مصطفى..عويل وطن
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comعلى فضائية البغدادية شاهدنا مساء يوم الثلاثاء وثيقة حية، بالصوت والصورة، عن عويل وطن على قتلاه الذين يسقطون يوميا بالسيارات المفخخة والتفجيرات العمياء، والقتيل شاب لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر اسمه مصطفى، من سكنة مدينة الحرية ببغداد، والوطن هو العراق من سكنة الزلازل، وقد تجسد في والد مصطفى الذي كان ينحب بصوت يقطع نياط القلب ويفيض بالفجيعة ويخطط وجه الجريمة المروعة التي اودت بحياة شاب، لا صلة له بما تتطاحن السياسة فيه، ولا شأن له بما يجري الاختلاف عليه، فقد ترك الدراسة وانصرف الى العمل في دكان صغير يساعد والده للاستقواء على معيشة صارت مضنية، وعلى كوارث صارت تضرب في كل مكان. الساعة التلفزيونية التي عشناها مع عويل الوطن بصوت والد مصطفى كانت تستحيل الى تلخيص لفجيعة العراق اذ يقتل البرابرة اروع الاولاد واجمل الاطفال وانبل النساء والمارة، ويتحدث خلالها الرجل المفجوع بكلمات تنتخي الموت ان يأخذه الى ولده، فهناك سيعانقه ويقبله ويعتني بجروحه، ولده الصغير المشغول بالكد من اجل عائلة من النساء والبنات إذ حولته شظايا السيارة المفخخة في صباح تموزي اصفر الى اشلاء متناثرة، عجز الاطباء عن ترتيب اتصالها، واستسلموا الى مشيئة النهاية: مات مصطفى، فانهار الوالد، وانهد الوطن في عويل.
ويختلط العويل بالنداء والحوار: مصطفى، يا ولدي، ايها الشاب الحلو، اين اصابتك الشظايا ؟ على اي جنب تنام الآن؟ هل نمت جيدا هذه الليلة؟ اخواتك الخمس يفتقدنك لليوم الرابع على التوالي..لم تعودهن على مثل هذا الغياب الطويل وهذا الصمت المخيف، يا ولدي الجميل، أي وحش هذا الذي افترسك؟ من اين جاءوا اليك؟ وما الذي ارادوه منك؟ وماذا حققوا بموتك الفاجع في ذلك الصباح المشؤوم؟ رحماكم، ايها الناس، ايتها الحكومة، وياسيارات الشرطة، لا اريد حياتي بعد الآن، يا ولدي الوسيم، يا مصطفى، انت تعرف مكانك في روحي.
وتتدفق من عيون الرجل العراقي الطيب دموع غزيرة، وتهب من فؤاده اصوات رعد مجروحة، ودويّ انكسار عظيم، وتمتد الاهة الى زلزال يبرق بالغضب والحيرة، وتنفتح السماء على وطن يضع يده على جرح فاغر، وعلى ملثمين بعيون كلاب: لماذا يا ولدي ذبحوك، وانت لم تؤذ طيرا؟ آه يا مصطفى، ما اعظم صبرك حين استسلمت للموت، وما انبل شكيمتك حين ودعتنا بنظرة امل، وما اقسى مصيرنا حين فقدنا الامل بعودتك، والآن، ما اهمية حياتي بعدك؟ وما رجاء ايامي من دونك؟ لقد سامحتك يا ولدي..سامحتك يا مصطفى، فمن اسامح إن لم اسامح ولدي الجميل؟.
ومرة اخرى، واخرى، توقع كاميرا التلفزيون شهادة نبيلة إذ يشق عويل العراق مجرات الخليقة، ويسكب الرجل روحه دموعا مدرارة لا يلمها المكان، ويقف في اعلى الصورة رجال من عصر الردة الجاهلية، وعلى صدورهم صور الاف القتلى، واسم مصطفى ابن الخامسة عشرة ربيعا، وعويل رجل عراقي مفجوع.
ـــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــ
“للجريمة لسان فصيح”
قاض الماني [/b] [/size] [/font]