دراسة نقدية
الشاعر الكوردي عباس عبدالله
رؤية مشهدية تستند على التماسك البنيوي للنص وتثويرهكتب الشاعر والناقد د. بهنام عطاالله دراسة نقدية عن الشاعر الكوردي عباس عبدالله بعنوان (رؤية مشهدية تستند على التماسك البنيوي للنص وتثويره) نشرت في مجلة (الصوت الآخر) العدد (330)الصادرة في 9 أذار 2011 .
لقراءة الدراسة النقدية على صفحة المجلة إضغط على الرابط الاتي :
http://www.sotakhr.com/2006/index.php?id=12644قراءة نقدية
الشاعر الكوردي عباس عبدالله..
رؤية مشهدية تستند على التماسك البنيوي للنص وتثويره د. بهنام عطاالله
عباس عبدالله شاعر عراقي كوردي من جيل الستينيات يكتب باللغتين العربية والكوردية، بدأ بكتابة الشعر منذ وقت مبكر ونشر في اغلب الصحف العراقية . اصدر باللغة العربية الكتب: ملحمة الإخوة عام 1987، المطر الناعم عام 1998، أناشيد جبلية 1999، وطن المستحيل 2000 .أما باللغة الكوردية فقد نشر العديد من الكتب منها : العاصفة – مجموعة نثرية عام 1962، دراسة عن أدب المقاومة الفلسطينية عام 1976، دراسة عن الشعر الكوردي الحديث عام 1977.
وفي مجال الشعر فللشاعر عباس عبدالله تسع مجاميع هي على التوالي : براعم تفتح فمها لتقبيل الشمس عام 1975، ستة أناشيد عام 1977، رحيل الليل 1978، أغاني رحالة كويستان 1978، الصمت الكبير 1980، الموقف 1982، اسطورة العشق 1991، شكرا يا نبضات قلبي 1992، صوت ويوميات الصمت 1998 وحلم وحلم عام 2001 .
استنادا إلى ماذكرناه نلاحظ أن الشاعر يمتاز بغزارة في الكتابة والتأليف والنشر، فهو يمتاز بمخيلة واسعة المدى، وهذا ما نراه في قصائده ونصوصه، الممتزجة بالأساطير والأغنيات الشعبية المستلهمة من تراث وتاريخ المدن الكوردستانية المؤثثة بالخضرة وجمال الطبيعة وتوالي الأحداث، والشعر عند عباس عبدالله يتشكل ضمن منظومة توأمية تتناغم مابين الذات (الأنا ) والذات ألـ ( ُهم) . قصائده تأخذك صوب معالم استذكارية وطبيعية يقتنصها من روعة كوردستان الحبيبة، حيث الجبال والأشجار الباسقة والمساحات الخضر المفروشة على مد البصر.
قصائد ونصوص الشاعر تحمل دلالات رومانسية خافتة وإيماءات قابلة للتأويل حينا، وغير قابلة حيناً آخر، انه يرسم دالته إلى العالم ضمن مبرقات وإشارات تجعل المتلقي يكشف ماهيتها، فهو يحرك عنده السكون ويكشف حقيقة الإنسان وجوهره، ذلك لان الإنسان عند عباس عبدالله يمثل طاقة كبيرة ووجوداً وحركة دائمة العطاء فيقول:
(أي نسمة.. في أي صباح
إن لم تحمل عطركِ
سأغلق بوجهها كل الأبواب
والنوافذ
صعب الشهيق
بدون رائحة وجهك
وبدون نغمة صوتك
يعجز الطائر عن الطيران
يصعب على الوردة أن تفتح فمها
بدون بسمة منك يا نسمة روحي
ضوء عيني
لماذا احبك بهذا القدر
لأني احبك هكذا
أنت عاليا هكذا)
تتسم نصوصه بالشمولية، محاولاً الولوج في غابة الشعر وتشعباتها، فارشاً خرائطه أمام المتلقي، مفككاًً رموز وشفرات القلق الإنساني المفعم بالتشاؤم وليحوله إلى فرح دائم . ومن هذا المنطلق تتعدد أصوات الشاعر ومدوناته ضمن انجاز سردي حكائي ميثولوجي مستخدماً المنلوج الدرامي، بغية إبراز المنظور النفسي والذاكراتي، متوغلا في جسد القصيدة كاشفاً تجليات فكره حيث أن قصائده غير قابلة للقسمة والتجزئة، فهي تمتلك بنية لغوية معبرة، سواء ما كتبه بالعربية أم الكوردية، انه شاعر متمكن من لغته، مسيطر على أدواته كاشفا فيها الأبعاد النفسية والفكرية لشخصياته وأبطال نصوصه:
(يا ترى في أية عيون سيشتعل
هذا الحزن ؟
لا المتشائم
ولا المتفائل
يملكان المكان
ويتأملان فيه )
تتدفق قصائد الشاعر بموسيقاها الداخلية وكأنها سيمفونية كوردستانية نابعة من جمال وربيع البيئة الكوردية، ضمن أتساق بنائي وجمالي، يحمل ضمن منظوماته ومضات وخفايا تتعشق مع شجن الإنسان وأوهامه وتهويماته، وهذا ما يؤكد بوضوح انحياز الشاعر إلى مواقف إنسانية واضحة لا لبس فيها، ضمن سرد وشغف محمول بإنثيالات المواقف الحياتية المعبرة عن لحظة تنوير في المفاصل الجزئية لهذه الحياة، وضمن رؤية مشهدية تستند بصورة خاصة على التماسك البنيوي للنص وتثويره:
(بين فينة وأخرى
يلف صمت الليل لحن أغنية قديمة
فيندفع رويدا رويدا
جسده المتعب
إلى رقصة منتحبة
في تشابك صدئ
وأمام سراج الحزن
تلعب أصابعه بكلمات الوجود
وللعدم يرقص
لكنه يرفع كأس الحزن العذب
ويشرب نخب الآخر)
إن الدلالات المكانية للشاعر هي دلالات واضحة المعالم ، يمزح بها تناويع أمكنته الجبلية الكوردستانية ليرسم لوحة جميلة، انه يحاول من خلالها أن يوقظ الإحساس والمخيلة، وُيعلب الملكات النفسية بصور وأشكال رومانسية متباينة بعيدة عن الغموض المتعمد :
(وها هي الآن
سيماء هذا الجوال
تكشف عن نفسها بوضوح
يحمل الشاعر أحمال شعره اللطيف
وضياء الليل..
يشع على وجه طفل في المهد
على سطح دار في قرية ما
مستغرقة في سباتها
في أحضان جبل ما..
وفي النهار نبع رائق
تنحني أمامه الصبايا
فيقلبن فيه صورهن)
وفي قصيدته (حلم .. وحلم) تتمركز الرومانسية الحالمة في بؤرة واحدة بأبهى صورها وإزاحاتها، وهذا واضح في مقاطعها الثلاثة، المتسمة بالاستقلالية لكل مقطع منها، حيث يتخذ الحب / الحزن / المكان الطابع الطاغي عليها، ويظهر الهوة التي تفصل بين عالم الخيال وعالم الواقع، إذ تنسلخ الأشياء عن واقعها وتصبح وهماً فيقول :
(هذا الشارع بطوله وعرضه
لا احد يتنزه فيه
غير الحزن
فيتراءى لي كل يوم
من وسط الضباب
ثم يضيع في الضوء
فيدور .. ويدور
يظل يدور)
كما تفوح في نصه رائحة الأمكنة ضمن قيم شعورية لبناء عالمه الشعري مستهدفا الرمز كإيحاء لتصوير منطلقاته الفكرية مهتما بذلك بالأجواء ذات الدلالة المسورة بالإبهام، محاولا خلق حالة نفسية تتوغل في أعماق الذات فيقول :
(ارفع يدك عن جرحي
ففي الليل تأتيني " المدينة"
في الحلم
فأرى وجه أمي
وأحبتي
تمنحني قصائد شعر)
إن مفردات الشاعر في نصه (حلم وحلم) ذات دلالات شائعة يعيشها الشاعر كل يوم، وينجح في توظيفها بذكاء، كما يحاول من خلالها رسم صور جميلة تحفز ذاكرة المتلقي بسيمفونية تشده نحو هذه الاماكن وجمالها، انه يستخدم دلالات مكانية شائعة (المدينة /الشارع /الغرفة) ويؤطرها بجمالية الصورة المعبرة فيقول :
(وحيداً دخلت الغرفة
بحثت عن نفسك
والدموع كانت تحيل الحجر ماء
فاليوم تحيط بك
أسوار الدموع الحجرية)
وختاما إن للشاعر عباس عبدالله في قصيدته (حلم وحلم)، محمولات تستحق المتابعة والقراءة، كما في قصائده الأخرى التي تحمل صوت العاطفة ولغة الإنسان وجمالية المكان.
لمتابعة المقال في مجلة الصوت الآخر العدد (330) الصادر في 9 آذار 2011متابعة الرابط الأتي:
http://www.sotakhr.com/2006/index.php?id=12644