القراءة العربية للصف الاول الابتدائي، فقد اصبحت مصطلحا يعبر عن اوليات واساسيات اي مادة وموضوع، بل ان الاطفال في الشارع العراقي تغنوا بها واضافوا لها جملة اخرى شعرية ومقفاة، فاصبحت (( دار..دور..حجي وكع بالتنور))..والتي كانت تثير الضحك لدى الطفل العراقي.. والمثير، والذي (قد) يستحق الدراسة، هو الجمالية الشعرية الموزونة والمقفاة في هذه الجملة التي تناقلها الطفل العراقي (بعد ان حذف كلمة "داران" التي كانت تتوسط هاتين الكلمتين)، تلك الجمالية والمقدرة الشعرية التي قد تشير ولو ببساطة الى الارث الشعري العريق في العراق، من ايام الشعر الجاهلي، الى يومنا هذا..
وما يعنينا هنا من هذه الجملة، هو اصطلاحها للواقع الذي يمر به (بعض) رجال الدين في كنيستنا الحبيبة، فهي دعوة للعودة الى الاصول الحقيقية للرسالة الكهنوتية والمسيحية.. عودة الى الدور الحقيقي للكاهن، في كل زمان ومكان.. اذ ان هناك حقائق ثابتة لا تحتلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية والاجتماعية المحيطة، وان كانت تلك الحقائق تبدو مستهلكة، ومغبرة بفعل الاهمال، الا انها لا تزال ثابتة..راسخة..متواجدة..بانتظار من يزيل عنها الغبار، لتظهر من جديد بجمالها وشبابها ورونقها، ومواكبتها لكل عصر وزمان..
فأهتمام رجل الدين (قس ، مطران، بطريرك) في كنيستنا المشرقية، بأمور السياسة، والبناء، والعمران، والتجارة، والولاء للفرق والجماعات الحزبية، واهمال الجانب الروحي، وفرض تلك الاهمالات على ابناء الرعية، انما هو مسلك بعيد كل البعد عن رسالة المسيحية، التي لرجل الدين الدور الرئيس في نشر ركائزها. فابناء الرعية يتوقعون من رجل الدين توعية مسيحية روحانية..وابا روحيا صالحا، ينشر القيم المسيحية ويطبقها..
وهذا ما اشار اليه البابا بنديكتوس في رسالته الى الكهنة خلال زيارته الى بولندا في 25.5.2006 في كاتدرائية وارسو اذ ذكر:
" ينتظر المؤمنون من الكهنة أن يكونوا أخصائيين في تعزيز لقاء الإنسان بالله. ولا يُطلب من الكاهن أن يكون خبيرًا بالاقتصاد أو السياسة، بل يُنتظر منه أن يكون خبيرًا في الحياة الروحية........ وأمام تجارب النسبية، لا يُنتظر من الكاهن معرفة جميع المسائل الآنية والتيارات الفكرية، لأنّ المؤمنين ينتظرون منه أن يكون شاهد الحكمة الأبدية الموجودة في الكلمة الموحاة."
http://www.oecumene.radiovaticana.org/ara/Articolo.asp?c=80245 فالفرد في كنيسة المشرق الكلدانية الاثورية، دخل في متاهات عميقة، رسمها له (بعض) رجال الدين في كنيستنا المشرقية، اذ تبنى البعض تسميات وشعارات، والاخرون فضلوا احزاب على اخرى، بل ان البعض الاخر من رجال الدين في كنيستنا اصبحوا دعاة للقومية الكردية، ووسيلة دعائية للقائمة الكردية ابان الانتخابات السياسية في العراق.ولم يتوانى البعض الاخر في حذف والغاء فئات رئيسية من ابناء شعبنا، بل اخذوا يكتبون تاريخا جديدا، يتناسب مع ايديولوجياتهم..وان كان يتناقض مع تاريخ الاباء الاولون للكنيسة..
ولا ننسى البعض الاخر من (رجال الدين) الذين يقضون حياتهم الروحية التي نذروها وسخروها ( لنشر المسيحية وتعاليمها ) ، بانتقاد حركات سياسية، امست لديهم كابوسا مرعبا، ومرضا نفسيا قاتلا..
غير ابهين بتاريخ كنيستنا المشرقية الحافل بأسماء رجال دين وبطاركة كتبت بحروف من ذهب، فهناك مار شمعون برصباعي 329-341 الذي ضحى بحياته كي لا يصيب الظلم رعيته وشعبه، ومار ابا الكبير 490-552 الذي سخر حياته من اجل اصلاح جذري شامل في كنيسة المشرقن ومار ايشوعياو الثالث 580-659 الذي سار على خطى برصباعي في رفض الظلم على المسيحيين..
وعشرات ان لم يكن المئات من المطارنة والكهنة الذين قدموا تضحيات مسيحية سامية من اجل الرعية والشعب، وان لم يذكرهم التاريخ..
حتى السينودسين اللذان عقدتهما الكنيسة النسطورية والكنيسة الكلدانية، لم يشيرا لا من قريب ولا من بعيد الى اي رسالة تعزز من اهمية الحياة الروحية للمؤمن في الكنيسة، ولم تتخذ اي قرارات تحسن فيها من وضع الفرد المؤمن في بلده الام وتؤمن له مستقبلا وظروفا افضل..
فأحد السينودسين عقد للتباحث في كيفية الحد من حركة (الاصلاح) التي تبناها مار باواي سورو.. اما الاخر فقد عقد لايجاد السبل الكفيلة بتحسين معيشة الكهنة.. وتجدر الاشارة هنا ايضا الى الاجتماع الذي عقده مطارنة الكنيسة الكلدانية مطالبين فيه المؤمنين بالعودة الى الينابيع الاصلية، وعدم اتباع ( الكنائس الانجيلية )..
من هنا ، يحق لنا كافراد وكمؤمنين، ان نطالب اباء الكنيسة بالعودة الى الجذور الاصيلة لكنيسة المشرق، والسير على خطى الاباء الاجلاء ممن ضحوا بحياتهم من اجل الشعب، الذين لم يتخاذلوا ولم يتوانوا عن التضحية بكل شئ من اجل الرعية ، فلم تغريهم كراسٍ ومراكز، ولا اموال شعوب مجاورة، ولا معوناتهم او بالاحرى (ديونهم)..فالتاريخ لا يذكر الانسان الا بما قدمه لمجتمعه ومحيطه وعالمه. وطوبى لمن يذكر اسمه بالافعال المسيحية الحسنة..
من هنا ، يحق لنا ان نطالب الكهنة، ان يشددوا على اهمية الحياة الروحية للفرد في الوطن والمهجر، ان يقوّوا من التوعية الروحية، ان يهتموا باحتياجات الانسان الروحية. ان ينعشوا الفرد بالكلمة المقدسة، ان يكونوا مثالا للحياة الروحية. بنزاهتهم، وورعهم، وصفاء نياتهم، وحسن اعمالهم.. وبكونهم اداة محبة وتقارب، وليس نبذ وزرع خصومات..
من هنا نطالب اباء الكنيسة ان يعقدوا السينودسات من اجل ايجاد السبل الكفيلة بتطوير الحياة الروحية لدى الفرد المؤمن، البحث عن الاسباب الحقيقية وراء اتباع كنائس اخرى.. تطوير حياة الفرد، الاطلاع على اهتماماته ومشاكله.. واعطاءه دورا في تحديد ملامح مسيرة كنيسته..
من هنا نطالب اباء الكنيسة بان يزيلوا الغبار عن: "احبوا بعضكم بعضا كما انا احببتكم" وعن "ليس اعظم من ان يبذل الانسان نفسه من اجل احبائه" وعن "كونوا واحد، كما اني واباكم واحد"..
هكذا تبدأ الحياة الروحية المسيحية من جديد، و هكذا تنتعش كنيسة المشرق، وتبرز اصالتها، لأن هذا هو الاساس..الذي قامت عليه منذ القدم.. المحبة..وبذل الذات..
فهل من يقرأ (دار...دور) المسيحية من جديد؟؟