محنة المنظمة الآثورية الديمقراطية ( 7 )
اعتقالات 1987وسقوط ورقة التوت
بالعودة الى ملف الاعتقالات والتوقيفات التي تعرضت لها قيادة المنظمة الآثورية، نهاية 1986 وربيع 1987.
بالطبع،معظم الأوساط السياسية والشعبية، الآشورية وغير الآشورية،المقربة من المنظمة الآثورية في الجزيرة السورية، تعلم بأن تلك (الاعتقالات) لم تحصل على خلفية موقف أو حدث سياسي (قومي أو وطني) بارز اتخذته المنظمة الآثورية يمكن لها أن تفتخر به ويعطيها شيء من الرصيد السياسي في المجتمع، إنما تلك (الاعتقالات)، أو التوقيفات، حصلت نتيجة خطأ أو بالأحرى استهتار بأمن المنظمة وبأًًصول العلاقات التنظيمية.ذلك من خلال تحميل إرسالية الى (فرع أوربا) لشاب صغير من كوادر المنظمة،ضبطت الرسالة معه من قبل المخابرات الجوية السورية في المطار.كان ذلك في كانون الأول 1986، على أثرها تم توقيفه وبعدها بأيام تم اعتقال ثلاثة أشخاص من المنظمة لهم علاقة مباشرة بتلك الرسالة، بينهم (بشير سعدي)، كان آنذاك عضواً في المكتب السياسي. وقد علمنا فيما بعد من المعتقلين أنفسهم: بأنه(بشير) هو الذي أفشى بأسماء جميع أعضاء الهيئات القيادية في المنظمة وقد اعتقلوا جميعهم (أعضاء فرع سوريا ومكتب سياسي ولجنة مركزية) في آذار 1987، وتم نقلهم الى دمشق.
بعد الدفعة الثانية من الاعتقالات(اعتقال كامل قيادة المنظمة)، كان لزاماً لا بل واجباً تنظيمياً وأخلاقياً وسياسياً، أن يتحرك الصف الثاني في المنظمة الآثورية لملء الفراغ الذي خلفته الاعتقالات وتحمل المسؤولية في قيادة المنظمة في أحرج وأصعب مرحلة مرت بها، وعدم ترك مصيرها للمجهول لأن لا أحد، طبعاً داخل المنظمة،كان يعلم كم ستطول فترة اعتقالهم، وبدافع هذه المسؤولية التاريخية والواجب القومي، تحركتُ(سليمان يوسف) مع مجموعة من الآثوريين الغيورين والمخلصين لتشكيل قيادة مؤقتة سمينها ( الهيئة المكلفة)، وباشرنا اتصالاتنا مع القواعد للتواصل معها عبر آليات خاصة ناسبت ظروف المرحلة،وأخرجنا قواعد وجماهير المنظمة من حالة الإحباط واليأس التي سيطرت عليهم واجتاحت الشارع الآشوري و جعلناهم يتفاعلون بشكل ايجابي مع حدث الاعتقال الذي لم تكن المنظمة مهيأة له، وقد نجحنا بنسبة كبيرة في إعادة التوازن للمنظمة الآثورية والتخفيف من هول الصدمة على الجماهير الآشورية. وقد سارعت(الهيئة المكلفة) الى اصدار بياناً سياسياً، تميز بالجرأة والشجاعة، برأي العديد من القوى السياسية الأخرى، طبعاً قياساً مع مستوى القمع الذي كان يمارس في سوريا آنذاك، توجهنا فيه الى الرأي العام الآشوري والقوى السياسية الوطنية في البلاد، أدانت الهيئة المكلفة في بيانها الاعتقالات وطالبت بالإفراج الفوري عن الآثوريين وعن جميع المعتقلين السياسيين في سوريا، وقد تم توزيع البيان في مدن الجزيرة السورية و حلب و العاصمة دمشق.كانت تقديراتنا في الهيئة المكلفة، بأننا قد نلتحق برفاقنا الآثوريين في السجن بعد وصول البيان الى يد سلطات الأمن السورية، لكننا لم نكن نتوقع قطعاً أن تأخذ (قيادة المنظمة الآثورية المعتقلة) بعد خروجها من السجن دور (المخابرات السورية) في محاربتنا على خلفية البيان الذي أصدرنا باسم (الهيئة المكلفة). فبعد أيام من صدور البيان المذكور أفرج عن جميع الآثوريين المعتقلين وبشكل مفاجئ، بأقل من أسبوعين على اعتقال(الدفعة الأخيرة) ومن غير أن يتعرض الكثيرين منهم للضرب أو التعذيب، طبعاً ومن غير أن تصدر أية أحكام بحق أحد منهم. إذ،يبدو أن قيادة المنظمة وبعد أن قرأت (بيان الهيئة المكلفة) أصيبت بالذعر والهلع خوفاً من أن تعود الى السجن ثانية وتفقد مصداقيتها أمام سلطات الأمن السورية، لذالك سارعت الى التبرؤ من البيان واتهام الهيئة المكلفة بالارتباط مع المعارضة للتضليل على الجماهير وعلى قواعد المنظمة ودعت الى عقد اجتماع طارئ وقررت اصدار بيان معاكس لبيان الهيئة المكلفة لإثبات براءتها منه أمام سلطات الأمن السورية و إرضاء لها،وقد كلفوا (سعيد لحدو) بوضع (مسودة البيان)، لكن خشيتها من الفضيحة السياسية تراجعت في اللحظات الأخيرة عن اصداره، طبعاً بعد أن تبرأت شفهياً منه أمام سلطات الأمن.
بالرغم من مضي أكثر من ثلاثة أشهر على اعتقال الدفعة الأولى ( الأربعة ) الذين اعتقلوا في كانون الأول 1986 لم تصدر قيادة المنظمة الآثورية- قبل أن تعتقل في آذار 1987-أي بيان أو بلاغ يدين اعتقال أربعة آثوريين ويطالب بالإفراج عنهم،وهذا أمر بالغ الأهمية سياسياً، فهو يعكس ضحالة التفكير السياسي لدى القيادة الآثورية وطريقة تعاطيها مع مسألة الاعتقالات. فكل ما فعلته تلك القيادة الآثورية التقليدية في حينها وعلى مدى ثلاثة أشهر أنها تحركت باتجاه الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والبطريرك زكا شخصياً- معروف في سوريا أن الكنيسة كمؤسسة دينية واجتماعية التي تقوم عليها (طبقة الإكليروس) هي جزء من مؤسسات السلطة وهي تخضع لها وتتبعها- وباتجاه بعض الشخصيات الآشورية/السريانية البعثية المستعربة والتي كانت تحتل مواقع ومناصب رسمية في الدولة من أجل الإفراج عن الأربعة الآثوريين المعتقلين بأي ثمن، بدلاً من أن تتوجه بخطاب سياسي آشوري وطني الى القوى السياسية الوطنية السورية والرأي العام الآشوري والسوري تدين اعتقال رفاقها وتطالب السلطات بالإفراج عنهم وتوظف اعتقالهم سياسياً لصالح (القضية الآشورية) في سوريا.بالطبع هذا يؤكد مرة أخرى بأن تلك القيادات لم تفكر يوماً بعقلية (الحزب السياسي) وإنما بعقلية رجل الدين وشيخ العشيرة والمجلس الملي الطائفي، وكانت ومازالت تتخذ من هؤلاء مرجعية لها- جدير بالذكر أن المجلس الملي للسريان الأرثوذكس في القامشلي لعب دوراً سلبياً وتحريضياً ومشبوهاً في توتير وتصعيد الأزمة الراهنة داخل المنظمة،فقد قال أحد أعضاءه في اجتماع للمجلس، طبعاً قالها عن خبث وبنوايا مغرضة وسيئة، معلقاً على كلمة المنظمة الآثورية في حفل تأبين ضحايا الكرد، موجهاً كلامه للعضو الآثوري في المجلس الملي: (( يبدو أن المنظمة الآثورية وقعت بأحضان الحركة الكردية))، وقد وظف السيد بشير سعدي ومريديه هذا الكلام المشبوه في حملتهم الهوجاء ضدنا، بدلاً من أن يدافعوا عن كلمة المنظمة. جدير بالذكر أن قيادة المنظمة الآثورية بعد الإفراج عنها قدمت هدايا ثمينة للبطرك زكا ولبعض الشخصيات السريانية الأخرى تقديراً ومكافئة لهم على جهودهم التي ساعدت على الإفراج السريع عن الآثوريين،في حين لو أن السلطات السورية وجدت في المنظمة موقفاً أو اتجاهاً معارضاً لسياسة النظام ولو بنسبة ضعيفة، لما كان سيفرج عنهم بهذه السرعة لو اجتمع كل بطاركة ومشايخ العالم المسيحي والإسلامي.وإثناء زيارة وفد من المعارضة السورية الى السيد بشير سعدي للتعبير عن موقفهم المتضامن معه كمعتقل سياسي ومع المنظمة الآثورية صدموا بكلامه ومديحه للنظام السوري بالقول: ((سوريا سويسرا الشرق)).وقد تبين فيما بعد، بأن أسباب الإفراج السريع عن الآثوريين تعود الى توصل السلطات السورية ومن خلال التحقيق معهم بأن (المنظمة الآثورية الديمقراطية) لا تحمل من السياسة إلا أسمها. وقد نقل عن أحد المعتقلين الآثوريين بأن ضابط التحقيق علق عليهم بالقول: (( أذهبوا جمعية نسائية أفضل وأجرأ منكم )). كما كشف أحد الآثوريين المعتقلين بأن البعض في قيادة المنظمة الآثورية وإثناء التحقيق معهم عرضوا على (الأمن السوري) تفكيك (المنظمة الآثورية) وحلها، لكن السلطات الأمن السورية لم توافق على هذا المقترح القومي والوطني الشجاع، طبعاً ليس حرصاً من الأمن السوري على المنظمة وعلى مستقبل الشعب الآشوري، وإنما لاستخدام هؤلاء في ضبط المنظمة والتحكم بها، فحل المنظمة قد يخلي الساحة ويدفع لبروز تنظيمات آشورية خارج السيطرة الأمنية.كما نقل عن بعضهم بأن (سعيد لحدو) أفشى حتى بأسماء النساء والفتيات الآثوريات وقد برر موقفه بالقول: ((هل يعقل أن نؤسس حزب ومنظمة ديمقراطية من غير نساء أو فتيات)).وقد التزم الأبطال الآثوريون بشروط وطلبات الجهات الأمنية منذ اليوم الأول للإفراج عنهم، حيث استقتلوا من أجل أن يعودوا الى مواقعهم في قيادة المنظمة، خلافاً لجميع الأعراف وقواعد العمل التنظيمي في الأحزاب التي تعمل وتتنشط بشكل سري في ظل نظام استبدادي كالنظام السوري. في حين كانت قد ارتأت (الهيئة المكلفة) التريث بعودتهم للهيكل التنظيم، حفاظاً على أمن المنظمة من أي اختراق أمني جديد قد يحصل،هذا الخلاف في الموقف من عودة المعتقلين الى الهيكل التنظيمي هو الذي فجر ما بات يعرف بـ(أزمة الهيئة المكلفة). وعندما رفضت الهيئة المكلفة عودتهم بالطريقة التي أرادوها وكأن شيء لم يكن،اخترقوا قواعد المنظمة مستغلين علاقات القرابة والصداقة والعلاقات الاجتماعية والعشائرية والأسرية التقليدية السائدة في المنظمة ومن خلال سياسة الترغيب مع البعض والترهيب مع البعض الآخر ممن عند ورفض في البداية، وكأنهم جاؤوا من دورة إعداد حزبي وسياسي وليسوا خارجين من أحد الفروع الأمنية. ومنذ ذلك التاريخ والوصاية الأمنية مستمرة على المنظمة، حيث بقي موقع (مسؤول المكتب السياسي) و (مسؤول اللجنة المركزية) حكراً على المعتقلين. وقد استمرت الهيئة المكلفة ومعها أكثر من عشرين من خيرة كوادر المنظمة الآثورية تعمل بشكل مستقل لمدة أكثر من خمس سنوات، وكثيراً ما هددت بالجهات الأمنية من قبل البعض منهم في حال استمرت بإصدار البيانات والنشرات كهيئة مكلفة باسم المنظمة الآثورية.بلا شك، لقد ارتكبنا خطئاً سياسياً كبيراً كهيئة مكلفة بعودتنا الى صفوف المنظمة والعمل مع تلك القيادة المشبوهة بعد خمس سنوات من عملنا المستقل، خاصة وأن عودتنا تزامنت مع انشقاق مجموعة أخرى مهمة عن المنظمة، ما زال البعض منهم يعمل باسم (المنظمة الآثورية الديمقراطية - تيار الإصلاح)، وغالباً انشقاق تلك المجموعة هو الذي دفع بقيادة المنظمة للاستعجال بعودتنا.
لقد ثبت اليوم وبعد ربع قرن من الزمن، صحة وجهة نظرنا كهيئة مكلفة وعقلانية موقفنا السياسي من الاعتقال والمعتقلين ومن القضية الآشورية في سوريا ،وقد تبينا بأننا كنا نسبق تلك القيادة التقليدية بعقود في الرؤية السياسية لمستقبل المنظمة الآثورية وآفاق العمل السياسي في سوريا.تلك القيادة التي تهمتنا بالعلاقة مع المعارضة عندما اختلفنا معها حول الموقف من النظام السوري وحول طبيعة الخطاب السياسي للمنظمة ويوم كان قمع النظام للمعارضة في ذروته، ها هي اليوم ذات الأشخاص في المنظمة وبعد نحو ربع قرن من الزمن يتباهون بالتوقيع على بيانات مشتركة مع ذات الأحزاب في المعارضة السورية وبعد الانفراج النسبي في الحياة السياسية السورية. لقد حولوا التخاذل والاستسلام في السجن وبعد أن سقطت ورقة التوت عنهم الى انتصارات سياسية وبطولات قومية،مثلما هم اليوم يجعلون من تلك البيانات الخجولة والمؤقتة مع المعارضة السورية انجازات ومكاسب قومية وسياسية للشعب الآشوري.
سليمان يوسف.... سوريا- القامشلي
منسحب من قيادة المنظمة الآثورية الديمقراطية
shosin@scs-net.org [/b]