القيامة
المطران جان قواق
مدير الديوان البطريركي
بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس القيامة هي محور الإيمان المسيحي، بالقيامة دخل يسوع في مجد الله. وبما أن يسوع هو الإنسان الجديد ورأس البشرية، يمكننا القول أن البشرية كلها قد دخلت في رأسها إلى مجد الله. وهنا يقول الرسول بولس: «إن الله... قد أحيانا مع المسيح... ومعه أقامنا، ومعه أجلسنا في السماوات في المسيح يسوع» (أفسس 2: 5 ـ 6).
إيماننا بقيامة المسيح وبقيامتنا نحن مع المسيح يملأنا رجاءً ويُضفي على حياتنا الحاضرة وعلى كل أعمالنا معنىً جديداً، كما يقول بولس الرسول: «لعلمنا بأن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضاً مع يسوع، ويُظهرنا معكم أمامه. (...) ولذلك لسنا نفشل. بل ولئن كان إنسانُنا الظاهر ينهدم، فإنساننا الباطن يتجدد يوماً فيوم» (2كو 4: 14 ـ 16). فالمضايق التي نعانيها تتخذ في ضوء القيامة معنىً جديداً. فلا تعود محناً لا تُحتمل بل تصير امتحاناً لإيماننا بالقيامة ولمحبتنا لله حتى في أوقات الشدة، ومشاركة من قِبلنا في آلام المسيح الخلاصية، ونحن على يقين من أن دربنا إلى القيامة هو نفسه درب الصليب الذي سار عليه المسيح، وأنْ لا طريق آخر إلى الملكوت سوى طريق بذل الذات إتباعاً للمعلم الإلهي الذي قال: «من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعـني» (مر 8: 34).
قيامة المسيح تجدد نظرتنا إلى الكون: «إذاً نحن من الآن لا نعرف أحداً حسب الجسد، وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد. إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً» (2كو 5: 16 ـ 17).
قيامة المسيح تدفعنا إلى السلوك سلوكاً جديداً: «لقد قمتم مع المسيح. فاطلبوا إذن ما هو فوق، حيث يقيم المسيح جالساً عن يمين الله... لأنكم قد متم للعالم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم معه في المجد» (كو 3: 1 ـ 4).
من يؤمن بقيامة المسيح لا يمكن أن يتسرب اليأس إلى قلبه: «مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين. متحيرين، لكن غير يائسين. مضطهدين، لكن غير متروكين. مطروحين لكن غير هالكين. حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع، لكي تُظهَر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأننا نحن الأحياء نُسلم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت» (2كو 4: 8 ـ 11).
من يؤمن بقيامة المسيح يؤمن أن محبة الله التي سيطرت على الموت وتغلبت على الخطيئة في قيامة يسوع هي التي سوف تسيطر في النهاية، وأن الله سوف يكون الكل في الكل (1كو 15: 28).
ولكن هذا كله لن يتم من دون مشاركة كل الذين يؤمنون بالمحبة. فقيامة المسيح هي النور الذي يضيء حياة المسيحي والقوة التي تدفعه إلى الإسهام في إحلال ملكوت الله على الأرض.
بهذه المناسبة العظيمة، عيد قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات منتصراً على الموت والخطيئة والشيطان، أتقدم من المسحيين كافة، وبشكل خاص السريان بمختلف انتماءاتهم، بأحر التهاني وأجمل التبريكات، راجياً ومصلياً لله العلي القدير، أن يمنحنا القوة والغلبة على كل ما يعيق نمونا الروحي وكل ما يعرقل تقدمنا في كافة المجالات... وأصلي بشكل خاص لسورية الحبيبة، التي تمر في هذا العام بظروف استثنائية عصيبة، بأن تجتاز هذه المحنة، لا بل أن يُمهد لنا الرب الإله من هذه المحنة خلاصاً، وأن تكون الآلام التي تمر بسورية سبب قيامة وانتصار على كل قوى الظلام والفساد، وأصلي للسيد المسيح الذي أحب العالم حتى بذل نفسه من أجل خلاصه، أن يجعل المحبة تسيطر ليكون الله المحبة الكل في الكل... وكل عام وأنتم بألف خير... المسيح قام، حقاً قام.