السابع من آب... يوم الخالدين
أولا وقبل البدء بكتابة مقدمتي هذه , أقول فليكن مباركا على أبناء شعبنا الكلدوآشوري السرياني هذا اليوم المقدس , يوم الخالدين, يوم شهداء السابع من آب , وليكن مباركا أيضا على أولئك الابطال النزهاء الذين رفعوا عاليا لواء المسيرة الإستشهادية من بعدهم وطيلة أكثر من - ست وعشرون - عاما من النضال في أرض الجدود ( بت نهرين ) ولا زالوا على نهجهم سائرين , مدافعين مسترخصين دمائهم للذوذ عن حقوق شعبنا المشروعة ( القومية والوطنية ) ...
عزيزي القارئ الكريم:
أن الشهادة بين أبناء هذا الشعب لم تكن وليدة عصور متأخرة , بل هي إمتدادا لعصور موغلة في القدم , كما وإنه أي المواطن الكلدوآشوري السرياني لم يسترخص دمائه لأبناء قومه فقط بل وللغرباء أيضا وذلك في سبيل إيصال الحضارة والمدنية وطرق الإدارة والقوانين وما شابه ذلك من وسائل الإرشاد والتوعية الحياتية .......
أن الكلدوآشوري السرياني على الرغم من إنهيار كيانه السياسي وتشتته رغما عن إرادته لكنه ضل مستجيبا للشهادة في العصور الأولى للمسيحية وما تلاها ولتأخذ أي ( الشهادة ) منحى أخر , الا وهو المنحى الروحاني بالتقرب من الخالق والإبتعاد عن الماديات ( الإرضيات ) , بحيث تملكته الشجاعة والجرأة على تقديم جسده قربانا للتعاليم المسيحية السمحاء التي تجسدت فيه حد الإبتعاد عن العمل لدنياه .... !!! وليكونوا وبالنتيجة سببا في ترسيخها ونشرها إلى أصقاع المعمورة .
زملائي المتابعين :
وبمرور الزمن وبتعاقب المتغيرات وما كان يلحقها من مستجدات وتقلبات سريعة على الساحة الدولية والشرق أوسطية , أدت الى بروز صراعات الإستقطاب والمصالح السياسية خاصة في بدايات القرن العشرين , حيث المعاهدات المبرمة من قبل الإستعمار الإنكلوفرنسي وتغذيتها للأفكار الشوفينية والنزعات القبلية والعصبية الدينية على غرار السلاطين العثمانيين , وإتيانها يزعامات كارتونية هشاشة موالية أجادت في تطبيق مخطط التجزئة وإثارة الفتن على أرض الواقع وترسيخها , وبما أن شعبنا الكلدوآشوري السرياني كان الحلقة الأصغر عدديا في مسرح الصراع العراقي فكان هو الضحية وبتخطيط مدبر , والسبب يعود الى موقعه كشعب ذو تاريخ عريق وما يملكه من مقومات الشرعية القانونية للعيش ومزاولة حقوقه على أرضه التاريخية قبل غيره , إضافة لما يملكه من إمكانات وطاقات قادرة على الخلق والابداع إذا ما توفرت المناخات الملائمة ... هذه الميزات وغيرها كان لها من الاهمية والأولوية ولم تزل قائمة في حسابات وموازين السياسات الإستعمارية ( التكتيكية والستراتيجية ) والدول الاقليمية وحتى بعض من الأطراف الوطنية لتتبلور لديهم فكرة المضايقة والإنتهاك والقمع وممارسة عمليات التشريد القسري بحقه , موقعين به جراء ذلك عشرات المذابح لإفنائه قوميا, لغويا , ثقافيا وحضاريا ... وليس كما ينوي البعض إيهامنا على أن شعبنا قمع لمسيحيته !! , نعم أن المسيحية كانت حجة على الظاهر فقط أما المخفي أو الباطن كان أبعد وأخطر من ذلك ألا وهو إبادتنا عرقيا ؟؟؟ وإلا يا عزيزي القارئ بماذا يفسر العداء الذي كان بين الأوساط الحاكمة في كل من إنكلترا وتركيا الذين كانوا في خندقين متحاربين أبان الحرب الكونية الأولى , لكنهم مع ذلك أتبعوا سياسة واحدة معادية للمصالح القوميةالكلدوآشورية !! وما قبلهما أيضا وبمئات السنين العداء بين روما المسيحية وفارس المجوسية , لكن كلاهما لاحقوا هذا الشعب و وكما يذكر البروفسور ( ماتفيف بار متي ) في كتابه الموسوم ( الآشوريين والمسألة الآشورية ) " إضطهدوا شعبي إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا ولاحقوه ثقافيا ولغويا وقمعوه ......إنتهى " وما مذابح أو الإضطهاد الأربعيني الذي دام أربعون عاما دون أنقطاع في عهد شابور الثاني وراح ضحيتها أكثر من ستة عشر ألف مواطن من أبناء شعبنا, مرورا بمذابح أو مجازر بدرخان الشرير عام 1843 وما تلاها ..... الخ
كل ذلك كان حافزا ودافعا حتم على شعبنا المسالم الذي وهب للبشرية خلاصة ما لديه على الإستمرار في نضاله من أجل الوجود وعلى الصعيدين القومي والوطني والوقوف في نهاية المطاف بالضد من مخططات المستعمرالخسيسة وبطش الحكام المتآمرين ومن معهم من العملاء الأذلاء, معلنين عن إنتفاضتهم المعروفة بإنتفاضة 1933 , تلك الإنتفاضة التي كان لها أبعاد سياسية - وطنيةعراقية , وقومية - كلدوآشورية - شريفة لا غبار عليها, وليس كما أرتأى البعض ألى تشويهها أرضاء لمالكيهم ووصفها يالخيانة الوطنية ,, متسترين على الخيانة العظمى والحقيقية التي كانت تحاك بحق العراق والشعب العراقي في بغداد العاصمة وعلى يد سماسمرتها ... وهكذا حيث أريقت دماء الآلاف من شهداء شعبنا الثائر في سميل الجريحة وفيشخابور وديرابون ودهوك وما جاورها لتتعمد بدماء الأطهار أرض لواء الموصل , أرض العراق بتاريخ السابع من آب عام 1933 .....
المواطن الكلدوآشوري السرياني الغيور :
كانت سميل ( إنتفاضة 1933 ) البداية الحقيقية لبعث الوعي القومي الحقيقي , الذي أخذ وبمرور الزمن ينمو ويتزايد وبجهود النخب المثقفة المخلصة من رجالات شعبنا , لتثمر عن تشكيل منظمات وأحزاب وحركات سياسية قومية آشورية , وجمعيات أو إتحادات ومراكز إجتماعية وثقافية كلدانية وآشورية في الوطن والمهاجر , وكانت الحركة الديمقراطية الآشورية ( زوعا ) التي تأسست في- نيسان عام 1979- بأرض الجدود ( العراق ) حلقة ضمن المسيرة الكفاحية لسلسلة العمل القومي والوطني , تلك الحركة ( زوعا ) المتحلية بنكران الذات خطت لنفسها سبيلا , منحت من خلاله للشهادة دورا أكثر ذي معنى , حيث أن الأستشهاد في فكر الحركة الديمقراطية الآشورية هو دعم متواصل لا ينضب للقضية القومية والوطنية وديمومة مسيرتها دون إنقطاع مهما بلغ الثمن , وبالفعل حيث كان لأول قطرة دم أسالها الرعيل الأول في الربع الأخير من القرن العشرين نقطة الإنطلاقة الصائبة ,مؤكدا خلالها على :1- أن مفهوم الشهادة أضحى حقيقة يبتغيها ويهرع إليها بعد إن إدرك معناها جيدا
2- المكانة التي تلعبها الشهادة في إدامة النضال بحيث أصبحت جزءا مكملا لشخصيته
3 - أن الشهادة هي الغاية وهي الهدف للوصول الى ما هو أسمى..
كما ووهب - زوعا - للشهادة مدلولا سياسيا مبني على أسس مدروسة , واضحة وجلية يتم عبرها رفد حركة التحرر القومي الكلدوآشوري السرياني و مؤكدا على حقيقة وهي , أن مسيرة الإستشهاد ستستمر طالما إستمر إضطهادنا القومي , كما وأن الصفحات الخالدة الوضاءة التي دامت ولا تزال مدة أكثر من - ست وعشرون عاما - قد سطرت بالدماء الزكية لشهداءنا الكلدوآشوريين الأبرار .....
الإخوه الكرام :
علينا جميعا وعلى إختلاف مسمياتنا ( كلداني آشوري سرياني ) أن نضع يدا بيد , ونعيد متكاتفين بناء بيتنا الكبير الذي دمرته الآيادي الجرباء وتلاعبت بمقدراتنا ولا تزال حتى الساعة , كي نكون قادرين على المشاركة في بناء بيتنا الأكبر والذي هو وطننا الحبيب - العراق ... ولنجعل من دماء الخالدين البررة التي أسيلت في سميل ( شيم إيل ) وطورعابدين وشقلاوا وزاخو وعينكاوا ودهوك وأربيل ومرورا اليوم وحتى الساعة بالذين روت دمائهم العطرة أرض كركوك ونينوى وبغداد والبصرة أروع مثالا لوحدتنا..
سرياني...نعم , كلداني ... نعم , آشوري .. نعم , ( شعب واحد ) , هكذا يجب أن نكون, ونقف إجلالا لهذا الثالوث ونمجده , ونجعل منه أمانة معلقة بأعناقنا , كي نقطع دابر الفتنة ونفشل ما يصبوا اليه العدو المتسلل بيننا وأذياله , وليكون الإتحاد سبيلنا قبل أن يدركنا الوقت حينها لم ولن ينفع الندم ...
ففي ( زوعا ) هكذا هو نهجنا وإيماننا وبالاتحاد قناعتنا كونه فيه تكمن قوتنا وإستقلالية قرارنا , وليس تكتيكا سياسيا كما يحلوا للأذناب والأنانيين وأصحاب الفرقة وشمها والتطبيل لها , وفي ( زوعا ) سنرفد ونضل نرفد قضيتنا القومية المقدسة بدمائنا الكلدانية الآشورية السريانية كي لا ندع للمخربين والمتذمرين مجالا للتلاعب بمشاعر أبناء هذه الأمة العريقة , وفي ( زوعا ) أيضا سنناضل ونستمر بالنضال ضد كل محاولات الإجهاض التي تمارس من أجل القضاء على آمال وتطلعات شعبنا الذي ذاق الويلات والعذابات قرون وقرون .... وللمحرضين المنفذين ذوي النفوس المريضة الذين يجهدون أنفسهم وأقلامهم الملتوية على تقسيمنا الى شعبين منفصلين وثلاث عبر نظرياتهم الشاذة واللاعقلانية , لهم أوجه نصيحتي وهي : ان يعودوا الى رشدهم كي يعوا جيدا للتبعات الإجتماعية والأسرية الخطيرة من خلال تصريحاتهم اللامسؤولة التي تجري في ذات الجدول ( جدول المؤامرات ) , وأن لا يكونوا عونا للتاريخ كي يعيد نفسه علينا بمآسيه , وأن يدركوا ويتداركوا قبل فوات الأوان بأن التاريخ والشعب لم يرحم من وقف موقف العداء تجاه المناضلين الحقيقيين وقضايانا العادلة وتجاه وحدة ومصير هذه الأمة ومستقبلها , خاصة في مثل هذه المرحلة الحرجة والتي هي مرحلة كتابة الدستور العراقي الدائم , مرحلة إثبات الوجود الوطني والقومي , مرحلة أكون أو لا أكون ....
وفي الختام, حيث وعبر مقدمتي هذه لم أكن أبدا بصدد كتابة مقالا أو موضوعا من أجل الكتابة فقط , كون هذا اليوم العظيم ( يوم السابع من إب ) أكبر بكثير مما تسطره الأقلام لما يحوي في طياته معان ودروس وعبر , لكن حتمية العمل القومي والوطني النابع من التعاطي اليومي والممارسة الحياتية يملي علينا أن نستذكره كل عام وكل يوم كون الخالدين سقطوا من أجل حريتنا وحقوقنا ووجودنا وإعتلوا أعواد المشانق وتحملوا العذابات وجعلوا من أرواحهم سبيلا وشهادتهم منارا لإنارة دروب النضال صوب غد مشرق لنا جميعا كعراقيين وككلدوآشوريين سريان , لذا فالواجب القومي والضمير الوطني يفرضا ويحتما إذا كنا نحب عراقيتنا ونعتز بأصالتنا وعراقتنا الكلدانية الآشورية السريانية و نمجد شهدائنا , هو أن نستثمر الفرصة المواتية التي بين أيادينا ونوحد قوانا وأقلامنا كي نصلح أن نكون ومستوى المسؤولية المعلقة في أعناقنا , وأن نتخذ من الدماء الطاهرة التي أريقت على مذبح حريتنا وبها عمدت قضيتنا القومية نهجا للولوج في الدستور العراقي من أوسع أبوابه وبرأس شامخ من أجل تثبيت حقوقنا وإثبات وجودنا , وأن لا نصغي للأصوات الشاذة التي تصرخ هنا وهناك وتملأ الفراغ عويلا بالضد من وحدة ومصلحة ومستقبل شعبنا الكلدوآشوري السرياني وطلائعه المخلصة ......
أويا أوراها
ديترويت
ramin12_79@yahoo.com