|
Saied Lahdo
|
 |
« في: 05:27 30/07/2006 » |
|
سـعيد لحــدو - هولندا
أي نظام عربي نبكي ؟
مع كثرة القنوات الفضائية العربية, وكثرة البرامج السياسية التي تقدمها, وكثرة وتنوع المتحدثين في تلك البرامج, يكاد يجمع الجميع (والإجماع العربي نادراً ما يحصل حتى في تحية الصباح) على أمر واحد وهو أن أمريكا تريد شراً بالعرب. ويتبارى المتحدثون في تعداد أشكال وألوان ذلك الشر. فمن سياسة الهيمنة على المنطقة, إلى استغلال ثرواتها وبخاصة النفط, إلى محاربة الإسلام والمسلمين... إلى آخر ما هنالك من النظريات والاجتهادات التي لا شك أن الكثير منها على حق. ولكن أكثر ما استوقفني, مقولة البعض أن أمريكا بتدخلاتها (السياسية والاقتصادية والعسكرية) في المنطقة تهدد النظام العربي القائم وتريد تغييره....!!! لا أزعم أن أصحاب هذا القول مخطئون, ولا أجزم بأن أمريكا لا تريد ذلك.. ولكن من حقي كما من حق أي كان التساؤل: أي نظام عربي هذا الذي تريد أمريكا وربما إسرائيل أو الغرب كله تغييره؟ وما هو شكل النظام الذي يسعون إليه؟ وما هي انعكاسات ذلك على المواطن في الدول العربية؟ من المعلوم أن معظم الدول العربية القائمة حالياً هي نتيجة توافقات بين الدول الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى. وأنظمتها مستمدة من التركيبة التي صاغها المستعمر آنذاك وما تزال. ولم تحدث قرابة نصف قرن من الاستقلال من التغيير الشيء الذي يذكر, باستثناء بعض النظم الثوروية التي لم تقد انقلاباتها العسكرية تحت اسم ثورات مزعومة مزركشة بالشعارات البراقة دولها سوى إلى مزيد من التراجع والانهزام على كل صعيد بدءاً من رغيف الخبز وانتهاءً "بالتحرير" . وهذا التحرير بالطبع لم يقصد به تحرير فلسطين فقط وإنما كل الأراضي "العربية" المغتصبة الأخرى مثل عربستان وكيليكيا واسكندرونة والتي بات التنازل غير المعلن عنها الواحدة تلو الأخرى السمة الأبرز للسياسة العربية. الأنظمة العربية اليوم لا شك في وضع لا تحسد عليه. فبعد كل ذلك الصراخ والزعيق من أجل التحرير والوحدة العربية بات الهم الأكبر الآن لهذه الأنظمة المحافظة على ما هو قائم مما كانت تسميه "مخلفات السياسة الاستعمارية" وذلك من "مؤامرة" أمريكية- إسرائيلية- غربية تهدف إلى التغيير, لدرجة أن الخوف تسرب إلى عقول المفكرين والمثقفين العرب أنفسهم (المفترض بهم أن يكونوا في مقدمة الداعين إلى التغيير إزاء هكذا نظام مهلهل متآكل, فانبروا ساعات طوال على الفضائيات العربية وعلى صفحات الجرائد لفضح "المؤامرة" والدفاع عما ازدروه ورفضوه وشتموه طوال أكثر من نصف قرن. فالجامعة العربية التي تأسست عام 1945 أقيمت بهدف توحيد كلمة العرب إزاء القضايا المشتركة والمصيرية. وها هي اليوم وبعد كل الكوارث التي حلت بالمنطقة العربية يتلعثم وزراء خارجيتها إزاء الوضع اللبناني المأساوي ليعلنوا بأن عملية السلام قد فشلت, وكأنه كانت هناك في أي يوم مضى عملية سلام حقيقية قائمة بين العرب وإسرائيل. وكأن المواطن في البلاد العربية قد حط للتو من كوكب آخر ولا يدري بأن حالة الحرب كانت وما زالت قائمة حتى في الدول التي وقع زعماؤها اتفاقيات سلام مع إسرائيل, وذلك دون أن يجرؤ العرب فرادى أو مجتمعين بإعلانها حرباً حاسمة أو على الأقل بقبول شروط السلم التي يفرضها عادة المنتصر على المهزوم لما يعنيه ذلك من اعتراف صريح بالهزيمة. إن الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى لم يعد يحسد على شيء إلا على راتبه الذي يتقاضاه بالدولار وكأن همه الأكبر بات على ما يبدو (مع احترامي لشخصه) المحافظة على هذا المنصب من أجل ذلك الراتب فقط. لقد بدأ النظام العربي في إطار الجامعة أو في إطار القمم العربية المشهودة باتخاذ القرارات التي كان ينفذ بعضها في حين كان يتم تناسي البعض الآخر. ثم تحول هذا النظام إلى اتخاذ القرارات التي يتم تناسيها قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به. بعد ذلك استعيض عن القرارات التي باتت تثير السخرية ببيانات التنديد والشجب, وهذا أضعف الإيمان. وبالطبع لم يزد ذلك واقع الأمر إلا سوءاً. وأمام تحد كبير مثلما هو حاصل في لبنان اليوم وصل الانحطاط والتفكك بالنظام العربي إلى أن مجرد الدعوة من مغامر ما كالرئيس اليمني لعقد قمة عربية لمناقشة الوضع يعتبر خطيئة كبيرة مما اضطر مطلقها إلى سحبها من التداول بعد بضعة أيام من إطلاقها؟؟؟ فأي نظام هذا الذي يخشى أولئك المحللون السياسيون والمثقفون في طول البلاد العربية وعرضها زواله؟ حتى وإن جاء ذلك التغيير على يد أمريكا. ثم هل حقيقة أن أمريكا تريد أن تستبدل هكذا نظام فاقد لأية إرادة أو فاعلية بما هو أفضل؟؟ مما قد تتوفر له القدرة على الاعتراض أو المقاومة. وإذا كان هناك من يعتقد بأن أمريكا تدرك بأن هذا النظام سيئ لكنها تطمع بما هو أسوأ منه بعد. أقول: وهل هناك بعد ماهو أسوأ..؟؟ إنني ما زلت أحتفظ بتسجيل صوتي منذ عام 1979 للكاتب والمفكر السياسي والمناضل الوطني الكبير ميشيل كيلو موجها له تحية إكبار في سجنه الحالي لدى النظام السوري, وذلك كمساهمة منه في لقاء القيادة السورية حينذاك مع نخبة من المثقفين والصحفيين السوريين إبان أزمة الإخوان المسلمين لمناقشة الوضع معهم. فقد قال حينذاك في معرض حديثه عن اتفاقية كامب ديفيد والتحديات التي كانت تواجهها المنطقة: (كامب ديفيد سيسقط المنطقة, وقد أسقط المنطقة. إذا كان هناك من يقاوم بالرمق الأخير, فهذا لا يعني أن مقاومة كامب ديفيد بالإذاعة هي مقاومة كامب ديفيد بالواقع....) ولقد تابع الأستاذ ميشيل كيلو عن وجوب القيام بخيار استراتيجي ولا أريد أن أستطرد بما قاله كي لا يفهم من ذلك أنني أدعو إلى الاستسلام والانهزامية. أقول الآن ما الذي تغير منذ ذلك التاريخ سوى أن الكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي, والتي كانت الداعم الأساسي والقوي لقضايا العرب في مواجهة السياسات الغربية, قد انهارت ولحقت الواحدة تلو الأخرى بقطار السياسة الأمريكية المسافر شرقاً؟؟ إذا لم تكن لدى العرب عموماً القدرة على بناء نظامهم الخاص والفعـَّال بقدراتهم الذاتية النابعة من إرادة شعوبهم. وحتى يحين الظرف والوقت المناسب ليتحقق ذلك فهل من الخطأ أن نستبدل نظاماً استعمارياً قائماً بنظام استعماري آخر. ونوفر على هذه الشعوب المغلوبة على أمرها كل هذا الدمار والمعاناة؟ أم أن المثل العربي القائل:" إللي بتعرفه أفضل من إللي بتتعرف عليه" يظل الحكمة التي يستند عليها التاريخ في المنطقة العربية.
رفقاً بهذه الشعوب البائسة اليائسة من شعارات الغزو والثارات العربية التي ابتدأت بإلقاء إسرائيل في البحر, مترافقة بالتنازل تلو الآخر عن الأرض والشرف والكرامة... والتي لم تنته بعد..!!! فأي نظام عربي هذا الذي نبكيه..؟؟
|