الحلم (قصىة قصيرة جداً)


المحرر موضوع: الحلم (قصىة قصيرة جداً)  (زيارة 2110 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 295
    • مشاهدة الملف الشخصي
الحلم (قصىة قصيرة جداً)
« في: 19:37 21/03/2011 »


الحلم



قصة قصيرة جداً      


هيثم بهنام بردى

العراق

كان ينشج بصمت كي لا تسمعه زوجته في الغرفة المجاورة، أحس إنه لوحده لا حول له ولا قوة، وإنه يتيم حتى العظم، مسح الدمعة الثاوية المنسلة من عينيه إلى طرف شاربه، تدفق الشلال البارد مندفعاً من قلبه الواجف إلى تلافيف دماغه، تطامن الفيضان من وهاد رأسه ثم انبثق كالشلال من عينيه، صار نافورة منتصبة وسط الغرفة الكئيبة المظلمة، يتدفق الماء من رأسه الى السجادة، صار نبعاً من ماء أسودٍ مؤلم.
هتف: ربّاه
القطرات المتجمعة أسفل جسده ارتفعت لتجلد قدميه وساقيه وفخذيه بسياط الألم... وجعان يحاول مقاومتهما، وجع رأس يكتوي بأمواج الدموع المصطخبة، ووجع أسفل جسده تحزّزه سكاكين المياه السوداء، لهج بألم ممض.
ـ إني أموت.
ومن الصورتين المتجاورتين المصلوبتين على جدار الغرفة ترجلا سوية: كهل وعجوز... وقفا أمامه تماماً... من خلل الدموع المنذهلة ابصر الشيب الرائع لكليهما يتحول بالتدريج الى رمادي، ثم رمادي أعمق، ثم أسود، والتجاعيد المحفورة في الوجنات والجبين والعنق ينمحلان وتظهر بشرة يافعة سرى فيها دم قانٍٍ ويتورد الوجهان بالحياة الغضة، وجسده يصغر ويتسامى حتى غدا طفلاً، جلس الوجهان على الأريكة، ركض صوبهما واستوطن حضنيهما الدافئين بالتناوب، صارا يقبلانه ويناغيانه، شعر براحة افتقدها منذ زمن بعيد، وأخيراً وضع رأسه على صدر أمه الدافيء النابض بالحليب والحياة، ونام، تناغمت أنفاسه ووجيب القلب الحنون اللابد وراء الغلالة المبرقشة بالورود الحمر والبيض.
نام في الحضن العسجدي واستشعر الراحة التامة، وفتح موقيه بعد نومة رخية هانئة، تلمّس وجه السجادة الناعم المتوحد بجسده البليل المكدود، فتح عينيه وهمس.
ـ أبي.. أمي، أين ذهبتما..؟!..
وحدّق في صورتيهما، التهب صدغه، أغمض عينيه وفتحهما وحدّق ثانية، إحدى الصور، اطار على كارتون ابيض، والأخرى أريكة فخمة عتيقة يقتعد طرفيها: كهل وعجوز... يحدقان بحب وحنان في جسده الذي يتوسطهما.