من التعميد بالماء الى التعميد بالدم
في مثل هذه الايام من كل سنة ، يحل علينا نحن الشعب الصابئي المندائي عيد الكبير (ادهفا ربا ) او عيد ما يسميه العامة ( الكرصه ) ، وفي بعض الاحيان يسمى ( عيد كنشي وزهلي ) وكلها تدل على نفس المعنى وبذات المفهوم ، حيث تبدأ الكرصه وهذه الكلمة أي الكرصه ، تعني ان يجتمع جميع افراد العائلة من الاهل والاصدقاء وعابر السبيل والفقير واليتيم والوحيد من المندائيين دون حرج او وجل ، ولا حتى بلا دعوة موجهة لمن يريد او يرغب في ( الكراص ) في ذلك البيت المندائي ، ومع تلك العائله وللمدة المطلوبه شرعا ، والتي أمدها ست وثلاثون ساعة يحرم خلالها الخروج من البيت ، تبدأ مع غروب شمس( كنشي وزهلي ) وهو اسم اليوم الذي يسبق البدأ بالكرصه ، وتستمر حتى نهار اليوم الثاني من السنة الجديدة حيث ، تبدأ السنة وبها يحسب التقويم اللاحق وبمجملها تكون مدتها يوما واحدا وليلتين بالتمام والكمال .
وفي هذا اليوم ال( الكنشي والزهلي ) الذي يعني يوم التهيئة والنظافة والتطهير، تبدأ الطقوس الدينية منذ الصباح الباكر ، بممارسة شعيرة التعميد بالماء الجاري لمن يرغب من المندائيين ، كونه يطهر الجسد من الرجس المادي وينقي النفوس البشرية من ادران الخطيئة ، باعتباره حياة بعد موت ، او ترويض حي للنفوس المريضة والضاله خاصة ، بهذا اليوم المقدس من ايام السنة المندائية به تنحر الخراف وتقرأ الادعية والصلوات على ارواح من رحلوا عنا (اللوفاني) اي طعام الغفران .
يعتقد الصابئة المندائيون ان في المدة التي تستغرقها الكرصة تكون فيها الارواح النورانية ( الملكي ) التي تحمي الارض والتي ، يطلقون عليها بالارض الفانية ( آره تيبل ) والمياه الجارية (يردني ) غائبة ، بطريقها للعروج الى عوالم النور (آلمي إد نهورا ) للتسبيح والسجود للحي الازلي ( إدهيي قدمايي ) ولأن الكرصة ، كما يعتقد هي بداية التكوين الاول للخلق ، لذا فان الانسان والمخلوقات كافة والمياه الجاريه والارض ستكون عرضة للأرهاب ، وتخريب نفوس بني البشر المؤمنه التقيه الطاهره من قبل قوى ظلاميه شريره ستسود الارض مستغلة فرصة غياب (الملكي ) ، والتي لا يمكن لهذه القوى الشريره ان تُقهر عادة إلا بواسطة الحماية الروحية التي توفرها الملائكة الاثيرين ، والتي تكون قد خلت منها ارضنا في تلك الفتره القصيره وفي غفله من الزمن .
وخلال مدة الكرصة التي يكون قد جرت لها التهيئة اللازمة بما تستحقه من مناسبة فريده من نوعها ، بكل ما طاب وحلا من الخيرات والملذات من مأكل ومشرب ووسائل الترفيه واللعب واللهؤ البريئ لقضاء هذه المدة القصيرة للحديث والسمر مجتمعا بين كل الحضور من اهل البيت والضيوف مكرمين محترمين .
وبعد زوال الخطر الماحق يخرج المندائيون من بيوتهم ، وهم مبتهجون فرحون بلباس جديد بيوم جديد ، هو يوم عودة النور والسلام والطمأنينة الى الارض وانحسار قوى الغدر والظلام حينها يقوم المندائيون بالاغتسال ( الطماشه ) بالماء الجاري ماء الحياة والدعاء للحي الازلي والتسبيح بحمده تباركا بالسنة الجديدة ومباركة هي الارض وعناصر الخلق المتآخية المنسجمه مع بعضها البعض منذ الازل بارادته الآمحدوده وبحكمته الواسعه وليهنئ بعضهم البعض وللانسان والخلق الامان والسلم على الارض اجمعين .
قد يتضح للقارئ الكريم مما سلف ان المندائيين ، وهم هذا حالهم اناس سلبيين ليس لهم القدره على مواجهة الاخطار ، ولكن العكس هو الصحيح لأنهم ذوي حس انساني مرهف ، لا يؤمنون بالعنف والقتل واذية الغير اذ يعتبرونها من المعاصي العظمى والمحرمات وان العنف يولد العنف ، حيث تبدأ العداوات والتناحر بين بني البشر خلاف ما امرت به الشرائع والاديان السماوية كافة وان نفس الحي هي نفحة من نفحات الخالق عز وجل يجب احترامها وعدم المساس بها .
فقوم مثل هؤلاء ديدنهم السلم والسلام والمحبة والتآخي والتسامح بين بني البشر وسائر خلق الله شعارهم البياض ، همهم نضافة الجسد ونقاوة النفس ، عطرهم عطر الآس ، عصاهم عود الزيتون يتأكون عليها ، محترسين حذرين من ارتكاب الخطيئة والابتعاد عنها مكرهين للعنف والارهاب ، لا هم لهم غير سلامة الانسان مادامت حياته هبة الخالق ومعجزته ، وان اكثر ما يشغلهم التعميد بالماء الجاري من اجله سكنوا ضفاف الفرات وقدسوه ( فرات زيوا ) ودجلة الخير ودهلته ،
فماذا بدى منهم ليبيح قتلهم الى حد الاباده ؟
وما هي معصيتهم التي ارتكبوها ؟
اليسوا هم قوم مخلصون مسالمون عراقيون اصلاء ؟
لمن يشكون ضيمهم ومن يشكيهم ؟
والى متى يشيعون ضحاياهم ؟
وفي كل يوم يسقط قتلاهم مضرجين بالدماء ؟
وكان اخر الضحايا في مسلسل الاغتيالات الشاب العراقي المندائي مزهر خالد ضمد المهنا ! ! هل هذه اخلاق العراقيين الكرام ؟ لا لا والف لا !!
اليست هذه الجرائم لاتقرها الشرائع السماوية ويرفضها العرف والمجتمع العراقي ؟
وكيف يفسر تمرير الجريمة بلا عقاب بحق الناس الابرياء ؟
والان وقد حل عيد الكبيرعلى المندائيين ولكن باية حال عدت يا عيد ؟؟
وقد تحول المندائيون مكرهين ظلما وعدوانا !
من التعميد بالماء الى التعميد بالدم
لك الخلود والذكرىالطيبة يا مزهر خالد ضمد المهنا ايها الشاب المندائي البرئ
ولأهلك وزوجتك واطفالك المفجوعين بك ولكل المندائيين الصبر والسلوان
الخزي والعار للجبناء الارهابين ، والخسه والاحتقار للمجرمين القتله الاشرار
عربي الخميسي
تموز / 2006 [/b] [/size] [/font]