نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (1)


المحرر موضوع: نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (1)  (زيارة 10178 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (1)

الدكتور اشرف حسن منصور
الموضوع منقول من موقع الحوار المتمدن


 مقدمـــة :
إن المنطق حسب التعريف الأرسطي له هو العلم الذي يدرس قواعد التفكير السليم. وقد ظهر باعتباره علماً على يد أرسطو، إذ يعد هو واضع أسس وتفاصيل هذا العلم بأصوله وفروعه. ولم يخترع أرسطو طريقة في التفكير السليم أطلق عليها المنطق، بل كان يبحث عن القواعد العامة والكلية التي تحكم الفكر، أي فكر بصرف النظر عن مضمونه، ولهذا السبب سُمي المنطق الأرسطي بالمنطق الصوري.
ويتضمن التفكير السليم الحكم الصحيح على الأشياء وتسميتها
أو تعريفها ووصفها الوصف المناسب؛ وكذلك يتضمن طرقاً توصلنا من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها، أي من أحكام أولى إلى أحكام تالية تتصف بالصدق. وعن تسمية الأشياء وتعريفها التعريف المناسب وضع أرسطو مبحث التعريفات الذي يتضمن ترتيب وتصنيف الأشياء حسب الأنماط الكلية التي تنتمي إليها وهى الكليات الخمس: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام. وعن الحكم وضع أرسطو مبحث القضية أو العبارة وما تتفرع عنه من أنواع، مثل القضية التي تثبت شيئاً عن موضوعها كله وهي الكلية الموجبة، والتي تنفي شيئاً عن موضوعها كله وهي الكلية السالبة، والتي تثبت شيئاً عن جزء من موضوعها وهي الجزئية الموجبة، والتي تنفي شيئاً عن جزء من موضوعها وهي الجزئية السالبة. وعن طرق تَوَصُّلنا من قضايا إلى قضايا أخرى تلزم عنها في صورة نتائج و ضع أرسطو مبحث القياس( 1).
وما لفت نظر المفكرين عبر العصور هو هذا الكمال الذي ولد عليه المنطق على يد أرسطو؛ فالمنطق لم يشهد تطوراً قبل أرسطو، إذ لا نعرف مفكراً بدأ بمبحث و مفكراً تالياً أضاف مبحثاً آخر ثم جمعهما أرسطو معاً كما يحدث في العلوم الأخرى، لكن ولد المنطق تاماً ومكتملاً على يد أرسطو وحده. ولم تزد جهود المفكرين عبر ألفي عام عن التنقيح والتهذيب وتغيير طرق العرض والتفصيل والشرح وتفريع المسائل. وإن اعترض معترض بأن المنطق شهد تطوراً كبيراً ابتداء من القرن التاسع عشر نتج عنه المنطق الرياضي، فنحن نرد بقولنا إن المنطق الرياضي نفسه ما هو إلا صورة أخرى جديدة للمنطق الصوري، والتجديد الذي أتى به في علم المنطق تمثل في مزيد من الصورية التي جعلته يقترب من الرياضيات. وقد استمر تطور المنطق الرياضي قرناً من الزمان يمتد من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، في حين أن المنطق الصوري نفسه ولد كاملاً على يد رجل واحد. إن المسيرة الوئيدة للمنطق الرياضي الذي يمتد بجذوره إلى القرن السابع عشر عند لايبنتز تشهد بعظمة ذلك الرجل الذي وضع منطقاً في بضع سنين.
وعلى الرغم من براعة أرسطو في وضع المنطق الصوري، إلا أنه لم يكن واضحاً في تفسير الأساس الذي يستند عليه هذا المنطق؛ وأعني بالأساس الأرضية التي تجعل التفكير يسير بهذه الطريقة المسماة بالمنطق. لقد اكتفى أرسطو في مباحث المنطق بالوضوح الذاتي للقوانين المنطقية، إذ رأى أنها بديهية وفي غير حاجة إلى مزيد من التفسير. وعلى الرغم من أن أرسطو هو من أشهر الفلاسفة الباحثين عن العلل الأولى للأشياء، فإنه عند أساس أو علة التفكير المنطقي لم يتوسع.
وهذا ما جعل المفكرين بعد أرسطو يبحثون عن مثل هذا الأساس وفي أعمال أرسطو نفسها علهم يجدونها فيها( 2). إن أول ما يلاحظه المرء في هذه الأعمال أن أرسطو يعالج المقولات مرتين: مرة في مباحث المنطق، أي كتب الأورجانون، ومرة أخرى في كتاب الميتافيزيقا. في المرة الأولى يعالج المقولات على أنها وظيفة التفكير، وفي المرة الثانية يعالجها على أنها الهيئة التي تترتب عليها الأشياء في العالم والأنماط التي توجد عليها الموجودات. وهذا ما دفع الكثيرين نحو القول بالأصل الميتافيزيقي – الأنطولوجي للمنطق. وما أكد هذا القول فلسفة أرسطو نفسه التي كانت تنظر إلى الفكر على أنه نمط من أنماط الوجود، وإلى المنطق والأنطولوجيا على أنهما وجهين لعملة واحدة، وإلى الفكر على أنه يتلقى حقيقة الوجود مباشرة في صورة مقولات ذات طبيعة مزدوجة، فكرية وأنطولوجية. وظل الأصل الميتافيزيقي للمنطق اعتقاداً راسخاً لدى المناطقة والفلاسفة المدرسيين والإسلاميين على السواء.
وفي أوائل العصر الحديث تحول اهتمام الفلاسفة إلى المعرفة بعد أن كانت الميتافيزيقا والأخلاق هما المحتكران للبحث الفلسفي عبر معظم العصور الوسطى. ومع هذا الاهتمام الحديث بالمعرفة رأينا انفصالاً بين نظرية المعرفة بالمعنى الديكارتي والتجريبي من جهة والمنطق من جهة أخرى، إذ لم يحاول أحد من فلاسفة العصر الحديث وضع نظرية فى المعرفة تفسر أساس المنطق، أي تفسر كيفية اشتغال الفكر الإنساني بالطريقة التي اصطلح على تسميتها بالمنطق. وتوجهت اهتمامات الفلاسفة في مجال نظرية المعرفة نحو موضوعات ابتعدت عن مجال المنطق مثل الأسس العقلية والتجريبية للمعرفة، وانصرفوا عن البحث في أسس المنطق نحو نزاعات مذهبية حول مصدر المعرفة: الحس أم العقل، وحول طبيعة المعرفة: مثالية أم عقلية أم تجريبية. ومع طغيان المذاهب العقلية الديكارتية والتجريبية الإنجليزية والمثالية لدى لايبنتز وفولف وأتباعهما انعزلت نظرية المعرفة عن المنطق، في حين أن هدف أي نظرية في المعرفة كان يجب أن يكون البحث في أسس التفكير المنطقي.
كان هذا هو الوضع الفكري السابق على كانط. أما كانط نفسه فهو أول من يدرك أن نظرية في المعرفة لا يمكن تأسيسها بمعزل عن "المنطق العام"، وهو الاسم الذي عرف به المنطق الصوري في عصره. بل إن من أهم مهام تلك النظرية عند كانط أن تكون أساساً للمنطق العام، أي مفسرة لكيفية اشتغال التفكير المنطقي. ولم يبحث كانط عن أساس أنطولوجي – ميتافيزيقي للمنطق، بل بحث عن أساس إبستيمولوجي، إذ رأى أن تبريراً فلسفياً للمنطق يجب أن يرده إلى وظائف العقل البشري وملكاته المعرفية. وقد توصل كانط إلى أن مقولات وأحكام المنطق تعبر عن الطريقة التي يشتغل بها العقل ويدرك العالم، وبالتالي فإن نظرية في المعرفة بالنسبة لكانط يجب أن تكون نظرية مفسرة لأسس المنطق العام ولا شئ غير ذلك.
لكن المنطق العام منطق صوري، أي يهتم بشكل الفكر بصرف النظر عن مضمونه، ويبحث في البناء الصوري للأحكام والاستدلالات، لا بالمعلومات والموضوعات التي تترتب فيها. وكان كانط على قناعة من أن البحث عن أسس المنطق باعتباره طريقة للتفكير يجب أن يكون بحثاًُ في مضمون التفكير لا في مجرد شكله المنطقي، أي بحثاً في الخبرة البشرية. فإذا كان المنطق العام يتضمن أحكاماً حول الكم والكيف والسبب والإثبات والنفي والشرط، فإن البحث عن أسس المنطق بالنسبة لكانط يجب أن يكون بحثاً في كيفية حصول الفكر الإنساني على تلك التصورات في خبرته المعرفية قبل أن يرتب المنطق تلك الخبرة في الأشكال المنطقية المعروفة. أساس المنطق عند كانط لا يمكن أن يكون سوى منطق آخر سابق على المنطق الصوري، أي منطقاً قبلياً يكون هو المؤسس للمنطق العام نفسه. هذا المنطق القبلي يجب أن يتجاوز المنطق العام واصلاً إلى أساسه في الخبرة السابقة على المنطق. وقد أطلق كانط على هذا المنطق اسم "المنطق الترانسندنتالي" Transcendental Logic. وكلمة "ترانسندنتالي" هنا تعني القبلي السابق على التفكير المنطقي والمؤسس له.
ويقصد كانط من "المنطق الترانسندنتالي" أن يكون أورجانوناً Organon وقانوناً Canon للمعرفة في نفس الوقت( 3). والمنطق "الترانسندنتالي" "أورجانون" بمعنى كونه أداة للتقنين الميثودولوجي للمعرفة، أي وضع حدود مشروعة لا يمكن تجاوزها، وإذا ما تجاوزتها المعرفة تكون غير مشروعة. ويكون قانوناً بمعنى كونه ضابطاً للفكر وفق حدوده، أي رابطاً الفكر بمجال الخبرة التجريبية وموضحاً عدم مشروعية استخدام مبادئ المعرفة البشرية في البحث فيما وراء الطبيعة، أي الميتافيزيقا بالمعنى التقليدي. وكما أن المنطق العام يضبط الفكر فيما يتعلق بإجراءاته الصورية، فإن المنطق الترانسندنتالي بالمثل يتعهد بوظيفة الضبط والحماية من الغلط أو الخطأ في مضمون المعرفة ذاتها لا في مجرد شكلها المنطقي الصوري (A55/B80). ويتحقق ذلك بتوضيح كانط كيف ترتبط مبادئ المعرفة البشرية بمجال الخبرة التجريبية، أما توسيع مجال تطبيق هذه المبادئ للبحث في الأشياء في ذاتها أو في الموضوعات الميتافيزيقية فهو توسيع غير مشروع.
1 - طريق كانط نحو اكتشاف المنطق الترانسندنتالي:
انشغل كانط في تدريس المنطق منذ عام 1755، أي قبل تأليفه لـ "نقد العقل الخالص" بزمن طويل (1781) ( 4). وعندما أراد البحث عن طريقة يؤسس بها نقداً للميتافيزيقا وجد أن هذا النقد لا يمكن أن يكون إلا أورجانوناً للمعرفة على شاكلة المنطق، أي منطقاً ضابطاً لمضمون الفكر لا لمجرد شكله؛ ذلك لأنه نظر إلى الميتافيزيقا على أنها شكل من أشكال التفكير يستخدم نفس مبادئ التفكير العامة للبحث فيما وراء الطبيعة (B19-23). وكي يوجه نقداً لهذا النوع من التفكير كان عليه أن يقيم منطقاً لمضمون التفكير ذاته. وفي تدريسه للمنطق العام اكتشف كانط أن هذا المنطق غير صالح كما هو كي يقوم بهذه المهمة، لأن الميتافيزيقا باعتبارها علماً تستخدم الأحكام والتصورات التركيبية، أي التي تقول شيئاً جديداً عن موضوعها ولا تستقي النتائج من مجرد تحليل معنى التصورات. والأحكام التركيبية لا يمكن الوصول إلى دقتها ووضوحها من مجرد تحليلها؛ إذ يجب اللجوء إلى تحليل ما تحتوي عليه من مضمون، في حين أن المنطق الصوري خال من المضمون. وفي نفس الوقت يجب أن يكون نقد الميتافيزيقا في صورة منطق، وبالتالي رأى كانط ضرورة تجاوز المنطق الصوري نحو منطق آخر لمضمون التفكير. ولأنه منطق "يتجاوز" المنطق الصوري فقد أطلق عليه "المنطق الترانسندنتالي".
ولاحظ كانط أن المنطق العام يهتم بشكل الفكر فقط لا بمضمونه، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليه في الحكم على معرفتنا بالأشياء، وبالتالي يجب تجاوزه نحو منطق أكثر عينية، منطق للمضمون. يقول كانط:
"بما أن الشكل المجرد للمعرفة، مهما كان في اتفاق تام مع القوانين المنطقية، بعيد تماماً عن أن يكون كافياً لتحديد الصدق المادي للمعرفة، فلا أحد يستطيع المقامرة بالاعتماد على المنطق [العام] وحده للحكم إزاء الموضوعات، أو للقيام بأي توكيد. يجب علينا أولاً، وفي استقلال عن المنطق [العام] الحصول على معلومات يعتمد عليها [حول مضمون التفكير] (5 )، وعندئذ فقط نكون في وضع يسمح لنا، بالنظر إلى القوانين المنطقية، بالبحث في استخدام هذه المعلومات ووضعها في كل متكامل" (A60-62/B84-86).
واكتشف كانط أن المنطق الحاكم لمضمون التفكير هذا لا يمكن أن يكون إلا منطقاً لأفعال التفكير، وذلك لأن انضباط الفكر لا يتأتى من ضبط موضوع الفكر لأنه شئ مادي واقع في الخارج، وهذه ليست مهمة نظرية المعرفة بل مهمة علوم الطبيعة؛ بل يتأتى انضباط الفكر من انضباط أفعال التفكير. وأفعال التفكير هي التي تتجلى في الحكم، وبالتالي أصبح المنطق الترانسندنتالي لديه منطقاً ترانسندنتالياً للأحكام وما تحتويه من مقولات، أي موضحاً نشأتها انطلاقاً من أفعال التفكير.
وحدد كانط مهمة البحث عن الأسس القبلية للمنطق في البحث عن قبلية الأحكام والمقولات. وتتأسس قبلية الأحكام والمقولات لديه في ربطها بأفعال التفكير التي تعمل على ظهورها. لكن كيف اختزل كانط المنطق إلى أحكام ومقولات؟ رأى كانط من خلال تحليله للمنطق العام أن هذا المنطق يمكن أن يرد إلى الأحكام والمقولات فقط. لكن كيف تمكن كانط من القيام بهذا الرد؟
ذهب كانط إلى أن أقسام المنطق العام من تصورات (أو مقولات) وأحكام واستدلالات تختزل بطبيعتها إلى الأحكام( 6). فقد درج المناطقة على تقسيم التصورات إلى تصورات واضحة وتصورات غامضة، وتصورات متمايزة وتصورات مختلطة، ولا يمكن التمييز بين هذه الأنواع من التصورات إلا في حكم حسب المنطق العام نفسه، على أساس التمييز بين الحكم التحليلي والحكم التركيبي. التصورات الواضحة والمتمايزة هي التي تتضمن حكماً تحليلاً، أما الأخرى الغامضة والمختلطة فتكون في سياق حكم تركيبي. كما يميز المناطقة بين المفهوم والماصدق؛ والمفهوم هو المتضمن في التصور، أما الماصدق فهو الامتداد أو التحقق العيني له في صورة أفراد أو أمثلة؛ وبالتالي فالمفهوم مؤسس على حكم تحليلي بما أن معناه متضمن فيه ومستخرج بالتحليل، والماصدق مؤسس على حكم تركيبي بما أن معناه يعتمد على موضوعات وأمثلة من خارجه( 7). وهذا دليل آخر على أن مبحث التصورات غير مستقل بذاته ومرتبط بمبحث الاحكام.
كما أن مبحث الاستدلال ليس إلا بحثاً في الطرق التي توصلنا من أحكام إلى أحكام أخرى، وهدفه النهائي الوصول إلى الحكم الصحيح، وبالتالي فهو تابع لمبحث الأحكام(8 ). هذا علاوة على أن مبحث التصورات ليس إلا تحليلاً نظرياً لمكونات الحكم. ولتوضيح ذلك نعود لنتناول نوعي التصورات من حيث مفهومها وما صدقها. يرتبط المفهوم بالحكم التحليلي لأن هذا الحكم هو الذي يستخرج صفة موجودة بالفعل في التصور ولا يضيف جديداً إليه، وبالتالي فهو مجرد تعريف تحليلي؛ أما ارتباط الماصدق بالحكم التركيبي فمرده إلى أن الماصدق يضيف جديداً إلى المفهوم من الخبرة وبالتالي فهو يركب شيئاً جديداً على المعنى التحليلي للتصور. والدليل على أن المفهوم يتضمن حكماً تحليلاً الحكم القائل "الإنسان حيوان فان". هذا حكم تحليلي وفي نفس الوقت يعبر عن مفهوم "الإنسان" في صورة تعريف، لأن ماهية الإنسان أن يكون حيواناً فانياً، وإذا لم يكن يتصف بالفناء أو بالحيوانية فلن يكون إنساناً. أما الماصدق فهو "تحقيق التصور في الموجودات"، وهو "إمكانية انطباقه على كثرة من الموجودات(9 )، ولذلك فهو يتضمن الحكم التركيبي الذي يضيف جديداً إلى التصور من الخبرة. كي نحدد المفهوم فليس علينا سوى التفكير في معناه واستخراجه منه على سبيل التعريف ولذلك فالمفهوم ليس إلا حكماً تحليلياً، أما الماصدق فكي نعرفه يجب أن نخرج عن معنى التصور لنبحث في المشاهدات التجريبية، وبذلك نضيف جديداً لمفهومه، أي مجالاً تطبيقياً له، وبذلك يكون الماصدق متضمناً الحكم التركيبي.
ونستطيع العثور على أصول اكتشاف كانط للمنطق الترانسندنتالي من محاضراته في المنطق العام والتي جمعها تلميذه ياشه Jache ونشرها في حياة كانط سنة 1800 بعنوان "المنطق". يقول كانط عن المنطق العام:
"المنطق هو علم قبلي بالقوانين الضرورية للفكر .. (وهذا العلم) ليس ذاتياً، أي (لا يبحث في التفكير) وفق مبادئ تجريبية (سيكولوجية) عن كيفية تفكير الفهم، بل موضوعى، أي حسب مبادئ قبلية عن كيف يجب عليه أن يفكر"( 10).
يتضمن هذا التعريف تمييزاً بين الدراسة المنطقية للتفكير، أي كيفية كون التفكير ممكناً قبلياً، أي قبل اشتغاله على المادة التجريبية، و بين الدراسة السيكولوجية للتفكير، أي دراسة كيفية عمله مع المادة التجريبية. الدراسة الأولى تبدأ ببحث التفكير من منطلق استعداده للقيام بعمله، والدراسة الثانية تبحثه وهو يمارس عمله بطريقة سيكولوجية. وهذا التمييز الكانطي يستبق التمييز الحديث في علم النفس المعرفي بين الاستعدادات Dispositions والوظائف Functions. ويجب أن ننتبه إلى أن كانط في هذا التعريف لم يكن قد ميز بعد بين الدراسة الصورية للتفكير والتي تتضح في المنطق الصوري والدراسة المعرفية لمضمون التفكير والتي يمثلها المنطق الترانسندنتالي.
ويتضح هذا التمييز عندما يبدأ كانط في توجيه نقده للطابع الصوري للمنطق العام. إذ يذهب إلى أن المنطق العام يدرس قوانين الفكر من خلال تصورات جاهزة يأخذها كما هي ولا يبحث عن أصل التفكير بها، مثل الكل والجزء والتضمن واللزوم والجوهر والماهية.. إلخ. فهذه التصورات ليست جاهزة في حقيقتها بل هي نتيجة فعل عقلي سابق على التقنين المنطقي. صحيح أن المنطق يأخذها كما هي باعتبارها واضحة بذاتها وتتمتع ببداهة، إلا أن بداهتها هذه وطابعها الجاهز الذي تتخذه أمام التفكير المنطقي مصنوع من قبل وعي سابق على الوعي المنطقي. وفي ذلك يقول كانط: "لكن هناك شيئاً ما يسبق. تحول التمثل إلى تصور"(11 )، إذ يذهب كانط إلى أن تصورات المنطق ما هي إلا التعبير المنطقي عن تمثلات Vorstellungen/Representations تظهر في مجال الخبرة التجريبية السابقة على المنطق. فهذه الخبرة تعرف تلقائياً مفاهيم الكل والجزء والشئ والصفة واللزوم قبل ظهور المنطق. والبحث عن أسس المنطق يأتي من البحث عن أصل حصول الذات العارفة على هذه المفاهيم في تعاملها مع الخبرة.
لكن هل يستطيع المنطق العام دراسة هذه الأسس؟ يجيب كانط بالنفي ويقول:
"إن المنطق بصفة عامة لا يستطيع ان يتعامل مع التمثلات
أو إمكانها (القبلي). فهذا ما يتركه للميتافيزيقا"( 12).
والميتافيزيقا التي يقصدها كانط هنا هي ميتافيزيقا الخبرة المعرفية لا ميتافيزيقا الوجود. إنها ميتافيزيقا للخبرة لأنها تتجاوز الطابع الجاهز والمكتمل الذي تظهر به مبادئ المنطق نحو البحث في إمكان تفكير الذات العارفة بهذه المبادئ قبلياً. وميتافيزيقا الخبرة هذه يجب أن تكون منطقاً هي الأخرى، منطقاً للخبرة المعرفية السابقة على التقنين المنطقي. ولأن هذا المنطق الميتافيزيقي لا يبحث في أصل الوجود بل في أصل المعرفة، فقد أسماه كانط المنطق الترانسندنتالي. ويتضح كون هذا المنطق منطقاً ميتافيزيقياً من تحليل كلمتي "ميتافيزيقي" و"ترانسندنتالي"، إذ هما يعنيان معاً ما يتجاوز أو ما يأتي وراء، ما يتجاوز الطبيعة أو المعرفة، وما يأتي قبلهما، وهذا ما يتضح من الشقين الأولين في كل مصطلح منهما: Meta/Trans. ونستطيع تحديد مهمة المنطق الترانسندنتالي لدى كانط من خلال الإشارة السابقة على أنه يتضمن توضيح كيفية استناد التصورات Begriffe/Concepts على التمثلات Representations؛ وليس هذا وحسب، فكانط في نقد العقل الخالص يكتشف أن التمثلات ذاتها قائمة على حدوس حسية Anschauungen/Intuitions. وهذا هو السبب في أن المنطق الترانسندنتالي مسبوق ببحث في الاستطيقا الترانسندنتالية Transcendental Aesthetic التي تدرس ملكة الحس القبلية sinnlichkeit/Sensibility، ونرى هنا كيف أن محاولة كانط البحث عن أسس التفكير المنطقي قادته إلى وضع نظرية جديدة في المعرفة.
وضع كانط مهمة المنطق الترانسندنتالي في البحث عن أصل الحكم التركيبي القبلي Synthetic a Priori Judgment، بناء على أن هذا الحكم هو المستخدم في كل العلوم الطبيعية والميتافيزيقية معاً، إذ هو يضيف جديداً إلى معرفتنا، ولذلك فهو تركيبي وليس مجرد تحليل لمفاهيم. وهو في نفس الوقت قبلي لأنه يتضمن الضرورة ويحتوي على قانون يخص الظواهر، قانون قبلي غير حاضر في المشاهدات الحسية مثل قانون السببية (B15-18). والصورة الأساسية للحكم التركيبي القبلي هي الحمل، وبالتالي يتعامل معه كانط على أنه حكم حملي، وتكون مهمة المنطق الترانسندنتالي بذلك البحث عن أصل الحكم الحملي، أي عن الشروط القبلية التي تجعلنا نحمل شيئاً على شئ.
لكن ماذا عن مبحث الاستدلال وما يتضمنه من أشكال القياس الأربعة والذي يعد جزءاً رئيسياً من المنطق العام؟ هل تجاهله كانط؟
لا بالطبع. الحقيقة أنه قبل انشغال كانط في تأليف "نقد العقل الخالص" بعشر سنوات كان قد تعامل مع الاستدلال وخاصة مع أشكال القياس الأربعة وذهب إلى أن الشكل الأول هو الشكل الأساسي منها بينما الأشكال الثلاثة الأخرى ما هي إلا تنويعات على الشكل الأول، وهذا الشكل الأول ما هو في حقيقته سوى حكم حملي؛ وبالتالي رد مبحث الاستدلال كله إلى الحكم الحملي. فيكف فعل ذلك؟
كتب كانط سنة 1762 بحثاً بعنوان "الدقة الزائفة لأشكال القياس الأربعة" The False Subtlety of the four Syllogistic Figures، وذهب فيه إلى أن التفكير يسير بطريقة حملية، بينما يسير القياس بطريقة تحليلية. فالتفكير يدرك أن الجسم الممتد منقسم، ويعبر عن ذلك في حكم يقول: "هذا الجسم، باعتباره شيئاً ممتداً، منقسم". التفكير إذن يحمل الانقسام على الجسم الممتد. أما الحكم المنطقي فهو مصطنع لأنه يحلل ما يدركه الفكر بطريقة صورية مجردة. فالحكم المنطقي يقسم ذلك الحكم المعرفي المباشر إلى ثلاثة عناصر أو لحظات أو أحكام: "كل ما هو ممتد منقسم"، "هذا الجسم ممتد"، "إذن هذا الجسم منقسم". لا يسير التفكير بهذه الطريقة المصطنعة بل يسير كما الحكم الأول( 13). إن التفكير يدرك الجسم الممتد المنقسم مباشرة، لكن يقسم الحكم المنطقي هذا الحكم المعرفي المباشر إلى لحظات جزئية ويرتبها في قياس، في حين أن الخبرة المعرفية لا تسير كما يسير القياس. يوحي القياس أن التفكير يسير مثله حسب لحظات ثلاث، لكن التفكير لا يسير تحليلياً كما توحي أشكال القياس بل يسير حملياً كما يدل على ذلك الحكم الأول. ولذلك ذهب كانط إلى ضرورة التخلي عن أشكال القياس الأربعة في البحث في المعرفة.
ويتضح من تحليل كانط السابق ما يلي:
1 - أن الحكم الحملي، والمثال عليه الحكم الأول، هو الحكم الاصلي والأساسي؛ إنه حكم تفكير لا حكم قياس، وإذا كنا نريد البحث في التفكير فعلينا الانطلاق إلى تناول الحكم الحملي لا إلى القياس أو مبحث الاستدلال.
2 - الحكم الحملي هو ما يعبر عن الإدراك والفعل المعرفي لكونه أكثر اقتراباً من الخبرة التجريبية، لا أشكال القياس التي ليست إلا تقعيداً منطقياً للحكم الحملي.
3 - الحكم الحملي عند كانط هو الكاشف عن حركة الفكر لا الاستدلال كما يذهب المنطق العام.
4 - الحكم الحملي هو الذي تظهر فيه التصورات (الجسم، المادة، الامتداد، الانقسام).
5 - أشكال القياس الأربعة ليست إلا تعبيراً منطقياً صورياً عما تم التحصل عليه مسبقاً في الحكم الحملي، وبالتالي فالحكم الحملي هو الذي يعبر عن الفعل المعرفي، وهو ما له الأولوية في منطق الخبرة.
ولأن كانط يبحث في مضمون الحكم الذي هو الفعل العرفي فقد انتهى إلى أن هذا الفعل إما أن يثبت صفة لشئ أو ينفيها عنه. وبالتالي نظر إلى كل الأحكام على أنها إما موجبة أو سالبة، ورد الإيجاب والسلب إلى الهوية والتناقض كما يظهر في التقسيم التالي:
1 - الأحكام الموجبة تندرج تحت صيغة عامة هي قانون الاتفاق agreement الذي هو قانون الهوية.
2 - الأحكام السالبة تندرج تحت قانون التناقض.
3 - الأقيسة الموجبة تنتج أحكاماً موجبة عن طريق قانون الهوية.
4 - الأقيسة السالبة تنتج أحكاماً سالبة عن طرق قانون التناقض.
وبذلك أرجع كانط كل الأحكام والأقيسة إلى حكمي الهوية والتناقض، وقانونا الهوية والتناقض لا يمكن الاستدلال عليهما بمزيد من التحليل لأنهما مسلمتين، وهما لا يعتمدان على أحكام أولية. فحكم الهوية (أ هي أ) حكم بديهي، وكذلك حكم التناقض (أ ليست لا أ). فمن داخل المنطق الصوري لا يمكننا معرفة أساس الهوية والتناقض لأنهما ذاتهما الأساس الذي يعتمد عليه المنطق الصوري ولا يبرهن عليهما بل يأخذهما كمسلمة بديهية ولا يقدم لهما سوى شرحاً أو تعريفاً. لذلك يحاول كانط العثور على طريقة لبحث أساس الهوية والتناقض، ويذهب إلى أننا إذا أردنا معرفة سبب هوية الموضوع والمحمول رجعنا إلى الخبرة المباشرة التي تعطينا إياهما معاً في حدس واحد، أي إلى علامة دالة وسيطة يدركها المرء مباشرة في الشئ قبل أن يقسمه الفكر المنطقي إلى موضوع ومحمول( 14)، وتكون هذه العلامة الوسيطة هي أساس الهوية إذا كانت موجودة، وأساس التناقض إذا كانت غير موجودة. هنا يتجاوز كانط المنطق الصوري نحو أساسه في الخبرة، موضحاً أن للهوية والتناقض أساساً معرفياً على الرغم من أنهما بديهيان منطقياً، وأن الحكم الحملي البسيط هو الحكم الأولي والأساسي والذي لا يمكن رده إلى حكم أسبق منه، وأن هذا الحكم يتطلب منا العودة إلى الفعل الإدراكي الذي يدرك صفة الشئ الأساسية في حدس مباشر.
2 - بناء كانط للمنطق الترانسندنتالي بالتوازي مع المنطق العام:
يذهب كانط إلى أن الصدق يتمثل في اتفاق المعرفة مع موضوعها، أو كما قال القدماء اتفاق ما في الأذهان مع ما في الأعيان. لكن ليس هذا الاتفاق هو كل معيار الصدق؛ فقبل أن تتفق المعرفة مع موضوعها يجب أن تتفق مع ذاتها. إذ يجب أن يتسق التفكير مع ذاته ولا يناقض نفسه. ولذلك كانت قوانين الهوية وعدم التناقض هي أولى المعايير المطلوبة للاتساق الداخلي للصدق. والحقيقة أن اتساق الفكر مع ذاته هدف أقل تواضعاً بكثير من اتفاق المعرفة مع موضوعها، وقد قنع المنطق العام بالقيام بهذه المهمة وبالتالي انشغل في الكشف عن القوانين الصورية لاتفاق الفكر مع ذاته. ولأن البحث عن الاتساق الداخلي للتفكير يأتي من تحليل هذا التفكير ذاته وتطبيق معياري الهوية وعدم التناقض عليه، سمي ذلك الجزء من المنطق العام والمتولي لهذه المهمة بالتحليلات Analytics.
لكن لم يقنع المنطق العام بهذه المهمة المتواضعة، إذ حاول انطلاقاً مما تحصل عليه من القوانين الصورية للفكر في التحليلات أن يضبط مضمون الفكر ذاته إزاء موضوعات تفكيره. إن الخطر الذي يواجه الفكر هو أن يكون غير متسق ومتناقض مع ذاته، وتصحيح هذا الخطأ هو ما تتولاه التحليلات؛ لكن هناك خطر آخر، وهو أن يكون الفكر غير متفق مع موضوعه حتى ولو كان متسقاً مع نفسه. هنا يقع الفكر لا في التناقض أو عدم الاتساق بل في الوهم Schein/Illusion. ولذلك ظهر مبحث منطقي آخر يحاول تطبيق قوانين الفكر الصورية لمنعه من الوقوع في الأوهام في التعامل مع مضمونه وهو الجدل Dialectics. وبذلك انقسم المنطق العام إلى تحليلات وجدل (A58-62/B83-86)
ورأى كانط أن المنطق الترانسندنتالي يجب هو الآخر أن يتبع نفس التقسيم، أي أن ينقسم إلى تحليلات ترانسندنتالية Transcendental Analytics وجدل ترانسندنتالي Transcendental Dialectics وإذا كانت التحليلات فى المنطق العام تأخذ التصورات كما هى وكما تقدم نفسها جاهزة في الخبرة وتبني عليها اتساق الفكر مع ذاته، فإن التحليلات الترانسندنتالية يجب أن تبحث عن أصل هذه التصورات، أي في كيفية تحصل الذات العارفة عليها. ويتطلب ذلك البحث في ملكة الفهم Verstand/Understanding التي بها تتحول التمثلات Vorstellungen/Representations إلى تصورات Begriffe/Concepts. وإذا كان الجدل في المنطق العام يحاول ضبط الفكر إزاء موضوعه باستخدام القوانين الصورية للفكر والتي توصل إليها في التحليلات، فإن الجدل الترانسندنتالي بالمثل يجب أن يضبط الفكر إزاء موضوعه، لكن لا باستخدام قوانين الفكر الصورية، بل باستخدام معيار اتفاق التصورات مع الخبرة والتي تكشف عنها التحليلات الترانسندنتالية. إن التحليلات الترانسندنتالية توضح أن التصورات لا تنطبق إلا على موضوعات الخبرة التجريبية، لأن هذه الخبرة هي مناسبة ظهور التصورات ذاتها عن طريق نشاط الفهم الذي يحول تمثلات الخبرة إلى تصورات للفكر. والجدل الترانسندنتالي بناء على ذلك يأخذ التصورات على أنها مشروعة في مجال الخبرة التجريبية فقط، أما استخدام التصورات في دراسة الأشياء في ذاتها، أي موضوعات الميتافيزيقا المتجاوزة لمجال الخبرة التجريبية فهو استخدام غير مشروع ويوقع العقل في الأوهام. وتكون مهمة الجدل الترانسندنتالي بناء على ذلك البحث في التوسيع اللامشروع لاستخدام التصورات في البحث في الأمور غير الخاضعة للحدوس الحسية، أي للخبرة التجريبية. فإذا كان هدف الجدل في المنطق العام هو ضبط مضمون الفكر بناء على قوانينه الصورية، أي اتفاقه مع ذاته، فإن معيار الجدل الترانسندنتالي هو ضبط مضمون الفكر بناء على اتساقه مع الخبرة التجريبية. ولذلك يحكم كانط على علوم الميتافيزيقا بأنها غير مشروعة نظراً لأنها تطبق تصورات الفهم ذات المنشأ والوظيفة التجريبية على موضوعات الميتافيزيقا المتجاوزة نطاق الحدس الحسي.
التحليلات الترانسندنتالية هي منطق للحقيقة بتوضيح كيفية تحصل الفكر عليها، أما الجدل الترانسندنتالي فهو منطق للوهم بتوضيح الاستخدام اللامشروع لتصورات الفهم المرتبطة بالخبرة في دراسة الموضوعات غير الخاضعة للخبرة. وفي ذلك يقول كانط:
"إن ذلك الجزء من المنطق الترانسندنتالي والذي يتعامل مع عناصر المعرفة الخالصة التي يوفرها الفهم، ومع المبادئ التي
لا يمكن لأي موضوع أن يتم التفكير فيه بدونها، هو التحليلات الترانسندنتالية. إنها منطق للحقيقة. ذلك لأنه ليست هناك أي معرفة تتناقض معها دون أن تفقد كل مضمون، أي كل علاقة بالموضوعات وكل صلة بالحقيقة. لكن بما أنه من المغري للغاية استخدام هذه الأنماط الخالصة للمعرفة وهذه المبادئ للفهم وحدها وخارج حدود الخبرة -التي يمكنها وحدها أن تمدنا بالمادة التي يمكن أن تنطبق عليها تصورات الفهم الخالصة- فإن الفهم مواجه بأن
يأخذ بالمخاطرة ويستخدم مبادئه الخالصة والشكلية ويمرر أحكاماً على موضوعات.. غير معطاة لنا، ولا يمكن أن تكون معطاة لنا.. وهنا يصبح استخدام الفهم الخالص جدلياً. والجزء الثاني من المنطق الترانسندنتالي يجب بالتالي أن يشكل نقداً لهذا الوهم الجدلي، وهو يسمى الجدل الترانسندنتالي" (A63/B87-88).
ويتمثل الجدل الترانسندنتالي في "نقد العقل الخالص" في نقد الميتافيزيقا التقليدية، وهو لا يهمنا في دراستنا ما عدا قسمه الأول، ذلك القسم الذي ينقد علم النفس العقلي المتعامل مع ميتافيزيقا النفس مثل جوهرية النفس وبساطتها وخلودها، ذلك لأن له دلالة بالنسبة لفلسفة هوسرل في الأنا كما سوف يتضح من الدراسة.
لاحظنا في النص السابق أن التحليلات الترانسندنتالية تدرس شيئين: عناصر المعرفة الخالصة Elements، والتي هي التصورات أو المقولات، ومبادئ هذه المعرفة الخالصة Principles، والتي يمكن النظر إليها على أنها الأشكال أو الأنماط التي تحصل فيها الذات العارفة على المعرفة في حكمها على الأشياء عبر التصورات والمقولات. ولذلك يقسم كانط التحليلات الترانسندنتالية إلى تحليل للتصورات Analytic of Concepts التي هي المقولات ببيان منشأها في الخبرة وتحليل المبادئ Analytic of Principles الذي هو توضيح لكيفية عمل المقولات باعتبارها مبادئ تنتظم وفقها الخبرة ويتم تكوين المعرفة بها في صورة أحكام.
ولا يقصد كانط بتحليل التصورات تقسيمها إلى عناصرها كما هي معطاة أو مجرد تعريف للمقولات كما فعل أرسطو في كتبه المنطقية، بل يقصد بالتحليل الكشف عن منشأها القبلي باعتبارها أطراً قبلية لتنظيم الخبرة: يقول كانط:
"لا أقصد بتحليل التصورات.. ذلك الإجراء المتبع في المناقشات الفلسفية، أي فصل وتفصيل مضمون هذه التصورات كما تقدم نفسها من أجل جعلها أكثر تمايزاً؛ بل[أقصد بتحليلها] المهمة التي نادراً ما حاول أحد القيام بها وهي تفصيل ملكة الفهم ذاتها، للبحث في إمكان التصورات قبلياً عن طريق البحث عنها في الفهم وحده باعتباره منشأها، وبتحليل الاستعمال الخاص لهذه الملكة.. يجب علينا بالتالي أن نتبع التصورات الخالصة إلى جذورها الأولى والاستعداد لها لدى الفهم الإنساني، حيث تكون جاهزة فيه، حتى تعمل الخبرة على تطويرها وتصل بعد ذلك إلى وضوحها الخالص في الفهم متحررة من الشروط التجريبية المرتبطة بها" (A66/B91).
هذا عن تحليل التصورات. لكن ماذا يقول كانط عن تحليل المبادئ؟ إذا كان المنطق العام ينقسم إلى مباحث ثلاثة: مبحث التصورات ومبحث الأحكام ومبحث الاستدلالات، فإن المنطق الترانسندنتالي ينقسم بالتوازي معه إلى تحليل ترانسندنتالي للتصورات وتحليل ترانسندنتالي للأحكام ونقد ترانسندنتالي لاستدلالات الميتافيزيقا. رأينا في النص السابق كيف يحدد كانط مهمة تحليل التصورات في المنطق الترانسندنتالي في الكشف عن أصلها القبلي باعتبارها استعدادات معرفية لدى الذات تستطيع بها تنظيم الخبرة. لكن ما هي مهمة التحليل الترانسندنتالي للأحكام؟ ينتهي كانط في تحليل التصورات إلى أنها هي المقولات القبلية التي تظهر في الأحكام باعتبارها مبادئ لها، ولذلك يطلق على التحليل الترانسندنتالي للأحكام اسم "تحليل المبادئ" Analytic of Principles، ومعنى ذلك أنه تحليل لمبادئ الحكم التي هى في النهاية المقولات القبلية. ويقول كانط عن تحليل المبادئ: تحليل المبادئ سوف يكون بالتالي قانوناً Canon للحكم، موضحاً كيف تطبق تصورات الفهم على الظاهرات، والتي تحتوي على شروط القواعد القبلية" (A132/B171). فإذا كان مبحث الأحكام في المنطق العام يبحث في اتساق الفكر مع نفسه في صياغته للأحكام وفق قوانين الهوية والتناقض، فإن مبحث تحليل الأحكام الترانسندنتالي أو تحليلات المبادئ كما يسميه كانط يبحث في اتساق الأحكام مع مبادئها القبلية، التي هي التصورات الخالصة، والتي أثبت تحليل التصورات الترانسندنتالي ارتباطها بالخبرة التجريبية. وبالتالي يكون تحليل المبادئ قانوناً حاكماً لمضمون التفكير
لا لمجرد شكله، في عملية صياغة أحكام الخبرة التجريبية. أما النقد الترانسندنتالي للاستدلالات فهو مبحث الجدل الترانسندنتالي الذي يتناول فيه كانط استدلالات علوم الميتافيزيقا التي ينظر إليها على أنها زائفة من منطلق أنها تطبق مبادئ وتصورات الفهم الإنساني على موضوعات تخرج عن مجال الخبرة وبالتالي عن مجال تطبيقها المشروع.
3 - رد الأحكام إلى المقولات:
كي يبحث كانط في الشروط القبلية للتفكير والتي تمكن ملكة الفهم من تنظيم معطيات الحواس كان عليه البحث عن خيط يهديه إلى الشكل العام للتفكير، أي الإطار أو الهيكل الذي يضم كل نشاط فكري. وقد وجد ذلك الخيط جاهزاً أمامه وهو أنواع ا لحكم التي يقدمها المنطق العام. وبذلك انطلق كانط من أحكام المنطق العام باعتبارها خيطاً هادياً أو دليلاً Clue يقدم شكل أو هيكل التفكير بطريقة صورية؛ ذلك لأن الأحكام كما تظهر في المنطق العام تقدم كل صور التفكير الممكن وبالتالي تفتح أمام كانط إمكانية البحث في عمليات التفكير.
أ - لوحة الأحكام:
لم يأخذ كانط أحكام المنطق العام كما هي معروضة في كتب المنطق، أي لم يأخذها من الأكثرها بساطة إلى الأكثرها تركيباً، بل رتبها ترتيباً نسقياً حسب كم الحكم وكيفه في حالة الأحكام البسيطة المكونة من قضية واحدة، وحسب العلاقة بين قضايا الحكم المركب، سواء كانت العلاقة توكيدية أو شرطية. وعندما نظم كانط الأحكام و فق هذا الأساس وجد أنها تتوزع إلى أحكام الكم وأحكام الكيف وأحكام العلاقة وأحكام الجهة. وبالتالي وضع اللوحة الآتية:
لوحة الأحكام
1- أحكام الكم
كلية Universal
جزئية Particular
مفردة Singular
2- أحكام الكيف
موجبة Affirmative
سالبة Negative
لا متناهية Infinite 3- أحكام العلاقة
حملي Categorical
شرطي متصل Hypothetical
شرط منفصل Disjunctive
4- أحكام الجهة
احتمالي Problematic
إخباري Assertoric
يقيني Apodictic
وما يبرر لكانط التعامل مع الأحكام باعتبارها كاشفة عن أفعال التفكير نظريته القائلة إن للفكر الإنساني مصدرين: الحس والفهم. الحس، أو ملكة الحس Sinnlichkeit/Sensibility وهي ملكة تلقي الحدوس الحسية، والفهم هو ملكة تطبيق التصورات القبلية على الحدوس الحسية. وبالتالي فالتفكيريتكون من حدس Anschauung/Intuition وتصور Begriff/Concept. ويظهر هذان العنصران في الحكم، ذلك لأن الحكم يتمثل في تطبيق التصور على الحدس، كأن تقول مثلاً: "الجسم منقسم". فالجسم هو الحدس الذي يقدمه الفهم باعتباره تمثلاً Vorstellung/Representation، إذ بعد أن تتلقى ملكة الحس بيانات تتوصل منها إلى تمثل الجسم، تعالج ملكة الفهم الجسم باعتباره تمثلاً في حكم كما الحكم السابق، يطبق عليه تصوراً هو الانقسام. الفهم إذن يكوِّن المعرفة بالحكم على الأشياء، إذ يحكم على الجسم بالانقسام على سبيل المثال.
ويذهب كانط إلى أن الحكم ليس حكماً مباشراً عن الحدوس الحسية، بل حكم غير مباشر عن تمثلاتنا لهذه الحدوس. وفي ذلك يقول:
".. إن الاستخدام الوحيد للتصورات هو أن يحكم الفهم عن طريقها. وبما أنه ليس هناك أي تمثل، وخاصة إذا كان حدساً، في علاقة مباشرة مع الموضوع، فليس هناك أي تصور في علاقة مباشرة مع الموضوع، بل مع تمثل لهذا الموضوع.. والحكم بالتالي هو المعرفة الوسيطة بموضوع، أي تمثلاً عن تمثل له" (A68/B93).
الحكم ليس حكماً مباشراً حول الموضوع كما تقدمه الحواس، بل هو حكم غير مباشر على تمثلاتنا عن هذا الموضوع. ومن طبيعة الحكم أن يكون مضفياً الوحدة على التمثلات بجمعها تحت تصور. فالحكم القائل "الجسم منقسم" يلحق الانقسام بالجسم على أساس أن الجسم ممتد وكل ممتد منقسم، أي أن الحكم يلحق الانقسام بأشياء كثيرة ممتدة منها الجسم، ويضم الجسم إلى فئة الأشياء الممتدة، وهو بذلك يضفي الوحدة على التمثلات:
"كل الأحكام هي وظائف توحيد بين تمثلاتنا؛ فبدلاً من استخدام تمثل مباشر، فإن تمثلاً أعلى (في شكل تصور) يضم التمثل المباشر وتمثلات كثيرة غيره، يستخدم في معرفة الموضوع، وبذلك يتم جمع معرفة أكثر بكثير في [حكم] واحد" (A69/B94).
كما أن هناك سبباً آخر يجعل كانط يأخذ الأحكام على أنها كاشفة عن أفعال التفكير، وهو نظرته إلى التفكير على أنه يتم من خلال تصورات، وبما أن التصورات تظهر في الحكم فإن الحكم بذلك يعبر عن فعل التفكير( 15). ويظهر التصور في الحكم باعتباره ما يضفي الوحدة على التمثلات، كأن نقول مثلاً: "كل معدن جسم". ففي هذا الحكم ألحقنا كل المعادن تحت تصور أو مقولة الجسم، وبذلك أضفينا الوحدة على تمثلات كثيرة لمعادن مختلفة. ومعنى ذلك أن فعل التفكير الذي يعبر عنه الحكم هو فعل إضفاء الوحدة على التمثلات، أو بكلمات أخرى، فعل تنظيم الخبرة التجريبية. وفعل إضفاء الوحدة هذا هو وظيفة لملكة الفهم التي هي في أساسها ملكة حكم Urteilskraft. والوحدة التي يضفيها الفهم على التمثلات أربعة أنواع: وحدة من حيث الكم، ووحدة من حيث الكيف، ومن حيث علاقة التصورات ببعضها، ومن حيث علاقة التمثلات بالتصورات.
وبذلك تكون أنواع الأحكام مرتبة حسب وظائفها التوحيدية، أي على أساس الكم والكيف والعلاقة والجهة. يقول كانط:
"يمكن لوظائف الفهم أن تُكتَشف إذا أمكننا تقديم صياغة شاملة لوظائف الوحدة في الأحكام.. وإذا ما جردنا مضمون الحكم ونظرنا إلى شكل الفهم [الذي يتضمنه الحكم] وجدنا أن وظيفة التفكير في الحكم يمكن أن تأتي تحت أربعة عناوين، كل منها يحوي ثلاث لحظات" (A70/B94-95).
ثم يستعرض كانط بعد هذه العبارة مباشرة لوحة الأحكام السابقة. ولذلك فإن ترتيب كانط للأحكام في لوحة الأحكام السابقة هو حسب وظيفة الفهم في إضفاء الوحدة على التمثلات، عن طريق تصورات خالصة أو مقولات هي الكم والكيف والعلاقة والجهة. ويجب أن نلاحظ أن ترتيب الأحكام هذا هو ترتيب إبستيمولوجي لا ترتيب منطقي، أي ترتيب من وجهة نظر الوظيفة المعرفية للحكم لا من وجهة نظر بساطة أو تعقيد مكونات الحكم. ولم يكن ترتيب الأحكام حسب هذه المقولات الأربع موجوداً في كتب المنطق قبل كانط، ويمثل هذا الترتيب إضافة هامة لكانط في علم المنطق؛ ولذلك تبنى كثير من المناطقة بعد كانط هذا الترتيب وشرحوا الأحكام على أساسه( 16).
والمفارقة الغريبة في هذا الصدد أن كانط لم يقصد من ترتيبه الجديد للأحكام حسب المقولات الأربع أن يكون خادماً في دراسة المنطق العام، بل أراد منه الكشف عن الوظائف المعرفية لملكة الفهم؛ أي لم يكن غرضه منطقياً بالمرة بل إبستيمولوجياً بالدرجة الأولى، وعلى الرغم من ذلك فإن من استفاد من هذا الترتيب الجديد للأحكام هم المناطقة أكثر من فلاسفة المعرفة، سواء بتبنيه أو معارضته وتقديم بدائل أخرى. وإجمالاً لما سبق نقول إن كانط في هذا الترتيب ليس مهتماً بالحكم بالمعنى المنطقي، بل بالحكم باعتباره كاشفاً عن عمل الفكر أو وظيفة الفهم؛ وهو بذلك يسير بالتجريد خطوة أخرى، ذلك لأن أحكام المنطق الصوري في حد ذاتها شكلية، ويتجاوز كانط الشكل المنطقي للحكم مجرداً إياه مرة ثانية وصولاً إلى شكله الفكري، ذلك لأنه يرد الحكم المنطقي إلي حكم معرفى ليكشف عن الوظيفة التوحيدية له، أي ما يتضمنه من مقولات، والنظر إلى المقولات على أنها وظائف توحيدية للفهم. صحيح أنه تجريد ثان، إلا أنه لا يصل إلى مزيد من الشكلية أو الصورية فيما يتعلق بالحكم، مثلما يجرد المنطق الرياضي أحكام واستدلالات المنطق الصوري للوصول إلى المزيد من الصورية التي تصل إلى الرمزية، بل يصل إلى مضمون عيني جديد، أي إلى المقولات التي يتضمنها الحكم باعتبارها وظائف لإضفاء الوحدة على التمثلات. ولأول مرة في تاريخ الفلسفة يؤدي التجريد إلى شئ عيني، وفي ذلك تتضح عظمة كانط. وفي تناولنا لفلسفة هوسرل سوف نرى كيف أن التجريد المؤدي إلى العينية هو طابع مميز للمنهج الفينومينولوجي لديه، ذلك الطابع الذي ظهر أولاً لدى كانط كما رأينا.
وقبل أن ننتقل إلى رد كانط الأحكام إلى المقولات يجب علينا أولاً تناول تمييزه بين أحكام الكيف الثلاثة: الحكم الموجب والحكم السالب والحكم اللامتناهي. إن المنطق العام لا يحتوي على مثل هذا التمييز؛ إذ يمثل تفصيل كانط لأحكام الكيف إلى هذه الأحكام الثلاثة إضافة منه على المنطق العام.
1 - التمييز بين الحكم اللامتناهي والحكم الموجب:
يميز كانط بين الحكم اللامتناهي والحكم الموجب بينما لا يميز المنطق العام بينهما؛ ذلك لأن الحكم اللامتناهي يعمل على تقسيم مجال انطباقه المادي إلى فئتين: الأولى ينطبق عليها الحكم، والثانية مستبعدة منه؛ في حين لا يفعل الحكم الموجب ذلك وليس به مثل هذا التقسيم. ويضرب كانط على ذلك مثال الحكم: "النفس ليست فانية"، والحكم "النفس خالدة". ليس هناك تساو بين الحكمين على الرغم مما يبدو للوهلة الأولى، لأن الحكم اللامتناهي "النفس ليست فانية" يضع النفس في فئة الأشياء التي ليست فانية ويعزلها عن مجال الأشياء الفانية، في حين أن الحكم الموجب "النفس خالدة" لا يحتوي على مثل هذا التقسيم إلى مجالي الفاني والخالد، بل هو لا يفعل شيئاً سوى أن يؤكد أن النفس خالدة فقط، في حين ينفي عنها الحكم اللامتناهي الفناء ويعزلها عن مجال الأشياء الفانية. هذا التمييز بين الحكمين مقام على أساس مقولتي الحصر Limitation في حالة الحكم اللامتناهي، لأنه يحصر النفس عن فئة الأشياء الفانية، أي يمنعها من الاندراج في هذه الفئة أو يحدها عنها Limit ومقولة الواقع Reality في حالة الحكم الموجب، لأنه يثبت واقعاً معيناً للنفس وهو الخلود (A72/B97-98). وهذا التمييز، على الرغم من التساوي المنطقي بين الحكمين، هو تمييز مقولي، إذا يثبت اختلاف الحكمين نظراً لأن كل واحد منهما يضيف معرفة مختلفة عن الآخر حول النفس. إنه تمييز معرفي مقام على أساس ما يضيفه كلا الحكمين على معرفتنا لا على أساس شكلهما المنطقي اللذين يتساويان من حيث المعنى. ومعنى ذلك أن التمييز مقام على أساس الحكم التركيبي والحكم التحليلي، أي ما إذا كان الحكم يضيف جديداً إلى المعرفة أم أنه مجرد تحليل لمفهوم الموضوع. إن كانط ليس مهتماً بالمعنى المنطقي لحكم بل بدلالته، أى إشارته إلى مجال مقولي. وإذا ما فحصنا الأحكام على أساس انتماءاتها إلى مجالات مقولية لوجدنا أن الأحكام تترتب حسب مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة كما وضعها كانط في لوحة الأحكام. وبذلك نرى في هذا التمييز الكانطي جذور التمييز الحديث بين المعنى Meaning والدلالة Reference السائد في النظريات المنطقية الحديثة والذي أدخله فريجة وطوره راسل وكواين. لكن في حين قصدت الاتجاهات التحليلية من الدلالة الإشارة إلى الموضوع الواقعي أو الواقعة بالمعنى الذي يقصده راسل وفتجنشتين، يقصد كانط بالدلالة الإشارة لا إلى الواقعة بل إلى تمثلنا عن الواقعة، الواقعة التي تقدم نفسها للوعي في صورة تمثل Representation/Vorstellung.
2 - التأكيد على استقلال الحكم السالب:
كما أن ما يجعل كانط يميز بين الحكم السالب من جهة والحكم الموجب واللامتناهي من جهة أخرى وينظر إلى الأول على أنه يتمتع باستقلال وأصالة أن هذا الحكم السالب يعبر عن فعل عقلي هو السلب أو النفي. أنكر المنطق العام أهمية الحكم السالب لأنه نافٍ ولا يثبت شيئاً وبالتالي فهو ليس حكماً عن أصالة، لأن الحكم من وجهة نظر المناطقة هو إثبات دائماً، أما حكم النفي فليس إلا اشتقاقاً من الحكم الموجب وتابعاً له وغالباً ما يستخرج بعكس منطقي للقضية الموجبة. صحيح أن الحكم السالب لا يعبر عن وجود صفة حقيقية في الموضوع بل يكتفي بمجرد سلب صفة عنه، إلا أن غياب صفة ما من الموضوع شئ يكتشفه الوعي ويثبته فكرياً في شكل حكم سالب. إن الحكم السالب يعبر عن يقين معين توصلت إليه الذات العارفة؛ إنه يقين وحقيقة وبينة Evidence يجب أن يوضع في صورة حكم. والحكم السالب بذلك يكون متضمناً التوكيد، لأنه يثبت حالة منفية عن الموضوع، إنه تو