بين الاعدام قتلا والاعدام شنقا
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@jotmail.com طلب صدام حسين قتله بالرصاص، بدلا من الشنق، في حال صدر عليه حكم الاعدام من قبل المحكمة الجنائية، وقد اعتبر ذلك بمثابة مسرحية هابطة وقال حقوقيون انه لا موجب للاخذ مأخذ الجد انه عسكري “والقائد العام للقوات المسلحة” كما قال، لانه كان قد ارتكب الجريمة، كما هو معروف، من موقعه المدني كرئيس للجمهورية، و شدد عسكريون محترفون على ان صفته العسكرية الاحترافية مشكوك فيها، ولا أصل لها، واحسب ان الامر متروك للقضاء وقواعد اللعبة.
غير ان طلب صدام حسين ان لا يُشنق مدعاة للتأمل، وقد قلبتُ الامر كثيرا، قبل ان استعين بصديقي المتخصص بعلم النفس الذي يشتغل، منذ فترة، على تحليل شخصية الرئيس السابق لحساب احد المعاهد الاوربية، فالتقطتُ جانبا من القضية سرعان ما ايدها هذا الصديق وملخصها ان صدام حسين دخل حتما في طور الاحساس بالانهيار مع دنو الموت الاكيد، وبدأ يتوجس الخطر الداهم على صورته “البطولية” الزائفة، إذْ يعرف، في حال الشنق، ان ثمة فسحة زمنية سديمية مرعبة بين اغلاق العيون ولفظ الانفاس يكون فيها عرضة لرعشة النهاية فيما لا يضمن الاستقواء ازاءها، بل ان التفكير بالشنق، الامر الذي كان يزاوله بالتوقيع على الاف القرارات بحق مواطنين ابرياء، يضعه منذ الان امام اختبار مستحيل قد يختزل عنجهيته الى جرذ مذعور قبل الاوان.
اما صديقي المحلل السايكولوجي، فقد سجل عليّ خطأ الانحراف بالموضوع الى منطقة تحليلية رخوة، هي السياسة، وعنده ان عنوان الموضوع من الناحية الاكاديمية هو (السادي امام العقاب) فان صدام حسين، حسبه، سادي نموذجي واضح التعبير عن نزعته المتسلطة تجاه الآخرين، وإذ “فقد الامل بالحياة فجأة” فانه يحرص على حرمان ضحاياه من متعة التشفي في مصيره، انظر مثلا-يضيف- بطل رواية (يوميات الغاوي) لكيركجارد وهو رجل سادي لم يعد يتأمل شيئا من حياته، لكنه يتفنن حتى آخر لحظة من حياته في مزاولة متعته الشرسة ولا يهم ان يفتك باتباعه ويرسلهم الى الموت طالما يحقق ذاته المريضة من وراء ذلك.
وطبقا لشروحات الصديق المحلل السايكولوجي فان اشرس الساديين هم اولئك الذين يداهمهم الشعور بالاحباط في وقت غير قادرين على النيل من ضحاياهم، وقد يكتفي بعضهم، من الدرجات الدنيا، بتنمية عاهة الجسد الى اعلى درجاتها العدوانية، كما حدث لبطل ديستوفيسكي (الابله) الذي كان يردد مع نفسه: “لن اغفر لهؤلاء سعادتهم” اما السادي النموذجي، فهو حين تنقلب عليه الاوضاع ويشعر انه هو نفسه متسلط عليه، أو محتقر، ستنتابه نوبات من العناد أو الغيظ الجنوني ، ينعكس ذلك في اضطراب وظيفي لاعضاء السيطرة الجسمانية والعقلية، لكنه في كل الاحوال لا يرغب ان يظهر ضعيفا امام ضحيته، وفي تلك النقطة لا يمكن ان نستبعد منه اي سلوك او تصرف لا يجمعه جامع بالعقل، فبعض الساديين، من هؤلاء، يعوي في سورة الغضب على مصيره كالكلب المكلوب، بل ان الصوت الذي يصدر عنه قد لا يمكن تمييزه عن نباح الكلب.
قلت له: شكرا، لقد ذكرتني بان الكلاب المكلوبة لا تُشنق..انها تُقتل.
ـــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــ
“صدام حسين يمتلك احساسا مبالغا به بمعاني الشرف” .
بريماكوف
aalassam@hotmail.com [/b] [/size] [/font]