الخطاب الطائفي..من اين؟ الى اين؟
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comنعيش الآن في العراق مرحلة “ازدهار” الخطاب الطائفي، إذْ ينقذف هذا الخطاب عبر منافذ ومؤسسات وهيئات ومراجع وجمهرة من الاسماء والدعاة، وتتبلور مراسيمه داخل بيئة من الشحن والتخويف والتجييش، وتعبر عن نفسها في وقائع التنكيل الدموية ونداءات الانتقام..فماهي خصائص هذا الخطاب؟ وقبل ذلك ما هي مقدماته؟
حيثما يندلع صراع بين خندقين او اكثر ياتي دور الدعاية، وحيثما تبرز الحاجة الى الدعاية يدخل عامل اللغة في صلب تلك الحاجة، واحسب ان اتحاد الدعاية باللغة يفرز ما نسميه بالادب السياسي المعاصر بالخطاب الاعلامي الذي لاينأى عن الدعاية وفنونها، ولا يستغني عن اللغة وطاقتها.
وفي كل الاحوال يلزم الخطاب الاعلامي فكرة ما، أو قضية أو مصلحة تبرر وظيفته، ولأن الفكرة لا تولد خارج اطار اللغة ومفرداتها ومصطلحاتها فان الاهتمام بالترويج الاعلامي والايديولوجي للفكرة يمتزج بالاختيار المحدد لمفردات اللغة وللمصطلحات التي تستخدم في هذه المهمة.
وعلى العموم فان اكثر الحروب عدالة لم تكن لتستغني عن الخطاب الاعلامي الذي يحمل مهمة مركبة، فهو يتجه الى ارعاب “العدو” من جهة، والى اثارة حماسة المقاتلين ضد العدو من جهة ثانية، والى اقناع “المتفرجين” بوجاهة الحرب وضرورتها وعدالتها من جهة ثالثة، ومن الطبيعي ان تكون لكل قضية خطابها طالما ان لكل قضية فكرة وبعداً وظلالا على الارض.
ويخيل اليّ ان الخطاب الطائفي في العراق (ولا اعني الخطاب الديني هنا) لم يولد في غضون الاعوام القليلة الماضية، انه يمتد الى عصور سالفة ذي صلة بالانشقاق السياسي للدعوة الاسلامية، ولكنه -في كل الاحوال- يستند الى الجملة الدينية، القرآنية في المقام الاول( مع تفسير واجتهاد مختلف لها)ثم يغترف من الروايات والسير ما ينفع في تزييت آلته الاعلامية واطلاقها، وفي الدفع نحو الاستقطاب والتحزب وتسفيه الاخر، وليس من باب استعجال القول بان "السلطة" في جميع اطوارها عملت على ترويج الخطاب الطائفي إنْ لم تساهم في توليفه واشاعته على نطاق واسع.
وإذْ بدأ الخطاب الطائفي سلميا طوال قرون، او متدثرا في سيماء الحذر والتحسب والمناورة، او متماهيا في الجملة الفقهية، فانه سرعان ما ظهرت له اسنان جارحة منذ حوالي عامين، ولم يكن ذلك من دون مقدمات طائفية مقيتة لجأت اليها الدكتاتورية حين بدأت تترنح بفعل هزيمتها الشنعاء في الكويت وساهمت فيها السياسات الامريكية التي كانت تعتقد بان اللعب على النعرة الطائفية في العراق من شأنه اضعاف قبضة صدام حسين وعزله واسقاطه، وغذاها، من جانبه، فكر القاعدة الدموي ببياناته التكفيرية وهرطقته المذهبية المتطرفة.
وفي غضون هذا الوقت القصير المشحون بالمخاشنة الطائفية في بعدها السياسي والمنزلقة الى تصفيات دموية مروعة ظهرت كفاءة الخطاب الطائفي في مجالات تعبئة وتجييش الجمهور، عبر اقناعه بان سلامته (من اعمال الذبح) مرهونة بالالتحام بالطائفة (وباحزابها السياسية بشكل غير مباشر) وليس بالوطن وصولا الى تحقيق القناعة باستحالة بناء الدولة المدنية الاتحادية التي تتسع لجميع الطوائف والقوميات، وهو الهدف الاخير للخطاب الطائفي.
كما انه -في غضون هذه الفترة- لاحظنا قدرة الخطاب الطائفي على تطوير ادواته بالغاء المسافة بين الفقه والسياسة، بل وزج الفقه ومؤسساته في قلب السياسة، الامر الذي زاد في خطورة الاندفاع الى حافة الهاوية، وهي المجابهة الطائفية السافرة.. والحق، ان الخطاب الطائفي اعد لوازم ومخازي هذه المجابهة.
ــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــ
“أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتلو آخرها أولها”.
النبي محمد في اواخر ايامه- عن تاريخ الطبري[/b] [/size] [/font]