القديسة العظيمة فيرونيكا جولياني ج10
الفصــل الـــرابــع
دور مريـــــم الكُليـــــة القداسة الذي لاغنى عنه
سؤال يطرح ذاته: تـُرى هل ثمة مبالغة في ختمنا الفصل السابق ملقبين والدة الله
ب"شريكة فداء العالم" ؟ سوف يتضح الجواب لدى ولوجنا هذا الفصل المريمي،
ذروة رسالة القديسة النبوية .
إنه موضوع يثير اليوم جدلاً كبيراً، لربما الأكبر : مكانة مريم الكلية القداسة ودورها في الكنيسة وفي تاريخ الخلاص ؛ البعض يزعم أن هذا الدور مبالغ فيه، والبعض الآخر يعتقد أن سر مريم كبير لدرجة يحوجنا معها الكثير من البحث والتقصي لأكتشاف مدى عمق دورها ، وتقديره حق قدره.
لايتوجب على المرء أن يكون كثير العِلم والذكاء ليلحظ أن أزمنتنا هذه تحمل خَتماً
مريميا واضحاً لم يُعَرف له مثيل في التاريخ . فمن خلال ظهورات العذراء المتلاحقة ، بدءاً من شارع باك(Rue du Bac ) والايقونة العجائبية ، إلى لورد ، فلاساليت ، وفاطما ، وظهورات أخرى أثبتتها الكنيسة أو لاتزال قيد الدراسة
والتمحيص ، كما أيضا من خلال عدة حركات مريمية وحقائق كنيسة إستنبطها ، الروح القدس والعذراء نفسها ، يرتسم بوضوح ماقد أصبح تعبيراً متداولاً :
" الأزمنة المريمية" ؛ إنه تعبير نسمعهُ أونقرأهُ مراراً في خطبِ لمسؤولين رفيعي المستوى في الكنيسة المقدسة.
إن الأزمنة المريمية ، كما يبدو ، هي الأزمنة التي يقود خلالها الروح القدس والكنيسة ، وبالتالي العالم لكي يفهم ، ومن ثم يُعلن ، "الحقيقة كلها"(يوحنا 14: 17) حول مريم ، حول دورها الحاسم : المراة"التي ستسحق رأس الحية القديمة
"المرأة"(تكوين 3: 15)،" المرأة المُلتحفة بالشمس" التي تصارع التنين (رؤيا12)؛" المرأة التي أوكل الرب إليها، من على الصليب وقبل أن يُعلن أن
"كلَ شيء قد تم""(يوحنا 19: 30)، البشرية بأسرها في شخص التلميذ الحبيب كأبناء لها تلدهم مع المخلص عند أن أقدام الصليب ، وهي" تصرخ من ألم المخاض"
(رؤيا12: 2)؛ " المرأة" عرس قانا الجليل التي تتوسط لدى ابنها للبشرية التي فقدت خمر النعمة(يوحنا 2)؛" المرأة" التي لايستطيع الله أن يرفض لها شيئاً لأنها لم ترفض له شيئاً ، حتى التضحية بأبنها الوحيد، الذي هو الله ،فأضحت نظير إبراهيم ـــ وفاقته ــ أماً لشعوب عديدة.
هذا" الأجتياح"المريمي" على مستوى كنسي شامل ، يتقدك على جبهتين متوازيتين: الاولى لاهوتية وعقائدية، الثانية شعبية وتقويّة:
فعلى الجبهة الاولى ، نلمس بداية ظهور عقائد مريمية: الاولى هي عقيدة الحبل بلا دنس(1854) التي أثبتتها فوراً السماء ، بشخص العذراء مريم نفسها في لورد بعد أربع سنوات:"أنا الحبل بلا دنس"(1858) ؛ ثم عقيدة إنتقالها الى السماء بالنفس والجسد(1950) مع الباب بيوس الثاني عشر، مع كل ماتحمل هاتان العقيدتان في طياتهما مِن معانِ جوهرية بالنبسة إلى الإنسان وإلى تاريخ الخلاص، لامجال في نهاية المطاف: اين يقدر لهذه الجبهة المريمية الوصول ؟
لقد أجابت العذراء مريم عن هذا التساؤل بنفسها في ظهوراتها في امستردام ك "سيدة جميع الشعوب"( ظهور أثبته الاسقف سنة 1998) حيث أعلنت أنها
"وسيطة كل النِعم السماوية وشريكة الفداء".
هنا، وبسبب توجه عصري يميل ، ياللأسف ، إلى التقليل من أهمية النقاش وشأنه والبحث في هذا الموضوع، نشعر بأنه يتوجب علينا أن نتوقف هنا لإبرار لمحة حول المسار الكنسي في هذا الشأن ،مّما سيساعد المؤمن على أن يعي أهمية ماتحمله القديسة فيرونيكا في طيات كتاباتها من جديد في صدد موضوع الوساطة المريمية( أي شراكتها في الفداء ووساطتها لكل النِعَم).
إنه تعليم تم التشديد حوله طوال التاريخ منذ أقدم العصور ، مروراً بآباء الكنيسة وبحشد كبير من كبار القديسين لامجال لنا لإطالة شرحه ؛لذا نكتفي بما قاله القديس أوغسطينوس في هذا الشأن :" إن مريم هي عالم الله الحيّ ....إن المُخـَلصين المعدّين لوراثة الملكوت السماوي هم مقيمون طيلة حياتهم في العالم في إحشاء مريم، ولايرون النور إلا عندما تلدهم هذه الأم الصَالحة للحياة الابدية".
كما من قِبل سلطان التعليم البابوي مدى العصور ، وخاصة منذ عهد البابا لاوون الثالث عشر وحتى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني( فالبابا بندكتس السادس عشر حاليا)، كما سنورد بأختصار :
إن الدستور العقائدي" نور الأمم" يوضح قبل كلُ شيء، بأن دور مريم الامومي نحو البشر لايعتم بأ ي شكل من الاشكال و يُقلل من شأن وساطة المسيح الوحيدة. والبابا يوحنا بولس الثاني يشدد على هذا الامر مؤكداً على "ضرورة أن يتم إدخال التـَعبد المريمي بشكل متناغم في الروحانية المسيحية الواحدة ، لأنها متأصلة ومتجذرة في إرادة المسيح"
إن تعليم السلطة البابوية طوال القرن العشرين ينفتح بتناغم على الإرث الثمين، في مضمار الوساطة المريمية ، الذي تركه البابا لاوون الثالث عشر في نهاية القرن السابق: "بكامل الحقيقة والخصائص ، يحق لنا أن نؤكد بأنه ، في شأن كنز الإنعامات العظيم الذي استحقه لنا المسيح، فما من شيء بتاتا يتم إيصاله إلينا إلا من خلال مريم، لأن الله قد إرتأى ذلك على هذا النحو . وبما أنه ماأعطى لأحد أن يذهب إلى الآب سوى بواسطة الأبن ، هكذا بالشكل المعتاد ، فما من أحد يستطيع الذهاب إلى المسيح إلا من خلال أمه... فمخطط الله الرحوم والعذب هذا الذي يتحقق بمريم والذي أبانه المسيح بوصيته الأخيرة قد تم فهمه منذ البدء ، بفرح عظيم من قِبل الرسل القديسين والمؤمنين الأوائل ؛ ولقد فهمه وعلمه آباء الكنيسة الأولون ؛ وقد فهمه بتوافق الشعب المسيحي في كل زمن... لايمكننا أن نفسر ، دون الإقرار
"يإيمان إلهي" هذا الدفع القدير جداً الذي يحثنا ويجرنا نحو مريم.
ويؤكد البابا القديس بيوس العاشر:" مِن خلال الاتحاد المشترك للآلام والإرادة بين يسوع ومريم ، استحقت هي أن تصبح ، بتمام الأهلية ، مصلحة العالم الضائع ، ولهذا فهي موزعة كافة النِعَم ".
ويكتب البابا بيوس الثاني عشر بشكل لامع جداً بأن الله قد أراد أن يَشرك بطريقة لاتنفصم العذراء مريم الكلية الطوبى مع المسيح في إتمام فداء البشرية ، حيث نستطيع أن نعتبر أن خلاصنا هو ثمرة محبة والآم المسيح ومحبة وآلام والدته، بشكل أن الشعب المسيحي قد نال الحياة الإلهية من المسيح ومن مريم"، وبأن مريم الكلية القداسة التي لايمكن لأي وصف أن يفيها حقَها ، ولاتزال بشراكة معه،
بقدرة شبه لامحدودة ، في توزيع النِعَم الناجمـة عن الفـداء" .
إن المجمع الفاتيكاني ، في الدستور العقائدي " نور الأمم يعلم أيضا أن هذا الاتحاد الذي للآم مع أبنها في عمل الفداء يبرز منذ لحظة الحَبل البتولي بالمسيح إلى حين موته....... وبصعودها إلى السماء ، لم تتخلّ عن وظيفة الخلاص هذه، بل إنها ...لاتزال تواصل الحصول لنا على النِعَم الضرورية للخلاص الأبدي" .
ويعود البابا لولس السادس ويشدد على أن معرفة التعليم الكاثوليكي الحقيقي حول مريم سيشكل دوماً مفتاحاً لكي نفهم بدقة معرفة سر المسيح والكنيسة ، مختتما أحد أحاديثه المريمية بقوله إننا لا نستطيع أن نكون مسيحيين إن تكن مريميين .
هاهي إذاً نقطة الوصول ! فمريم ليست إختيار إضافياً ، ولو على درجة من الاهمية ، ضمن الكنيسة . لاغنى عن مريم في الفداء التاريخي، والشخصي لكل إنسان. فمريم ـــ لابقدرتها ونعمتها الخاصة ، بل بإرادة الله وحسب مخططهُ ، من خلال مشاركتها الكاملة والفريدة التي لا تتكرر والمطلقة، لافقط يوم خميس الاسرار والجمعة العظيمة، بل ايضا يوم سبت النور محافظة هي وحدها على الإيمان بالقيامة ـــ هي شريكة حقيقية في فداء العالم والبشرية كلها. وهذا مايبدو واضحاً
في ما ترمز إليه الأيقونة العجائبية التي أعطتها مريم بنفسها للقديسة كاترين لابوريه في ظهورها سنة 1830 في باريس :
الحبل بلا دنس على الوجه الامامي للأيقونة، و"شريكة" الفداء"(يُرمز اليها بال
"M" المرتبط بالصليب ، على الوجه الخلفي)؛ إنها مسيرة لاتمر فقط من خلال قلب يسوع ، بل أيضا من خلال قلب مريم المتألم الطاهر، المتواجدين في الايقونه ؛ ستـُعلن فعلاً العذراء فيما بعد:" يريد الثالوث الأقدس توطييد التعبد لقلبي الطاهر في العالم" ( فكما 1917).
ولقد بلغنا بذلك نطاق الجبهة الثانية، أي التقوى والتعبد الشخصي والكنسي لمريم الكلية القداسة ، فإن هاتين الجبهتين متكاملتان فيما بينهما. فالتعبد يجب أ ن يبلغ ذروته ـــ بحسب التعليم المريمي الأسمى للقديس" لويس ماري غرينيون دي مونفورت" في كِتابهِ الشهير" التعبد الحقيقي " للعذراء مريم" ــ من خلال التكرس الشخصي والجماعي الكامل للعذراء مريم الكلية القداسة ؛ تعليم هو ثمرة النضوج والتعمق المستمر للمدرسة الروحية الفرنسية المؤوسسة على سر التجسد ؛ إنه إستسلام وثقة كاملة بتلك تعرف يسوع أكثر من الجميع ، بتلك المُعَلمة التي تستطيع أن تقودنا في الطريق والأكثر أمانة وأختصار، نحو إبنها المبارك ، والتي أسلم يسوع ذاته بكليتها إليها.
والجدير بالذكر ، أن البابا يوحنا بولس الثاني توقف مجدداً عند هذا التعليم فتشربهُ،
وتعمق فيه ساعياً، وأهداه إلى العالم باسره في ندائه الشهير :"كلّي لكِ" مُكرساً العالم والألفية الثالثة لقلب مريم الطاهر ، داعيا الجميع مراراً لقراءة علامات الأزمنة ولفهم هذا التكرس وتطبيقه بحسب طلب العذراء مريم في فاطمة قائلاً بأن
رسالة العذراء في فاطمة هي ملحة لدرجة طارئة ، اليوم أكثر منه حينها وهي تفرض على الكنيسة جواباً"
نذكر بأنه بعد الكلمات الأولى المتلفظ بها في فاطمة :" نفوس كثيرة تسقط في جهنم لأنه لايوجد مَن يُصلي ويقدم إماتات لأجلها"، أضافت العذراء فوراً:
"لتفادي ذلك ، يريد الثالوث الاقدس أن يوطد في العالم التعبد( وبالتالي التكرس)
لقلبي الطاهر . "
تأكيداً لكل هذا ، سنرى بمقدار مذهل كيف شخص مريم ودورها الإلهي الفاعل قد أحتلا المكانة الأبرز في إختبارات القديسة فيرونيكا وفي كتاباتها ، حيث نعثر على الكثير مما يصح قوله في هذا الشأن. لذا يبدو لنا تستحق أن تـُدعى رسولة مريم"
وليس فقط " تلميذة مريم" وفق ماورد في يومياتها". إن البتول فيرونيكا كانت قد أدركت وعاشت أستسلاماً شخصياً وجماعيا كاملاً ونبوياً تجاه العذراء الكلية القداسة . إن نعبدها لمريم يبلغ أقصى ذرى تصوف مريمي" موسع" يصل أحيانا إلى حدّ الفرادة . يليق هنا التنوية بأن مسيرة القديسة التصوفية بلغت ذروتها في إختيار" الأتحاد المُحَول مع قلب مريم.