القومية بين التعصب والغيرة


المحرر موضوع: القومية بين التعصب والغيرة  (زيارة 1188 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
القومية بين التعصب والغيرة
كما تعلمنا من خلال معايشتنا للفكر القومي العربي بأن للقومية مقومات بدونها لا يمكن لمجموعة من البشر أن تطلق على نفسها أسما قوميا معينا، وهكذا تعلمنا بأن التاريخ المشترك، والدين والحضارة واللغة المشتركة و... هي من الضروريات لكي تصبح لأمة معينة قومية. فأصبح لدينا كما نعلم القومية العربية وكذلك الكردية في بلدنا العراق، كما يتواجد على أرض هذا الوطن قوميات أخرى أو ما يمكن أن نسميه مشروع لقوميات أخرى؛ فنجد التركمان.. الشبك.. الإيزيديين.. الصابئة المندائيين، وعمدا تركت أهلنا من الكلدان والآثوريين والسريان لأنني وجدت في أهلي هؤلاء مشروعا لقومية موجودة أصلا، لكن أهلي مصرّون على البحث عن هويتها!!! وفي مناسبة سابقة كتبت موضوعا بعنوان "أمة تبحث عن هويتها" أعجب البعض به وانتقده الآخر، كما كتبت العديد من المقالات في الشأن القومي هدفها كلها لم الشمل والعبور فوق نقاط الاختلاف بغية إيجاد أرضية مشتركة لنا جميعا كي نبلور أفكارنا ونقرب وجهات النظر باتجاه إيجاد الاسم المشترك لنا ونبتعد عن الاسم المركب الثنائي الذي أصبح ثلاثيا، وهو مرشح لكي يصبح رباعيا إذا أدخلنا الأرمن مثلا، ويا لسخرية القدر، فأمة عريقة يمتد عمرها لأكثر من ستة آلاف سنة وعلمت الإنسانية مباديء الحضارة وهي اليوم قد فقدت الكثير وحتى اسمها وأبناؤها يتخبطون كالعميان الذين يبحثون عن الطريق ولا يهتدوا إليه.
والقومية التي ينتمي لها أهلنا موجودة أصلا بمقوماتها التي ذكرنا بعضا منها، لكن النظرة الثاقبة إلى الماضي واستلهامه لحاضر أكثر إشراقا هو الذي نفتقده ونحن بحاجة إليه لكي نفكر بعقلانية ونبتعد عن التعصب الذي هو أصل كل خراب بل هو يخرب كل شيء ليس في الشأن القومي بل في كافة مجالات الحياة. وربنا قال إن اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي فأنا سأكون معهم، أي أن الله هو مع أن يجتمع البشر معا وليس أن يختلفوا وينأى كلٌ مع نفسه وتفكيره!! فهذا طريق خطر لأنه يقودنا نحو التشتت. كما أن الغيرة هي عنصر هام لكي يلتزم الإنسان خطا معينا ويكون ذلك سببا في تحقيق الغايات والأهداف، لأن بدونها تكون الأمور أقل من الطبيعية، ونفتقد للهمة في التقدم وقبول مبدأ التضحية من أجل المباديء والغايات. لكن هذه الغيرة تصبح قاتلة إن لم نحسن التعاطي معها، لأنها ستتحول إلى تعصب، والتعصب كما يقولون (أعمى) والأعمى كما ذكرنا لا يمكنه الاهتداء إلى الطريق الصحيح.
ومَن مِنا يقبل على نفسه أن ينهج هذا السبيل ويصبح كالأعمى؟ بلا شك لو فكرنا بالموضوع مليا لاكتشفنا الحقيقة وتجاوزنا سبيل الخطأ لكي نتوحد مع الآخرين ونكسبهم ونكون معا لصنع المستقبل المشرق لجميعنا. إذا الغيرة والتعصب لا يفصلهما سوى شعرة خفيفة كما هو الحال بين العاقل والمجنون والتي يجب أن لا تنقطع لكي تستمر الحياة بالشكل الأمثل. وواقع أمتنا يعجّ بالأمثلة التي سوف لن أذكرها متعمدا كي لا أخسر أي منها، لأنهم بأجمعهم ومن حرصهم يتنافسون ويجادلون وقد يتقاطعون أحيانا أو يتوافقون، وهذا كله أغناء للعمل القومي إذا نظرنا إليه بنظرة متفائلة، كما نجد من يسبب مقتلا لأخوته عندما يسلك طريق المهاترات والكلام البذيء الذي يصدر عن ألسنة وعقول تعطي لأنفسها ألقابا نأسف عندما نقرأها وهي صادرة من أكاديمي أو مفكر أو شماس أو .... إن سلاحنا أيها الأخوة هو القلم ولا شيء غيره، ولا أعتقد يصل الأمر يوما بأحد هؤلاء الذين يصدر عنهم الكلام غير المسؤول أن يلجأ إلى وسائل القتل والتدمير لكي يحقق غاياته القومية.
كما قلنا أنها الغيرة التي تكلم عنها يسوع بقوله "غيرة بيتك أكلتني" واضطرته أحوال الهيكل ليعمل لنفسه سوطا يطرد به باعة الحمام والذين عملوا من بيت أبيه بيت تجارة!!! ذات الغيرة هي التي تحرك مفكرينا وكتابنا في الشأن القومي وما ينضح من أفكارهم من أمور قد تؤذي القاريء أو السامع وتسبب خدشا في مشاعره، لكن كل هذا يحدث عندما تنقلب الغيرة إلى التعصب وعدم رؤية أفكار الآخرين والوقوف عند الرأي الشخصي والتشبث به ولا شيء سواه!!! وحول ذلك قرأت كتابا لأحد الأصدقاء كان قد أهداني أياه مشكورا، وهذا الصديق معنزّ بآشوريته وناقشته على أمور قرأتها في كتابه ورفض مبدأ كونه متعصبا لآشوريته إنما هو يبحث بأسلوب أكاديمي بحت، وهذه نقطة إيجابية حسبتها له لأنه يرفض مبدئيا التعصب، وهنا قلت له إذن أنك غيور جدا على قوميتك لأنك جعلتني أفكر لأول وهلة بأنك متعصب لها، والسبب كان بأنه سمّى العديد من الآباء والأجداد بالآشورية ومنهم على سبيل المثال (مار شمعون برصباعي)!!! الجاثاليق البطريرك الشهيد، الأمر الذي أثار استغرابي لأنني لم أصادف مرجعا في السابق ينعت هذا الشهيد بهذه القومية.
إنها بالتأكيد مفخرة كبيرة أن يكون بين أبناء قوميتنا شخصيات مهمة ومشهورة كهذا الشهيد، لكن كما نعلم أنه استشهد على يدي ملك فارسي غاشم، وبلاد آشور كانت مملكتها وعاصمتها نينوى، كما كان يوجد ممالك أخرى بين نينوى وجنوب العراق، فأي بحث أكاديمي هذا الذي يحاول صبغ من يشاء بالصبغة القومية التي يرغبها الباحث؟!!!! ولكي أُطاع يجب أن يكون أمري بما هو مستطاع، وأنني لست باحثا تاريخيا لكي أتحدث عن التواريخ والأحداث بزمانها ومكانها لكنني أملك من الثقافة ما يمكنني من الاهتداء لرأس الخيط المهم لأدلي بدلوي في هذا الشأن، وفيما أكتبه وكتبته في السابق وبعد كل هذه المقدمة لم أجزم على رأي في الشأن القومي المحدد ولن أقدم على ذلك لرغبتي أن يكون الجميع أخوة لي ومعي، نفكر معا .. نتناقش.. لنصل إلى ما يرضينا بأجمعنا، وهنا لابد أن أضع الواقع الحاضر على بساط البحث وأمام جميع أبناء الأمة طالبا منهم إزالة النظارات القاتمة عن العيون ووضع التعصب الأعمى جانبا بل نبذه كليا، وصون اللسان من كل كلام جارح للآخرين لكي تكون كتاباتنا مفيدة، فغالبا ما أشعر بالإشمئزاز من الكاتب الذي يُلغي فكر وعقل غيره ويحاول أن يكمَّ فمه ويغلق عقله ويكسر قلم الإنسان الآخر!!!!
أمتنا فيها من يُسمي نفسه الكلداني.. والآخر الذي يسمي نفسه الآثوري (الآشوري) والثالث الذي اسمه سرياني، وجميعنا نتكلم اللغة التي اسمها السريانية أقله على الصعيد الرسمي وفي المجمع العلمي العراقي حيث أحدى دوائره هي دائرة اللغة السريانية. ونجد أن العرب لغتهم العربية، وقد تكون تسميتهم قد جاءت لأن لغتهم هذا اسمها!!! وكذلك الكردية ولست على دراية لأجزم في هذا الأمر لأنني أجد أن الأنكليز لغتهم الإنكليزية والأسبان إسبانية ... ولكن بأبسط الحلول نستطيع لو تنكرنا لبعض من غيرتنا وتعصبنا أن نسمي أسم قوميتنا باسم لغتنا، لكن لا يتفق هذا مع تفكير جميعنا، فالكلداني يسمي لغته بالكلدانية، والآثوري يسمهيا الآثورية، وهكذا السرياني بالسريانية، ولو ألغينا شكل الحروف والحركات المختلفة لدى السريان، نجد الكلدانية والآثورية والسريانية هي لغة واحدة بمسميات ثلاث مع اختلافات بسيطة في لفظ بعض الحروف كالحيث .. خيث وهذا على سبيل المثال، وعلى أرض الواقع تجد السرياني والكلداني والآثوري يفتهم بعضهم على بعضهم عند الحديث ولا يجدون أية صعوبة في التفاهم، وهذا الذي سقته لم يكن مطلقا دعوة لكي نسمي أنفسنا بالسريان، بل كتبته لتوضيح جانبا من الحقيقة على أرض الواقع والذي يتناوله كتابنا الأعزاء.
ويبقى معلقا أمر وحدتنا تحت مسمى واحد، لكنني لا أجد مسوغا التشبث بأية تسمية معينة والتعصب لها، فلو أخذنا الآشورية سنجدها تعود إلى الإله الوثني آشور، ولقوم عبدوا هذا الإله وكان لهم الإيجابيات الشيء الكثير كما كان لهم السلبيات أيضا، وأول من أنضوى تحت هذا الاسم في عصرنا الحديث هم الأخوة الآثوريون، الذين إن صحت التسمية أن نلقبهم بالأخ الأصغر بين الكلدان والسريان، وعذرا مقدما إن كان عددهم ليس كذلك، فهو افتراض شخصي، وتسمية الكلدان التي جاءت عبر التاريخ كما يذكر الكتاب المقدس في ذكر أبينا أبراهيم أنه ولد في أور الكلدانيين، وموقعهم كان في بابل وما حولها، وأيضا هؤلاء الأقوام كانوا من المنجمين وأعتقد أن من يُسمي نفسه اليوم بهذا الاسم لا توجد له أية روابط بأولئك القوم مطلقا، وإنما هي تسمية كنسية في وقت معين واستمرت إلى اليوم وحتى إن أخذنا جدلا بهذا الاسم للقومية فعمره الكنسي حوالي الخمسمائة عام وهو تاريخ أيضا ليس هينا تجاهله!!! وأيضا السريان وتسميتهم وأصلها وكونها أطلقت على المسيحيين الذين أختاروا المسيح إلها وانطلاقا من سوريا، أي أن عمر التسمية هنا لا يتجاوز الألفي عام وهو تاريخ يمكن أن يكون مشرفا لمن يريد أن ينتمي لهذا الاسم.
وإن أخذنا موقعنا الجغرافي نجد أن المسيحية كانت مرتكزة بين بغداد وشمال العراق ونحن نتكلم عن العراق حصرا، ومنها نينوى ونوهذرا وكرخسلوخ وأربا أيلو  وغيرها من المناطق وخاصة في العصر الحديث أي أننا في غالبنا كنا نعيش في المناطق التي كانت تحت نفوذ مملكة آشور، فمن الأجدر أو الأصح إن كنا السكان الأصليين للمنطقة أن نكون منحدرين من الأجداد الأوائل وصولا إلى آشور، لكن كما أجد واقع الحال أن العمل السياسي الذي برع به أخوتنا الآثوريون قبل غيرهم من الكلدان والسريان وأصبح لهم الوعي السياسي الذي جعلهم يدركون الأهمية القومية في النضال وتوصلوا إلى أصلهم واتخذوا من التسمية الآشورية إسما لهم. الأمر الذي اكتشفه مؤخرا من ولج السياسة بعد سقوط النظام في العراق أو حتى قبله بقليل، ليكتشف هؤلاء أن الأسم الأكبر وصل إليه الأخ الأصغر قبلهم!!! ويجد الأخ الأكبر من الصعب عليه بمكان تقبل ما يمليه عليه الأخ الأصغر، وهذا استنتاج شخصي أيضا، فنجد أن ما نحن عليه من التمسك كلٌ بمواقفه، يجعلنا الشعب الخاسر الأول في العملية السياسية في العراق، ومن ينظر إلينا يرى بوضوح ما آلت إليه أوضاعنا من أمور؛ منها من فعل الآخرين الذين لا يريدون لنا أن نتوحد، لأن ما وراء الوحدة توجد أمورا كثيرة تصبح استحقاقات قومية في الأرض والخيرات والإدارة الذاتية... الأمور التي لا يرغبون حصولها فيحرصون على أن نكون متفرقين وبث ما يمكن بثه من عوامل الابتعاد بين بعضنا البعض.
أخوتي في القومية: أنظروا ما أصبح عليه حالنا ولا تفرحوا بمالٍ يأتي من هذا وذاك بحجة دعم المسيحيين... لأن الأهداف من وراء ذلك سياسية وواضحة للعيان، بحيث نصبح اليوم بائعين لأمتنا ونعمل لمحو اسمها من الحاضر ولنصبح يوما كما كنا في العهود الماضية إما عربا أو أكراد!!!! وهذه خيانة كبيرة وثمنها بخس للغاية ولا يستحق أن نأخذه لكي نتيه كلنا ويحكم علينا التاريخ بالخيانة، وخيانة يهوذا ماذا جنت له، إنها عبرة للخونة، فنحن أبناء العراق الأصلاء، ولنا حق طبيعي في خيراته ووارداته وأرضه ومياهه، ولا نقبل بمنة أحد لكي يقدمه من مالنا لنا ويبيعنا لأقوام أخرى وبالأساس الثمن هو من مالنا، إنها المهزلة التي يجب أن لا نرضى بها لكي نحافظ على ما يمكن حفظه ونكون أبناء أوفياء لأرث الأجداد.
والوصول إلى هذه المسؤولية هي من مهام المثقفين والكتاب والسياسيين فعليهم أن يوحدوا الجهود للوصول إلى الهدف، وعلى الأحزاب أن تترك خلافاتها الأيديولوجية جانبا، ونترك التعصب ونعمل بالغيرة نحو تحقيق هدفنا، عندها نجد الاسم أي أسم كان ليس سوى مظلة نجتمع بأجمعنا تحتها لكي تتحقق طموحاتنا، وهكذا سنجد القيادات الدينية ستأتي معنا وتبارك جهودنا لأنها تعمل بهدي تعاليم المسيح التي تجمع ولا تفرق. وإن كان من ناضل في صفوف العرب أو الأكراد يوما، فعليه اليوم أن يناضل كمسيحي له كيانه الخاص به لأننا قطعا لسنا عربا ولا أكراد بل أقدم منهم ونختلف عنهم باللغة والتاريخ والدين والكثير من العادات والتقاليد، ويحق لنا أن يكون لنا منطقة آمنه مثلهم تماما، وإن هم ناضلوا وحاربوا الظلم عليهم أن لا يظلموا غيرهم، إنه درس كبير علينا فهمه!!!!!!!!!
عبدالله هرمز النوفلي