مأزق الديمقراطية في كوردستان أم مأزق الفكر؟
من الواضح بأن حقوق الإنسان تُحتَرَم بدرجة أكبر داخل النظام الديمقراطي و أن أسلوب الحكم الديمقراطي وأسلوب الإدارة الرشيدة في الحكم هما شرطان أساسیان لمنع نشوب الصراعات بین فئات المجتمع. ففي حالة وجود مجتمع مدني فاعل في الحياة العامة و نظام محاسبي علني وجهاز حكومي يتسم بالنزاهة والحياد عن طریق حکم محلي لامرکزي و توفر احترام سيادة القانون لتثبیت إطار عدلي مفتوح للجماهير بحیث يحق للمواطن الاحتجاج على الحكومة وانتقادها دون الخوف من المعاقبة والمتابعة تسهل عمل الحکومة في مجابهة الأيديولوجيات المتطرفة و تقويّ نهضة الكفاح من أجل التعايش والمساواة بين الرجل والمرأة والخلاص من البطريركية (الأبوية).
إن أحد أهم الوظائف الكبرى للسلطة في إقلیم کوردستان للسنوات القادمة هو العمل في سبیل تثبیت النظام الدیمقراطي من أجل الاستمرار في العيش المشترك، ونشر ثقافة قبول الاختلاف، لجعل هذه البقعة الجغرافیة نموذجاً حیاً للدیمقراطیة ومكاناً آمنا لقاطنیها.
إن تضارب وجهات النظر يؤكد على ضرورة شرعية حقيقة وجود الحاجة إلى وسائل العيش المشترك. الساسة والحكومات وقادة الرأي يجب أن يقبلوا بأن يكون التعايش هدفا مشروعا.
فتعلم العيش المشترك لا يسقط من الفضاء، و التعايش هو سلوك مكتسب، و يتطلب عملية مستمرة من التعلم في المدرسة وعلى حد سواء داخل المجتمع ككل. وهذا يتطلب الهياكل والمؤسسات التي تدعم وتعزز التعايش من خلال العديد من المشاريع والبرامج لهذا الغرض.
ومن المعلوم بأن التعامل مع مقولات کالدیمقراطیة والعدالة والمساواة کنماذج کاملة أو کأقانیم مقدسة لا ینتج سوی انتهاك و تلغیم هذه المقولات في میادین الممارسة والمشاریع الدینیة و اللاهوتیة والأیدیولوجیات الحدیثة أمثلة حیة علی مانقول.
التفکیر بصورة حدیثة و عصریة لایعني قط الانقطاع عن التراث، بل هو تحرر من أوهام التیار الذي یحاول التعامل مع التراث الدیني والمجتمعي بجمود عقائدي. الهدف هو الوصول الی مرحلة عدم تحویل العلاقة بالاصول والتراثات الی أختام عقائدیة و معارف میتة کي نتمکن من نبذ التبجحات الخلقیة والمزاعم الایدیولوجیة التي یدعي بموجبها أفراد أو فئات من الناس أنهم یجسدون ضمیر الوطن أو صفوة المجتمع أو عقل الأمة أو القیم الانسانیة جمعاء بمنطق عنصري، فاشي، مرکزي، نرجسي ، نخبوي و إصطفائي. فالذي یفکر بصورة راهنة یتمکن من رؤیة الوجوه الاخری للمسائل والوقائع و یمارس تفکیره بصورة مفتوحة و ترکیبیة.
الافکار هي أنظمة للمعرفة والبرهنة و لیست مصادر یقین. من خلالها یتمکن صاحب الفکر أن یجدد مفاهیمه ویغیر مواقفه في ضوء المستجدات والمتغییرات، کي لا یمسي رهینة معتقد جامد أو یصبح حبیس إتجاه واحد. والافکار الهامة هي مهمة دائمة لفهم وإعادة إبتکارالواقع ولیست أصولا ثابة لایبغي الخروج علیها. فهي استراتیجیات لتنمیة القدرة وتوسیع نطاق الحرکة وهامش الحریة.
لکي لا نفکر بالمقلوب ونعود الی الوراء علینا اختراع سیاسة معرفیة تتغیر معها خارطة الواقع وخارطة الفکر وعلینا ایضا دراسة منازعنا و ممارساتنا قولا و فعلا و واقعنا و مؤسساتنا النخبویة والنرجسیة دراسة نقدیة حرة، تحلیلیة و تشریحیة و أن لا نقتل العقل بتقدیسه، لأن ممارسة التقدیس تقود الی حجب الحقائق ونفي الوقائع و تبسیط الفکر و إرهاب الذات والنفس. لانرید مجتمعا ثقافیا تنتج قطيع مجتمعي توقع بالاجماع بیانات الدفاع والشجب والاستنکار. فهذه العقلیة تحول المجتمع الی معسکر أو الی مملکة مغلقة و تقلص الحریات الی حد الصفر. علینا أن نحرر أنفسنا من کل مایعطل حیویة التفکیر وخصوبته وأن لا نتعامل مع الشعارات کأصنام فکریة ومثالات مطلقة سواء کانت هذه الافکار والمثالات هیغلیة أم مارکسیة، مثالیة أم واقعیة، دینیة أم علمانیة. ماالنفع من فکرة و ماقیمتها إذا لم یجر صرفها وتحویلها أو إبتکارها و إعادة إنتاجها علی أرض الممارسة و أتون التجربة؟
لنتمرس إذن بالتواضع لکسر نرجسیتنا بحیث نکف عن استخدام مفردات العمالقة والعباقرة والجهابذة ولانتعامل مع بعضنا بعقلیة التقدیس والتعظیم ولنتحرر من الوهم الخادع بأن الأشیاء والذوات تبقی علی ماهي علیه، فقد آن لنا أن نتغیر من حیث علاقتنا بمهننا ومکانتنا ودورنا في صناعة الحیاة و بناء المجتمع الکوردستاني.
د. سامان سوراني