متى يقول الشعب لا للسياسي المركون بنفسية التجزئة والقيادة
بقلم: أوشـــانا نيســـان
صحفي مقيم في السويد
oschana@hotmail.comيبدوا أن المقاومة " المذهلة" لمقاتلي حزب الله اللبنابي أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية ، مثلما نجحت ولو من خلال الفضائيات العربية في فرملة زحف عجلات الغول الإسرائيلي المدمر، هذا الهدف الذي أخفقت معظم الدول العربية والإسلامية في تحقيقه ضمن الحروب السابقة، نجحت أيضا في الكشف عن الخلل المتأصل ضمن البنية السياسية للنظام العربي الشمولي، يقابلها التركيبة المتآكلة للأحزاب السياسية المعارضة والمفروض أصلا على رقاب المواطنين الأبرياء.
علما إن المقاومة تلك كشفت وللمرة الأولى عن هول الأخلال المترسخة ضمن ما يسمى بالنظام السياسي العالمي الذي وجد قبل أكثر من سبعين عاما، وحاجة الأخير إلى إصلاحات جذرية من شأنها إنقاذ ما يمكن إنقاذه في سبيل إرساء دعائم السلام الحقيقي على كوكبنا. بالإضافة إلى حاجة عالمنا المتحضر إلى نظام سياسي جديد من شأنه لجم التيارات القوموية والمذهبية، تلك التي تناضل بدون كلل في سبيل إشعال الجمرات المتقدة تحت ركام التاريخ المعقد بين الشرق المؤمن والغرب الكافر حسب تعبير الأصوليين الجدد.
هذا بقدر ما يتعلق الأمر بخلخلة النظم السياسية وتركيبة معظم بلدان الشرق الأوسط، ولا سيما بعد تعاظم دور وسلطة بعض الأحزاب الإسلامية على أنقاض الأحزاب الناسيوناليزمية التي انهارت. هذه التيارات الجديدة التي نجحت بالاتكاء على العولمة في رسم حدود دولتها الصغيرة ضمن حدود الدولة الكبيرة والمعترف بها عالميا.
أما بقدر ما يتعلق الأمر بالقوى السياسية للاقليات، وعلى رأسها الاقليات العرقية ــ المسيحية في العراق، فحدث ولا حرج. لا بسبب العمق الديموغرافي الشاسع بين الظاهرتين وانما لاعتبارات الدعم المادي والمعنوي التي تقدمها الدول المؤيدة.
فالخلل الذي أوجدته ظاهرة القيادات السياسية غير الراشدة والمفروضة أصلا بإرادة الغير وإمكانات غير ذاتية، أحدث الخلل هذا شرخا فضيعا كان ولايزال سببا في تعطيل دور الأمة وعزل قدرات النخبة المثقفة وبالتالي إلغاء دور القوى الخلاقة التي كانت تعتمل وبإخلاص في أعماق كل مواطن مسيحي غيور.
الأمر الذي حصر الخيار بين الإشكالية التي أوجدها أنصار التحزب والتخلف في سبيل ديمومة الاحتفاظ بالمواقع السياسية حتى ولو حدث ذلك على حساب كرامة الشعب ووجوده وبين السكوت والابتعاد الطوعي الذي اختاره المثقف العضوي في سبيل رفض المشاركة ضمن الإبعاد غير العقلانية لهذه السياسات التي تمهد وبدراية تامة لإجبار الأمة على الوقوف من جديد أمام حالات مأساوية يتخللها الضمور وتلاشي العقل والثقافة.
موسم المؤتمرات الحزبية
رغم سخونة صيفنا هذا العام، فقد يمكن تسميته وبامتياز بموسم المؤتمرات الحزبية، لأكبر ثلاث أحزاب آشورية داخل الوطن. رغم أن البيانات الختامية للمؤتمرات تلك لم تنجو كعادتها من الطابع المسرحي الذي تعود أن يهيمن على الخطاب السياسي الحزبي الذي يخدع به الكثيرين من أبناء شعبنا، باستثناء الهفوات التقليدية التي يفضحها دوما السياسي المنتمي إلى قيادانتا المتنفذة ، بعد أول زيارة يلتقي فيها مؤيديه ومريديه بعد انجلاء غبار المؤتمر على الأقل خارج أسوار الوطن.
فإشكالية الوجود القومي الآشوري داخل الوطن، غياب الوعي السياسي الوحدوي ضمن مسيرتنا الحزبية، تهمة المشاركة الحزبية ضمن الانشقاق الكنسي الأخير، التحركات اليائسة لتحريف اسم الشعب الآشوري وتأثيرات المؤامرة هذه على الاخوة التاريخية بين أبناء الشعب المسيحي في العراق ، ظاهرة التأبد في القيادة الحزبية، الاستقطابات العائلية والعشائرية، الاختلاف في الرأي بما فيها الشروخات التي أخذت تطفح علنا على السطح الحزبي الزائف، كل هذه التساؤلات رغم أهميتها لم تلتق ضرورة بحثها إلى مصاف البند الخاص بالمصالحة الوطنية التي هيمنت على مضمون محاضرة سكرتير الحركة الديمقراطية الآشورية في تورنتو على سبيل المثال.
صحيح إن المصالحة الوطنية في عراق ما بعد صدام، مطلب وطني لكل العراقيين الشرفاء، ولكن قرار تحقيق المطلب هذا لا يمكن له أن يشغل هذا الحيز ضمن اجندة أي حزب أو أي تنظيم أقلوي كالحركة الديمقراطية الآشورية، الحزب الوطني أو حزب بيت نهرين في العراق. لا لمجرد الخلل في الحجم كما يعتقد أو دور الأحزاب الخاصة بالاقليات ضمن الخارطة السياسية لما بعد الدكتاتورية، وانما لاعتبارات النهج الاستعلائي للأكثريتين العربية والكردية ونظرتهما إلى الدور الثانوي والمؤيد على الدوام لبقية مكونات الشعب العرقي.
والملاحظ انه رغم هول الاختلاف بين الظاهرتين المدرجين في ديباجة المقال، ظاهرة إقحام دولة لبنان في حرب استيقظ رئيسها على دوي صواريخ إسرائيل وحزب الله ، يقابلها ظاهرة عمق الهوة الفاصلة بين أبناء شعبنا الآشوري عامة وبين القيادات السياسية التي لم تتآلف بعد حق العودة إلى الشعب ، إلا عند الحاجة إلى السلم الموصل بالمكاسب الآنية، رغم التأثيرات السلبية للنهج هذا على سيادة فوضى القيم بين أبناء الشعب الواحد وخراب العقل والضمير، وفي مقدمتها مؤامرة السعي لخلق الذرائع والأسباب بهدف شق وتمزيق أسوار أقدم رمز من رموز شعبنا الآشوري، ألا وهي كنيسة المشرق الآشورية باعتبارها اقدم كنيسة على وجه المعمورة، والكلام هذا للبابا المرحوم يوحنا الثاني، عندما صرح أمام حشد كبير من آلاف المؤمنين عام 1994 أن كنيسة المشرق الآشورية هي أقدم كنيسة مسيحية على وجه الأرض.
نكتب هذا وفي الخلفية اعتقاد راسخ بأن أجندة السياسي التقليدي الآشوري، لم تعد أجندة آشورية بقدر ما تحمله من الهموم التي لا تنتمي إلى هموم الأمة وحقوقها. فشعبنا لا يعاني من مجرد بطش شيوخ الإرهاب والقتل في العراق، بل هو أصلا ضحية تداعيات الشرخ المذهبي المتأصل بين جدران البيت المسيحي في وادي الرافدين.
فالسياسي الذي أخفق في استغلال الدعم الجماهيري المنقطع النظير للثورة البنفسجية والعفوية التي انبثقت منذ دخول موكب قيادات المعارضة الكردية والعراقية إلى كردستان العراق ربيع عام 1991 ، وخسر الدور الذي مثله باعتباره رئيسا للكتلة المسيحية التي مثلت دور بيضة القبان بين الكتلتين الكرديتين الصفراء والخضراء ضمن أول برلمان كردستاني انتخب عام 1992، اثر المراهنة على دور السياسيين الجديد، بعد إسقاط النظام الدموي في بغداد في التاسع من نيسان عام2003 . ثم مرورا بالمؤتمر المأساوي الذي نجح وبامتياز في شرعنة شقة الخلاف بين أبناء شعبنا المسيحي داخل الوطن وخارجه.
كل هذه الوقائع المثبتة ، الهفوات السياسية المتكررة والسقطات التاريخية الأخرى التي تكفي أحدها لإسقاط أكبر زعيم سياسي منتخب وفق آليات النظام الديمقراطي، أخفقت لحد كتابة هذه الكلمات في التشكيك باجندة هذا السياسي الصعب والذي اثبت الدهر انه لا يتردد يوما في التضحية بكل المبادئ من اجل النهج القائل، علي وعلى أعدائي.
أما التساؤل الذي ظل يقلق مخيلتي على الدوام يكمن في:
متى يصحوا الغيارى من أبناء شعبنا المسيحي ليكفوا عن الاصطفاف بدافع العاطفة أو العصبية القبلية أو ما شابه من التفاهات التي عفى عليها ألزمن، أو حتى الوقوف وراء القيادي الذي يجعل من الأمة سلما لبلوغ أحلام القيادة، وعلى حساب ثوابت الأمة من خلال نهج تسويق المغامرات غير المحسوبة تلك التي تتلاعب بحماس الجماهير المتعطشة للتحرر والانعتاق وتدغدغ مشاعرهم النبيلة لأكثر من عقدين من الزمان؟ [/b] [/size] [/font]