حَكَت هذه الحكاية لعالمِها الأبيض
قصة قصيرة
أمير بولص إبراهيم
طال َ انتظار تلك الروح له على قبر جسدها وبدأ القلق يساورها لتأخره ِ بالحضور في تلك الأمسية الخريفية..حيث كان كل يوم يأتي لملاقاتها في تلك المقبرة القديمة حسب اعتقاده إنه يلتقي مع روحها ويتهامسان معا ً ..كان كل يوم يزور قبرها و يوقد فوقه الشموع .. في لحظات انتظاره تلك أخذت تُهامس ُ جسدها المدفون تحت التراب عن سبب تأخره ِ ..تهللت بعدما أحست بقدومه وكعادته ِ حاملا ً زهرة اصطناعية بدلا ً من زهرة طبيعية من الزهور التي كانت تحبها لتبقى أطول فترة ممكنة فوق قبرها لأنه على سفر ِ وقد تكون هذه زيارته الأخيرة له ومع زهرته تلك علبة شموع جديدة بدت شموعها أطول من المرات السابقة لذات السبب .. وفي يده الأخرى يحمل حقيبة سفر ِ إلى المجهول .. راحت تتلقف أنفاسه ِ بسرور وهو يتباطأ بالخطى نحو القبر
راوده شعور بأن الروح التي تنتظره ُ بدأت تلومه على تأخره ِ ..وصل َ.. ركع َ على ركبتيه ِوكأنه يصلي.. غَرسَ زهرته وأوقد شموعه.. تمرغت صلواته ودموعه بتراب القبر ..شعر وكأنها تتلمس شعره ُ بأنفاسها الباردة وتُقبل رأسه ُ بنفحة روحية هادئة هامسة له : كفاك َ بكاء ً فأنا في عالمي الجديد مسرورة حيث الأرواح الصافية تشبه الحمام تُحلق أينما تريد ولا تعرف لمن تكون تلك الأرواح كل ما تعرفه ُ إنها في عالم أبيض لا تدخله الأحقاد والكذب والقتل وكل ما يُخالف وصايا الله ..وكمن َ سَمَع َ همسها : نعم أعلم إنك هناك في عالم ٍ أبيض ولكنني أفتقدك كل يوم، لذلك آتي هنا لألتقي معك وكأني مجنون .. أحس بعودة همسها مرة أخرى : لماذا هذا الحزن الكبير هذه المرة وكأنك تزورني للمرة الأخيرة ..تلعثمت أنفاسه وهو يهمس : هذه زهرتي الأخيرة وشموعي الأخيرة أيضا لأنني مسافر بعد أن لفظني الوطن في لحظة قاسية يعيشها. نهض َ ونظر الى السماء .. بدأ الغيم يغزوها مثيرا ًسوادا ً يليه مطرٌ .. أدار َ ظهره ُ للقبر ولها ..غي أنها رافقته حتى الباب ليودع هو آخر نظراته للقبر ويطلق أنفاسه قبلة ً لها .. لينطلق حيث المجهول الذي ينتظره ُ.. تساقط المطر لحظتها ليعانق دموعه الممرغة بالتراب وتهب ريح خفيفة تلاعب الزهرة وتشاكس أضواء الشموع ..لتُسقِط الزهرة وتطفئ الشموع .. لن يكون من يغرس الزهور ويوقد الشموع
رَوَّت هذه الحكاية لعالمها الأبيض لتسكن فيه للأبد ...!!
برطلة 11 شباط 2011