صدور الديوان الأول للشاعر عامر منصور فريتي بعنوان (الرؤيا)
صدر الديوان عن : دار رند للطباعة و النشر - دمشق
تصميم الغلاف : عامر منصور فريتي
بقلم: غاده البندكبعد سنين طويلة جمع فيها خبرة حياته بكل مافيها من هجرة واشتياق بل حنين لا يطاق للوطن الام العراق، و في خضم معترك حياة طغت عليها المادية و النظرة الخارجية للجمال خرج الشاعر عامر فريتي بصورة رائعة ومذهلة فائقة الخيال لرؤيا وضع فيها ثورته الروحية على كل قيم التزيف التي سادت عصرنا.
و بطريقة تفوق ادراكه وجد نفسه يسلم مشاعره لربة الالهام، فيكتب بنهم اجتاحه وسط عواصف الحياة فيرى سلسلة احلام، تعبر عن رغبات كل انسان وضعها في صورة امرأة كما هي الحقيقة أوليست الحياة التي نعشقها انثى، وهي بالغة الجمال وشديدة التأثير وحبنا لها يفوق ما تسببه لنا من ألم، لان الانسان مخلوق لكي يبحث بل ويناضل من اجل الكمال. ووضع لنا الشاعر عامر فريتي صورة الكمال في هيكل امرأة تمتاز بنصاعتها و طهرها، و هو بذلك يقربنا من المفاهيم الروحية التي عشناها في رؤيتنا لمريم العذراء كسيدة من ارضنا فائقة الجمال بلغت الكمال. ويأخذ الجمال عند الشاعر صورة سامية الوصف بالغة المعاني عميقة الرؤى، و يبالغ بوصف جمال المرأة بشكل مقصود يهدف الى صدم القاريء بالخيال، لاقحامه على الخروج من دوامة الواقع المتعب .ان تلك المبالغة بل الدقة والسردية تريد ان تأخذنا في طياتها كي نلهو في حلاوة الحياة لننسى مرارتها.
لكن مهلا كيف للجمال الروحي ان يوائم الجمال الخارجي ......؟؟
هذا سر الكاتب في رؤيته ولو تمعنا اكثر سنجد السر كامنا في الروح. .
وكانت روحها
نقية بيضاء كالثلج
فشممت منها عطر الملكوت
وأحسست بأن عندها قوة حررتني
وسحراً لأعماق أعماقي قد توغل وسبر .
فالكتابة عن روحك
رحلة طويلة ومشوقة
لا تنتهي كتابة فصولها
لأن اكتشاف عمق سر الوجود
ياسر البقاء والخلود ويا عمق كل جوهر . .
فجمال حبيبة الرؤيا كامن في روحها وهنا ينتصر الشاعر لثورته على العالم وربما على نفسه ايضا. و يبدأ بوصف ادق التفاصيل لجمالها كقامتها وشفاهها و عينيها بينما في كل قطعة تجده يصف وصفا لجمال روحي في هيكل منظور، فلا الفم هو ذاك المزيف باحمر الشفاه انما هو الفم الذي يقول كلاما مؤثرا صادقا ويروي قصصا كلها عبر ومعاني، و لا العينين هما الكحيلتين انما هما عينين تحملان بداخلهما الدموع الغزيرة والالم التشرد والرغبة القاهرة بالسلام و الحب، و لا القامة هي الطول او فرط اللياقة انما هي قامة من يراها يعرف انه يقف امام امرأة احتملت الكثير من العذابات كي تقف بقوة وصلابة . هذه هي الخلطة السحرية التي يقدمها لنا الشاعر خالطا الرؤى الظاهرية للجمال بمعناه العميق وتلك الرؤى شملت تسع فصول من الرؤيا: البداية، العيون، البحيرة الزرقاء، الشفاه، الأنامل، الروح الكاملة، القصر، مدينة الأحلام.
ورأيت في عينيها
أسراباً من الطيور
كانت حائرة، متعبة
لا تدري إلى أين ستذهب
فكانت منهكة وقد أعياها الرحيل والسفر
تمضي راحلة
إلى حيث لا تدري
تحمل معها أشواقاً
وتخفي تحت أجنحتها أشياءً
وتحمل معها رسائلاً وألف خبرٍ وخبر
وتحمل معها سلاماً
وتنثر في كل مكان حباً
يتحول إلى ورود معطرة
تحيل الدنيا من حولها إلى جنة
وتمضي راحلة فقد أغواها الرحيل والهجر
تحمل الرؤيا بداخلها شغفا لا يهدأ لانسان حالم يعيش على بركان ثائر ، اذ يرى شدة الظلم والكثير من الحرمان واستحالة الوصول الى العيش بهناء، فيدلق ناره في سطور كلماته ليشعلنا برؤيا لا تنطفيء نارها الا عشقا وغراما بحياة يحيا فيها الحب ويثمر. وهو اذ يبدو في بعض المقاطع متعبا في تدوين اشد التفاصيل ويظهر لنا صعوبة تحقيق تلك الرؤيا وانتهائها دون الاقتراب اكثر من تلك المرأة الفائقة، فهو يعود الى الواقع حاملا معه الكلمات و الكثير من الحزن ليعبر لنا انه حزين حقا على عالم فقد البراءة و الطهر وتغيرت معالمه واذ تختفي حبيبة الرؤيا فهو يجعلنا مخطوفين معه مفكرين بهذه الرؤيا وهل حقا رحلت ام انها رحلت من الخيال لتسقط على ارض الواقع؟
وتحمل كلمات الشاعر صدقا وقوة في كثير من المقاطع حين يصر انها حقيقة لا خيال ويتمسك بها بعنف وعند يجعلنا نقف على عمق احساسه ويقينه مدهوشين، فبالفعل يوجد هكذا عظمة وروعة في نفوسنا لا نعرفها الا اذا التقى ما نراه بروحنا بما تراه عيوننا!
من الجدير بالذكر ان الشاعر المبدع عامر فريتي هو مهندس معماري وايضا مهندس للكلمات والسطور بطريقة مبتكرة متدرجة و هو فنان استثمر كل قواه في تزيين الديوان بصور جذابة تعكس مشاعره المقدسة واحاسيسه النقية وان كان ما رآه هو صورة امرأة، لكنها ليست مجرد امرأة فالمرأة هي الوطن الموجوع الذي حرم الشاعر منه بالهجرة القسرية لذلك فانه لا يلتقيها كتعبير عن آلام العراقيين الذين حرموا من وطنهم ورغم ذلك فانه يرفض النهاية اليائسة ويعد نفسه باللقاء مرة اخرى كي لا تموت بداخلنا الرغبة بالتقاء الوطن الحبيب.
والمرأة هي ايضا مرآة لنفس الشاعر فالله شبه نفوسنا بعروس احبها حلا شديدا ليغسلها هي كالحبيبة كما يقول الرب في سفر نشيد الانشاد "فالحب كالموت قوي و الغيرة قاسية كالجحيم". وهكذا يرى عامر صورة لنفسه يود لها ان تكون عروسا للمسيح يكملها الله برباط المحبة .. صورة مشرقة كلها حب و عطاء، وذلك يتجلى في حبه و تفانيه في مساعدة الفقراء و المحتاجين اذ رأى في وجوههم من صفاء و جمال يفوق كل وصف او رؤيا، ففيهم ما يوقظ الشعر من خيالاته الجميلة، الى واقع اجمل يسميه الشاعر بملكوت الفقراء على الارض، اذ عاين في عيونهم سماءه .. وفي سمائهم أرضه ووطنه!
أُحبكِ يا حبيبةَ الرؤيا
حتى لو كنت في حياتي حلماً
وحتى لو كنتِ في حياتي رؤيا
لأنّ الأحلام والرؤيا في حقيقتها
أشياءٌ سماوية، كل من عرفها قد انبهر .
ولأنّ الحب اليوم
قد صار حالة مثاليه
وصار حالة شفّافة لا ترى
وصار الحب في عالمنا اليوم
يشبه طائراً مذبوحاً، جناحه قد إنكسر.
الشفاهورأيتُ منظراً آخر:
رأيتُ شفاهاً عطشى
بِهمـا قـلــقٌ وعــنـــــاء
مـثــل عـطـش الـصـحــراء
وكأنّهـــا لــم تـرَ أبـداً في حـياتهــا المطــرْ . . .
فشفاهها العاشقة
كانت كبركانٍ ثائـر
تنبعـث مـنــــه أشـواق
وترســـل آهـاتاً ولـهيـباً
تحيل كل شيء إلى رماد إذا مسّته حتى الصخرْ . . .
شفاه بهما يطول العمر
ويـصبح لــه معنى آخر
لأن قبلـة منهـما تـمـيـت
وقـبـلــة أخـرى تـبـعـث الحيــاة
فيـعــــد ميـتاً كل مـن لـــم يـقبّـل هـــذا الـثــغــرْ . . .
شفاه عنــد حدودهما
يفقد الزمن كل مقاييسه
ويصبح بحالته الـمطلـقة
فـالـثـوانـي تصبـح ســنـيـن
والسنـون تمسـي ألف دهــرٍ ودهـــرْ . . .
وقـرأتُ كلّ التــأريــــخ
مكـتــــوب على شـــفتــيـن
وإذا بـكل لــغـــات الدنــيــــــا
قــد كانــت مــدوّنــــــة هـنـــــاك
وكأن شيئا منهـا أبداً لـم يضـع ولـم يندثـرْ . . .
وكل الكـتـابات
مــحـفـوظــــة هـنـــاك
وكل حــضــــارات الدنيــا
قد كانــت مـــوثــقـــــة هـنــــاك
ببانوراما لا تتوقف أبـدا ومملكة مـن سـحـرْ . . .
فقـد دوّنت عليهـما
آلاف الـملاحم والبطولات
وآلاف الانتصارات والنكسات
وفيهما كـتـابـات ورُقُــمْ طينيّـــة
توثّق تـأريخ كل حضارة وتأريخ كلّ عـصـرْ . . .
تحكي ســيرة الأجيال
فقد وثّقت كل الـماضي
وكـانت تـدوّن الحاضـر
وترســم رؤيـا للـمســتقبـل
وإن كان الـمسـتقبـل الآتـي بعد لم يحضـرْ . . .
فبين كل شقٍّ من شفتيها
كـانت هناك حضـارة ..
وكـانـت هـناك مملكــة ..
وكـانت تـسكن فيـه قـبـيـلــة ..
وكـان بيـن كـلِّ شقٍ وشق ألف وكـرٍ ووكـرْ . . .
ولا أعرف كم ديواناً
مـن الشعر قد قـرأتْ
فـقـرأتُ شعـراً لـعـنـتــرة
وقرأت شعـراً لـطـرفــة
وقرأتُ شعـراً لأمرئ القيس وشعـراً لزهيـرْ . . .
وقرأتُ شعراً لـجريـر
وقرأتُ شـعـراً للأخطل
وقرأتُ شـعــراً للفـرزدق
وقرأتُ كلّ معلقـات العشـق
وقرأتُ شعـراً لمجنـون ليلى وشعـراً لعمـرْ . . .
وعرفتُ حينها لـماذا
كتبـت كـلّ الـمعـلّـقات؟!
وعرفتُ لـماذا أنشد الشعراء
كل القصائد بالـمئات .. الـمئات؟!
وكيف كانوا يـدونون الكبريـاء والـفخــرْ؟! . . .
وعرفتُ حينها لـمـــاذا
ســـقـط آلاف الـفـرســـــــــان
من خيولهم في ليلة وبغفلة؟!
فمنهم من خسـر معاركـاً وحروبـــاً
وآخر قد اعتـلى العـرش بقـوة خارقـة وانتصــرْ . . .
وعرفت حينـهــا لماذا
سـقـط وقام آلاف الـمـلوك؟!
ولماذا سقطت آلاف الحضارات؟!
ولمـاذا قـامــت آلاف الـحـضــارات؟!
فعند حدود شفتيك كانت كل الجيــوش تتقهقــرْ . . .
وقرأتُ يا متيّمتي
في شفتيكِ أشياء كثيـرة
وقرأتُ فيهما رمـوز كثيـرة
منها أشياء ورموز يمكن أن تفسّر
ورموز أخرى كثيــرة لا يمكن لهـا أن تـفـسّـرْ . . .
وتعلمت يا حـلمـي
من شفتيـكِ القاهرتيـن
معنى الـفـراسة والبـلاغـة
وتعلمتُ منهما آلافاً من الدروس
وتعلمت من شـفتيك آلافَ المعاني والعِبَــرْ . . .
وإنّي الآن مُتيقّنٌ
بعد كـل ما رأيـتـه
وبعد كـل ما عرفتــه
عن كنوز شفتيكِ وأسرارهما
بأنّ من شفتيك تنبعث معرفـة الخير والشرْ . . .
وأحسست حينها
بانبعاث الحياة بينهما
وبـحلاوة الموت بينهما
ففي الشـفــة العليـا كان نـار
والشفة السفلـى كانت تلتهب من الجمـرْ . . .
وإنْ لـم يـختَــرني
يا حبيبــتي الـمـــوت
لأمــوتَ بيـن شـفتيـــكِ
فســأختار الـمــوت بنفسـي
ولا أكترث إنْ قيل بأن هذا الـمجنون قد إنتحرْ . . .
واكتشفت بأنّ شفتيك
لوحدهمـــا حضــارة عريقـة
وإنهما أرقى من كلّ الحضارات
فالـموت بين شفتيك يا حبيبة الرؤيا
هو أحلى أنواع الـموت وهو عندي أحـلى قــدرْ . . .
وحاولت أن أقترب منهما
لأنعم بقُبلة واحدةٍ منهما
ولكني أبداً .. أبداً لـم أقدرْ. . .
وعـدت حــزيـنـاً كالمـطـرْ. . .
وكـأنّـي مذبـوحٌ بالخنجـرْ . . .
وغاب عن عيني ذلك الـمنظرْ . . .