كي لا يُصبح إعلامنا المسيحي صامتًا
ظافر نوح كيخوا
كاتب وإعلامي
نتيجة للإحداث والظروف التي يمر بها بلدنا، والتحولات السريعة التي تشهدها ساحتنا الثقافية والإعلامية، يواجه الإعلام المسيحي بأنواعه المقروء و المرئي والمسموع، حالة من الحيرة والترقب، حتى أصبح من الصعب تحديد إطار وهوية هذا الأعلام، ليثبت ويميز صفته ودوره، إزاء واقع الإنقسامات والحزازات التي برزت مؤخرا وبشكل واضح، وبخاصة في الفترة التي سبقت الإنتخابات، والتي كان الخاسر الوحيد فيها هو "مواطننا المسيحي"، وذلك لشدة الضبابية وحيرة التساؤلات التي أصابته، فبدأ يبحث عن الجواب: من ننتخب؟ وأي قائمة نختار؟ ومن نحن الآن يا ترى وماذا كنا في الاصل؟. ووسط كل ذلك كانت هناك أصوات تنادي أنها الأصل والحقيقة، فازدادت الحيرة مع التزام الرئاسات الكنسية الصمت وعدم تحريك الساكن، فهي لم تردّ. على هذا التساؤلات، وكأن الأمر لا يعنيها، بينما كنا نرى فيها فرصة ً للدفع والتحريك إلى التقارب الأخوي و المسكوني، وتوضيح الخلط الحاصل في تحديد الهوية القومية وفصلها عن الدين، وخصوصا من حيث التسميات وواقع أسلوب التعامل معها. فصرنا في عزلة وأصابنا التعب والملل من البحث عن الحقيقية في التاريخ والجذور.
إن دور إعلامنا المسيحي في العراق، الذي نتقبله ونتفاعل معه، مع انه ليس في المستوى الذي يتلاءم وواقعنا، فهو يختلف كثيرا عن تطلعات وشكل أنموذج الإعلام المطلوب، وذلك بسب نوعية وأساليب عمله وأهدافه وخصوصياته، إذا اتخذت بعض وسائل إلاعلام من الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، التسمية الدينية والقومية صفة لها، مما ولدّ " تحسسًا" بصعوبة التعامل معها ، وهذا ما يلغي صفة المواطنة والإنفتاح، ويدفع بنا إلى الدخول في قنوات ودهاليز ضيقة تلغي احترام اختلاف وتنوع الخصوصيات عند الآخر، مما يشكل في النتيجة إعلاما ناطقا بلسان حال طائفة أو حزب أو كتلة معينة، وهذا ما سيؤول به الأمر إلى زاوية ضيقة من الفئوية والطائفية، بينما كان من الأفضل أن تتصف وسائل إعلامنا الدينية والسياسية بطابع الإعلام العام والشمولي، وزيادة الوعي وسعة الصدر، وأن لا يكون إعلامًا طائفيًا، كما ظهر في الآونة الأخيرة، من صدور صحف لبعض الأحزاب والحركات، شددت على قومية معينة وتجاهلت وجود شرائح متنوعة وواسعة اخرى من المسيحيين،حيث كان الهدف منها هو التوجيه القومي والسياسي فقط.
لا نستطيع التكهن بما سيؤول إليه مستقبل إعلامنا المسيحي، من تواصل وديمومة وتحقيق الهدف، وهل سيفلح أم لا؟ إذ لا يخفى اليوم على أحد ما يحدث لنا من التبعثر والتفكك وسط صمت الرئاسات الكنيسة وضبابية سياسيي الأحزاب الجديدة، والأخرى ذات التاريخ والنضال السياسي الطويل، فأصبح إعلامنا أشبه بنشر الغسيل أمام الأنظار. كما أنه لولا غياب العديد من المثقفين والكتاب والمحللين من الساحة الثقافية، لاستفدنا من إسهاماتهم ومشاركتهم في التفكير الهادئ وبدون انفعالات ومخاطبة العقل ونشر التوعية بالمقالات المنهجية وذات الإبعاد المستقبلية، لصالح ما يجمع شملنا ويوحد شعبنا، ونتجاوز المحن، ونطوي صفحة الماضي بكل ملابساته وضغوطاته، والنظر بالعين المنفتحة إلى الأمور وبدون التشديد على من سيخضع لمن، هذا أو ذاك، فبروح المصالحة والرغبة في البدء من جديد، نبدأ، بدلاً من الاحتجاب خلف مبررات لا تنفع ولا تجدي، والقيام بمراجعة الذات وإعطاء الفرصة للآخرين بتقديم ما هو مبدع ليخدم شعبنا، وأن تكون نبرة فضائياتنا الموجودة الآن على الساحة نبرة تتجاوز من خلالها الانقسامات بين مختلف الطوائف، وكي لا نلاحظ وجود مشاهدين متعصبين لهذه القناة أو تلك وكلاهما يمثلان شعبًا مسيحيًا واحدًا وبلغة واحدة مع تباين في اللهجات، وهي تنتمي كلها إلى أصل آرامي واحد، في حين لا يميّز هذا المشاهد بين مئات القنوات الأخرى الموجودة، بالرغم من حدة اختلافها. وذلك لأنها لا تتعلق أو تتدخل في الشؤون الإثنية والقومية والطائفية فنتساءل، أين سنصل من جراء كل هذا؟
إن ما يتعرض له شعبنا العراقي بالكامل ولاسيّما المسيحيين من التنكيل والتهديد وما يقاسونه في الهجرة، وجر شعبنا المسيحي إلى المزيد من التشرذم بدلا من مساعدته ومساندته في البحث عما يشد أزره في مواجهة التحديات، وحتى لا يصبح إعلامنا صامتًا، وأن لا يشعر شعبنا أنه في عزلة وليس هناك كنيسة تدافع عنه كواحد من رعاياها. وبدون وجود تمثيل سياسي حقيقي يطالب بحقوقه. ومن أجل كلّ هذا، فإن واقع حالنا يتطلب منا قيام انتفاضة، بقرار من الجميع وبمطالبة المثقفين والواعين و الغيارى، أن يقام تجمع أو مؤتمر يجمع كل رئاسات الكنيسة العراقية، لإصدر بيان مشترك شامل على أساس أن المسيح أحب أن تكون كنيسته واحدة، وأن يُعقد مؤتمر يجمع رجال السياسة والأحزاب المسيحية برغم كل الخلافات بينهم وبروح ديمقراطية ليثبتوا لأنفسهم أولاً ولشعبنا ثانيا أنهم حريصون على تحقيق الحقوق لشعبنا المسيحي، وفي هذا الإطار ستُجرى مساعٍ حثيثةٍ للانخراط في المشروع الوطني الكبير وبعيدًا عن كل الانقسامات، والتوجه نحو هدف واحد. وهذا ما سيُسهم ويتم التعبير عنه في إعلامنا المكتوب والمرئي لتكون غايته الوحدة والانفتاح بين أبناء شعبنا المسيحي. وبذا سيظهر إعلامنا المسيحي بكل وسائله بشكل حقيقي يرسّخ ويستقطب المتفاعلين من الخيريين المتطلعين نحو آفاق مستقبلية لخير الجميع .
نقلا عن كاتب المقالة
الأب إيهاب نافع البورزان
بغداد 22/7/2006 [/b] [/size] [/font]