باخديدا - قره قوش


المحرر موضوع: باخديدا - قره قوش  (زيارة 5154 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حبيب حنونا

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 43
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
باخديدا - قره قوش
« في: 02:18 08/03/2011 »

بلدانيات سهل نينوى  - الحلقة الرابعة
بقلم : حبيب حنونا
باخديدا – قره قوش
باخديدا بلدة عامرة شرقي الموصل على مبعدة 28 كم منها يسكنها ما يزيد على الخمسة والثلاثين ألف نسمة غالبيتهم من السريان الكاثوليك ولغتهم السورث ، حاليا هي مركز قضاء الحمدانية التابع لمحافظة نينوى ، وتسمى قره قوش ، وهي أكبر البلدات المسيحية في العراق .
 إسمها القديم ( باخديدا ) ويلفظه سكان القرى والبلدات المجاورة ( بغديدي ) ، والتسمية أرامية الأصل من ( بيث خديدي ) أي بمعنى ( بيت الشباب ) وقيل في تفسيرها أيضا أن أصل التسمية من ( بيث ديتا ) الأرامية والتي تعني (بيت الحدأة ) وهو (طائر أسود) ولهذا أطلق عليها العثمانيون الأتراك تسمية (قره قوش) وهو ما يطابق معنى (بيث ديتا ) الأرامي .
ذهب البحاثة الآثاري الفرنسي أوبرت الى أن باخديدا – قره قوش تقوم حيث كانت مدينة رسن المنوه عنها في التوراة ، غير أن هنري كروزويك رولنسون خمن أن تكون السلامية في موضع ( رسن ) ، وفي هذا الموضوع خلاف كبير ، وأنا أختلف عنهم في الرأي ، فمدينة رسن ما هي إلا رأس العين – ريشعينا – حيث تقع عين كرمليس بالقرب من ترجلة . يقول الأستاذ كوركيس عواد : " وتاريخ قره قوش القديم غامض و مبهم ، فليس هناك ما يستحق من أخبارها قبل القرن الثاني عشر للميلاد ، فقد ذكر أن المفريان يوحنا الرابع توفي فيها سنة 1189 م " (مجلة سومر لسنة 1963) . باخديدا بلدة قديمة بلاشك رغم عدم ورود أسمها في المراجع الأثرية القديمة ، فقد سبق نشوؤها العهد المسيحي بقرون عديدة .
وقد ورد ذكرها في العديد من المعاجم والمصادر البلدانية ، فقد ذكرها ياقوث الحموي (المتوفي 1228 م ) في كتابه " معجم البلدان " بقوله : " ... باخديدا قرية كبيرة كالمدينة ومن أعمال نينوى ، في شرقي مدينة الموصل ، والغالب على أهلها النصرانية ... " . كما ذكرها المفريان غريغوريوس أبي الفرج إبن العبري في كتابه " التاريح الكنسي " ، يقول : "  ,,, وفي عام 1261 م هجم الأكراد على الموصل وأطرافها فقتلوا عدد وافر من النصارى وإستولوا على دير الراهبات في (بيث خديدا) وأجروا فيها مذبحة عظيمة ... " . وإستطرد قائلا : " على أثر القتال الذي حدث بين التتار والأكراد في عام 1288 م قتل إثنا عشر شابا من أجمل شباب بيث خديدا  . " وفي كلامه عن المفريان ديونسيوس موسى الذي رسم عام 1112م من قبل البطريرك أثناسيوس السابع مفريانا للمشرق . يقول أبن العبري : " ... جاء هذا المفريان الى المشرق قاصدا دير مار متي ، غير أن طيماثاوس مطران دير مار متي عانده وعاكسه  ، وأن الرهبان تصلبوا برأيهم وأعلنوا العصيان على المفريان ، ورافعوه الى والي الموصل وسلقوه بألسنة حداد وخسروه مائة وخمسين ليرة دفعها سريان قرية " خديدا " بطيبة خاطر .... " . كما ورد عن المفريان أثناسيوس إبراهيم الثاني ( 1164 – 1179 م ) ، " أنه لما أقبل الى آثور ، إفتقد الرعية ، فخف لأستقباله نورالدين رئيس (بيث خديدا) ومسعود رئيس قرية (بادانيال العليا) وأبو الكرم قسيس (باسحرا) وغيرهم من الشعب والأكليروس في كل بلدة دخلها ... " . وذكر أبن العبري أيضا أن شمس الدين محمد بن يونس الباعشيقي ، ( وهو من أمراء الملك الصالح بدر الدين لؤلؤ ) ، أخذ أولاده وكل ما يعز عليه وركب أول الليل وتوجه نحو أربل وعبر على نصارى ناحية برطلة وتهيروا هم وما يعز عليهم من أولادهم وسارعوا في العبور ، فعبر أكثر أهل البلد من النصارى الى أربل مع شمس الدين الذي أخبرهم أن الملك الصالح إسماعيل قد عزم على قتل جميع أكابرالنصارى ، وكان ذلك عام 1261 م وتلك كانت إحدى الهجرات الجماعية لنصارى باخديدا ، برطلة ، بدنة ، باسخرا وكرمليس . علما أن المغول في عام 1226 م كانوا  قد عملوا مذبحة كبيرة في كرمليس راح ضحيتها الآلاف من سكانها غير أن المؤرخين لم ينوهوا عن (باخديدا ) التي هي بجوار كرمليس ، ولكن بعد قرن من الزمان تعرضت باخديدا الى الدمار والخراب حيث أحرقت فيها أربع كنائس وذلك عام 1324 م . وتختفي أخبار البلدة قرابة قرنين من الزمان من القرن الرابع عشر الى القرن السادس عشر ، بالرغم من ان هذه الفترة كانت حبلى بالأحداث ، ولم نجد في المصادر التي بأيدينا أي ذكر لها ، وبإعتقادي أن سبب ذلك يعزو الى النكبات التي ألمت بالمنطقة ككل منذ غزوة تيمورلنك للمنطقة عام 1393 م وإعادة الكرة مرة ثانية عام 1401 م إذ أجرى في الموصل وقراها الخراب والدمار . وعلى ما يبدوا أن باخديدا خليت من سكانها في بداية القرن السادس عشر الميلادي إستنادا الى لوحة رخامية يعود تاريخها الى عام 1508 م تم العثور عليها في مقبرة الكهنة في كنيسة الطاهرة ، نتيجة الفوضى وإنفلات الأمن والجوع والمرض في تلك الفترة التي حكمت فيها قبائل القره قوينلو (1410 – 1468م) وألآق قويونلو ( 1468 – 1508 م ) والصراع بينهما خول المنطقة الى فوضى عارمة  ، يقول المطران سليمان الصائغ في كتابه ( تاريخ الموصل ) : " ان العساكر التركمانيين كانت ترتكب في الموصل أنواع المظالم ... حتى إنها كانت تتخذ من الجوامع والكنائس إسطبلات لخيولهم .. " . كما عانت باخديدا كثيرا إبان حصار نادرشاه للموصل عام 1743 م فقد لحقها الدمار والخراب حسيما جاء في مخطوطة كتبها القس حبش بن جمعة عام 1746 م . وكان والي الموصل حسين باشا الجليلي قبيل وصول جحافل نادرشاه الى المنطقة  ، دعى سكان قرى سهل نينوى بما فيها باخديدا وكرمليس وبرطلة  للقدوم الى الموصل والمساهمة في الدفاع عنها ، وقد تمكنت الموصل بهمة أبنائها الأبطال بصد العدوان الفارسي عليها ودحره جارا ذيول الخيبة والعار ، وكان لأنتصار الموصل على الفرس ، وقع عظيم وصدى كبير في الأستانة (اسطانبول) عاصمة الدولة العثمانية ، فأرادت حكومة الأستانة مكافئة والي الموصل حسين باشا الجليلي بأن ملكته قرية باخدبدا بما فيها وعليها هبة كاملة لا رجعة فيها عام 1743 م !!!! . يا للعار !! هكذا كان السلاطين يستهترون بالمواطنين وبأملاكهم ، فيمنحون ما لا يملكون ، وهل قره قوش كانت أرضا خاوية بلا سكان ليمنحها السلطان لمن يشاء ؟ ! وفي عام 1898 م قدم الخديديون طلبا الى الأستانة برد حقوقهم المسلوبة ، وفي عام 1922 م قدم المطران غريغوريوس بطرس هبرا رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك لائحة الى محكمة شرع الموصل  طالبا فيها تثبيت حقوق أهالي باخديدا ، وإستمرت الدعاوي الحقوقية بين القره قوشيين وآل عبد الجليل لغاية العام 1954 م حيث حكمت محكمة التمييز لصالح القره قوشيين وردت إليهم أراضيهم وأملاكهم شرعا وقانونا .
تعرضت باخديدا الى نكبات كثيرة ، منها ما ورد ذكرها في بعض المراجع التاريخية ، ففي لوحة رخامية في كنيسة الشهيد مار كيوركيس نقشت بالسريانية ما تعريبه : " بإسم الله الحي الواحد ... وقد مات في هذه السنة من كهنة وشمامسة إثنان وسبعون ومات من القرية رجال ونساء وأطفال أربعة آلاف ، وكان ذلك سنة 2083 يونانية (1772 م) ، وكل من يقرأ هذا الذكر يقول يرحم الرب أنفسهم وله المجد ...." . وفي إحدى المخطوطات ورد ما يلي بالعربية – أنقلها حرفيا - : " ... وفي عام 1828 م صار جوع كبير في البلدة وماتوا الناس من الجوع ، وبعد ذلك صار وباء ، والذي بقوا بعد ذلك ماتوا في الخربات ، وبقينا قليل أوادم وجينا وعمرنا وصرنا مقدار خمسين بيتا والله تعالى أعطى الغلة وأول بالأول جو ناس من الجبال كانوا مطشطشين فيها والى الآن قاعد الناس تجي وتعمر .... إلخ " .
في باخديدا العديد من الكنائس موزعة ما بين السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس نذكرها بإيجاز:
كنيسة الطاهرة وهي كنيسة قدبمة العهد ورد ذكرها في أخبار المفريان ديونوسيوس موسى ( 1112 – 1142 م )  الذي زارها ونزل فيها ، كما ورد ذكرها في أخبار المفريان أغناطيوس لعازر (1143 – 1164 م ) عندما قدم هذا المفريان الى قرية بادانيال العليا (قرية بدنة الحالية) فتوجه إليه رؤساء (باخديدا) وطلبوا منه زيارة قريتهم . يستدل مما تقدم أن هذه الكنيسة قديمة العهد يرجع تاريخ إنشائها الى ما قبل القرن الثاني عشر الميلادي بفترة من الزمن . تعرضت الكنيسة الى الدمار والخراب مرات عديدة ، ففي عام 1508 م سلبت جميع كنوزها ومخطوطاتها . جددت عمارتها عدة مرات كانت آخرها عام 1964 م .
كنيسة مار زينا : كنيسة قديمة العهد نجهل تاريخ تأسيسها ، غير أن ورد ذكرها في مخطوط يرجع تاريخه الى العام 1589 م كتبه القس يعقوب بن ايليا بن هرمز ، عثر في بئر هذه الكنيسة على تمثال من الحجر الأسود ، صناعته بدائية ، يعتقد إنه لأحد الآلهة القديمة التي كان يتعبدها الناس قبل إعتناقهم المسيحية ، وهو الآن معروض في المتحف الحضاري الآثاري في الموصل .
كنيسة سركيس وباكوس : يعتقد إنها أول كنيسة بنيت في باخديدا وقد يرتقي عهد إنشائها الى القرن السادس الميلادي ، في نفس الفترة التي بني فيها أديرة مار كيوركيس ومار يونان ومار يوحنان (ربان يوخانا) في كرمليس . تعرضت للدمار أثناء حملة نادرشاه الفارسي عام 1743م ، تكثر في هذه الكنيسة لوحات رخامية مدون عليها بعض الحوادث التاريخية أقدمها مؤرخ سنة 1744 م .
كنيسة القديسة شموني : كنيسة قديمة أنشأت قبل القرن الثامن للميلاد بدلالة لوحة رخامية نقشت على باب مذبحها بالخط الأسطرنجلي " جددت كنيسة السيدة شموني سنة 1102 يونانية (791 م ) " . تقع هذه الكنيسة على تل أثري يبلغ أرتفاعه حوالي عشرة أمتار ، للكنيسة عيد خاص بها يقع في 15 تشرين الأول من كل عام يتقاطر إليها المؤمنون في هذا اليوم لزيارتها من أماكن عديدة .
كنيسة الشهيد مار كيوركيس : كنيسة قديمة ورد ذكرها في مخطوط كتبه يوسف بن خميس السنجاري في دير الشهداء الأربعين ببرطلة لكنيسة مار كيوركيس في باخديدا سنة 1580 يونانية ( 1269 م) مما يدل إنها تأسست قبل هذا التاريخ .
كنيسة مار يوحنان المعمدان : وكانت منسوبة سابقا الى مار يوحنا بوسنايا ، إذ ورد ذكرها في مخطوط كتبه القس حبش بن جمعة سنة 1748 م على نفقة كنيسة مار يوحنا البوسني .
كنيسة مار يعقوب المقطع : كانت تعرف سابقا بأسم كنيسة مار أندراوس ، ورد ذكرها في مخطوطة كتبها الشماس بولس بن عبد العزيز بن آل صباغ عام 1750 م ، وكانت أول كنيسة يتخذها كاثوليك البلدة لممارسة طقوسهم الدينية عام 1770 م ، تجددت بنايتها عدة مرات كانت آخرها عام 1970 م .
كنيسة الطاهرة الجديدة : سميت بالجديدة لوجود كنيسة أقدم منها بهذا الأسم . أنشأت عام 1939 م
وفي عام 2005م بوشر بإنشاء كنيسة جديدة وهي كنيسة مار بهنام وأخته سارة  بدعم وتمويل من لجنة رعاية شؤون المسيحيين (سركيس آغا جان) ، وتم تكريسها في إحتفال مهيب في الأول من شهر آب 2010 م بحضور العديد من الشخصيات الدينية والسباسية وهي من أروع كنائس باخديدا ، فخمة بكل معاني الكلمة تليق بأبناء هذه البلدة العريقة  .
وفي البلدة ومحيطها ثلاث معابد صغيرة ( معبد سلطانة الوردية ، معبد المحبول بها بلا دنس أصلي ، معبد مار بولس الرسول ) . لا يوجد داخل البلدة أديرة ، ولكن على مبعدة منها وفي عقارها ، ثلاثة أديرة ، دير مار قرياقوس وهو دير مندرس لم يتبق منه سوى مغارة يرتادها الناس للتبرك في عيد مار قرياقوس . ورد ذكر هذا الدير في مخطوط كتب لكنيسة هذا الدير سنة 1658 م . والدير الأخر المندرس هو دير الراهبات ، لانعلم موقعه ولا تاريخ تأسيسه ، غير أنه ورد ذكره في كتاب التاريخ المدني للمفريان غريغوريوس إبن العبري في وصفه لحوادث عام 1261 م ، إذ يقول : " ...هجم الأكراد على دير الراهبات في قرية بيث خديدا وأجروا فيها مذبحة عظيمة .. " .
لكنائس باخديدا الوارد ذكرها مخطوطات تاريخية مهمة ، يرجع تاريخ البعض منها الى القرن الثالث عشر الميلاد وقد ذكرها السيد سهيل قاشا ضمن كتابه ( فهرس المخطوطات السريانية في العراق ) .
http://www.karemlash.net/forum/viewtopic.php?f=9&t=8747
المصدر :
حبيب حنونا : " كنيسة المشرق في سهل نينوى " ساندياكو 1992
حقوق النشر والطبع محفوظة لصاحب المقال ، لا يجوز النقل أو الأقتباس دون ذكر المصدر .