في رحيل الشماس حنا قلابات

المحرر موضوع: في رحيل الشماس حنا قلابات  (زيارة 299 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Farouk Gewarges

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 422
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في رحيل الشماس حنا قلابات
« في: 18:19 18/05/2011 »
في رحيل الشماس حنا قلابات

 

الدكتور ثائر البياتي

كاليفورنيا- ساند ياغو

12-5-2011

 

 

الكلمة القيت في الحفل التأبيني بأربعينية الفقيد الشماس حنا قلابات، التي نـَظـَّمها مجلس سورايا القومي، سابقا ً المجلس الكلدو أشوري السرياني، في النادي الكلداني، كرستال بول في مدينة الكهون  في يوم الخميس الموافق 5-12-2011.

 

 أيها الجمع الكريم

مساء الخير

 

بأسمي وبأسم الجمعية العراقية الأمريكية في ساند ياغو أتقدم ُ منكم ومن أهل الفقيد بأصدق التعازي والمواساة برحيل الشماس حنا قلابات.  ففي رحيله خسرنا نجما ً لامعا ً من نجوم جاليتنا العراقية في أميركا ورافدا ً غنيا ً من روافد الشعب الكلدوأشوري السرياني، الذي جمع في خصاله بين الأدب والمعرفة والحب لأمته ووطنه والإنسانية جمعاء.

 

أنضم الفقيد  إلى تجمعات عراقية وطنية منذ شبابه، داعيا للسلام والحرية لجميع العراقيين، فدخل السجون في العهود البائدة، ولوحق مرات عديدة أبان أنقلاب 8 شباط الأسود، سببت في مغادرته للعراق إلى دولة الكويت ليعمل في البنك الوطني الكويتي ويكون مترجما في مجلس المة الكويتي.  ومنذ ان  أستقر به المقام في أميركا عام 1979 أستمر في ممارسته للعمل الوطني،  فحرص أولا ً على توحيد كلمة شعبه الكلدوأشوري السرياني ولم شمله، فشارك في منظماتهم الموحدة، ومؤتمراتهم الدورية الجامعة،  وعزز مواقفه الوطنية بالمساهمة في نشاطات  الجالية العراقية، التي كان في مقدمتها الإتحاد الديمقراطي العراقي،  وفي عام 2002 ، كان المرحوم من مؤسسي منظمة التجمع العراقي الذي عـَمـل َ على إزاحة الدكتاتورية في العراق، وساند حركة المجتمع المدني وحقوق الإنسان العراقي  من خلال محاضرات ولقاءات سياسية وثقافية وقومية ووطنية تخدم أهدافه السامية.

 

 كان قلمه جريئا ً في كتابة بيانات المعارضة العراقية في صفوف الجالية العراقية في أميركا وخاصة في كاليفورنيا،  شارك في كثير من مظاهراتها ومسيراتها التي دعت لسقوط النظام الدكتاتوري وساهم في ندوات إعلامية عديدة، قدمه الأعلام الأمريكي كاشفا ً عن سوء وممارسات الدكتاتورية في العراق، واستمر في مساندته لقضايا السلام والديمقراطية في العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري، ورغم سوء صحته  وكبر عمره الذي كان يزيد على الخامسة والسبعين، وتردي الوضع الأمني في العراق التحق عام 2006  في وزارة العدل العراقية ليعمل في قسم الترجمة لمدة عام ضمن القوات الأمريكية.

 

كان قلب الفقيد ينبض مع  أحداث العراق ويحلم بالسلام له ، فهو وزميله الصحفي صباح كبوتة على رأس الذين حرروا توصية بترشيح السيد  آية الله علي السيستاني لجائزة نوبل للسلام في عام 2005،  لما كانت له مواقف مشهودة للسلام في العراق، لدرء نار الحرب الأهلية التي كان يـُخـَطط  لاندلاعها ، وقد أذاعت  قناة ال CNN   الأمريكية  مقابلة مع الفقيد بخصوص ذلك الترشيح، وتناقلت الخبر حينها مختلف وكالات الأنباء العربية والعالمية، وبعد أسبوعين من الترشيح، كتب الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان ، مقالا ً أعاد فيه اقتراح ترشيح السيد علي السيستاني لجائزة نوبل للسلام لنفس الأسباب الموجبة معتبرا ً نفسه الداعي لذلك.

 

كان الفقيد وطنيا ً جريئا ً، بعيد النظر في تحليلاته،  محاورا ً ذكيا ً، حـَضرت ُ له محاورة دارت بينه وبين السيد الدكتور أبراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق السابق ، في لوس أنجلس عام 2003 ،  بعد محاضرة ألقاها سيادته بجمع  كبير من أبناء الجالية العراقية في مسجد آل البيت، بمناسبة زوال النظام العراقي ودراسة أفاق مستقبل الحكم القادم في العراق.  شاركت مجموعة من الجالية العراقية من ساندياغو في اللقاء، أذكر بعضهم، كالكاتب الصحفي السيد صباح كبوتا والسيد فاروق فيليب جرجيس، وكان الفقيد أحد المشاركين.

 

 ففي سياق كلمة الجعفري حول علاقة النظام الإسلامي بالأديان الأخرى ذكر سيادته، أن الحكم الإسلامي  مـِثال ٌ يـُقتدي به في رعاية الأقليات الدينية كالنصارى والصابئة وسواهم، فمثلما رعاهم الحكم الإسلامي أيام الدولة الإسلامية الأولى، كذلك سنرعاهم اليوم ، وضرب مثلا ً بالأمام على كرم الله وجهه، كيف رعى أيام حكمه الفقراء والمحتاجين من النصارى والصابئة وسواهم وأعطاهم من بيت المال أسوة بما أعطى للمسلمين.

 

كان المرحوم أول المتحدثين، فقال للسيد الجعفري: أنك ضـَربت َ مثلا ً بالأمام علي  وعدل حكمه قبل أربعة عشر قرنا ً، فكم ْ من علي ٍ عندكم اليوم؟

فأجاب الجعفري:  ولا واحد.  فأجابه ُ الفقيد،  وكيف َ تريد مناً أن نطبق َ المثل اليوم؟

وَمـِن ثم قال المرحوم: أنا ذمي، فهل ستأخذون الجزية مني؟ فلم يجبه السيد الجعفري.

 

ثم أردف قائلا ً: كما ذ َكـَرت َ في محاضرتك وقلت َ: نحن سنكون في رعايتكم، وهل تعرف ماذا تعني كلمة الرعاية؟  الرعاية في اللغة العربية، من الرعي ومنها رعاة ورعيان ورعاء، أي نحن سنكون غنما ً وانتم الرعيان.  فلماذا لا تفكر، والحديث للمرحوم،  في دولة مدنية متحضرة، كلنا نكون متساوين،  لا تفرقنا فيها غير كفاءتنا ومقدرتنا؟  يـُنتـَخبُ فيه رئيسنا. لم ْ يجبه السيد الجعفري،  وإنما سأله: مـَن ْ تكون أنت، وما أسمك؟

أجابه الفقيد، أنا أكنى بأبي أريج. فطلب لقاءه والتعرف عليه بعد انتهاء الجلسة، وتبادل الاثنان معلومات شخصية باحترام.

 

دارت الأيام ليصبح السيد ابراهيم الجعفري بعد عدة أشهر  أول رئيس لمجلس الحكم العراقي المؤقت ومن ثم رئيسا للوزراء بعد أن جرت انتخابات نيابية، فأرسل له الفقيد رسالة تهنئة  وَذكـَّره ُ بالحوار الذي دار بينهما في مسجد آل البيت في لوس أنجلس.   وبعد أن تصدرت الأحزاب الدينية  حكم العراق، توزعوا المواقع والمناصب الحكومية الرئيسية، فبدل من أن تتم رعاية المسيحيين والصابئة  وسواهم من الأقليات، زاد عذابهم، قـُتـِل َ وشـُرد َ وهُجـِر َ كثيرٌ منهم، فـُجـِرت ْ دور عباداتهم، وأنتشر القتل على الهوية والتهجير الطائفي ألقسري من دون أن تتمكن الحكومة من توفير الأمن والحماية لهم وللشعب العراقي عموما، فـَصـَدق َ المرحوم حنا  قلابات في حواره السابق للإحداث المأساوية والمؤسفة، مع السيد ابراهيم الجعفري، مسؤول حزب الدعوة الإسلامية، رئيس الوزراء العراقي فيما بعد.  كما برهنت الأحداث إن إثارة القضايا الدينية والطائفية واستخدامها في السياسية للوصول إلى مواقع السلطة والحكم، دَمـّرت المجتمع العراقي ومزقته ، وبقينا ننتظر اليوم الذي يكون فيه الرجل المناسب في المكان المناسب، من دون محاصصة حزبية أو طائفية أو قومية. فإذا كان الجعفري كما قال َ سيرعى رعيته، فلماذا لم يستبسل وهو الراعي الأمين على حماية رعيته من الذئاب الكاسرة التي أحاطت بالقطيع وبدأت فيه نهشا ً وقتلا ً، فالراعي البسيط الجاهل تدفعه حميته للسهر على قطيعه والذود عنه حتى بنفسه، فماذا فعل الدكتور الطيب يا ترى لحماية الرعية البشرية التي كانت بذمته...؟ طبعا ً لم تدعه متناقضات السلطة والسياسة من فعل شيء لهم.

 

أعتدنا أن نعطي للفقيد في مجالسنا ونشاطاتنا ألقابا ً كثيرة، فقسم منا كان يسميه الأديب ، والقسم الأخر الشاعر  أو الأستاذ أوالشماس وغيرها من الألقاب كثيرة. فهو كان أديبا ً،  كاتبا ً، صادقا فيما يكتب،  وكان شاعرا ً مـُلمـّا ً في بحور الشعر وأوزانه ، وكان لغويا ً بليغا ً، ضالعا ً في نحو  أكثر من لغة واحد وكان مؤرخا ً باحثا في خفايا التاريخ ِ، وكان فقيها  ً في الأديان، وخاصة الأديان الثلاثة المـُوَحـِدة،   فسألته يوما: أي ُ الألقاب ِ أحـَب ُ إلى نفسك يا أبا أريج؟  فأجاب: أحب ُ أن تـَدعوني شماسا ً.  فقلت ُ لزملائنا سنسميه من اليوم شماسا ً.

 

        ان معنى كلمة شماس في اللغة السريانية، خادم،  ومعروف في الكنائس المسيحية، بقدسية  هذه الكلمة،  والعبارة المقدسة  " كبير القوم خادمهم" مشهورة بين الناس، تنطبق على فقيدنا حنا قلابات، فكان فعلا كبيرنا، ليس في السن فقط، بل في المعرفة والعطاء والتواضع ، قدم لنا خدمات كثيرة.

                                                           

      عمل  الفقيد أستاذا ًً  للغات السامية كالآرامية والعربية في كلية كيوماكا لسنين طويلة، فتتلمذ على يده كثير من بناتنا وأبنائنا في الجالية، ومنهم أبنتي الكبيرة، تـَعـَلمتْ منه اللغة العربية،  وَقدم َ محاضرات عديدة في تاريخ وادي الرافدين القديم والأدب المقارن، وكنا ننتظر جلساته  ونترقب محاضراته بتلهف لما تحمله من معرفة وسعة أفق، وكانت أخر محاضرة له قبل مرضه، تحت عنوان، ملحمة كلكامش في الأساطير البابلية القديمة ، عـَرَضَها بشكل تحليلي، مقارنا ً محتوياتها مع مدونات منقولة نصا ً إلى العهد القديم. وكانت له مراسلات مع أستاذه يوم كان طالبا في كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية سنة 1954 ، أستاذه المعروف بأمير الأدب العراقي، زميل العلامة مصطفى جواد، أستاذ الأدب المقارن في جامعة أكسفورد البريطانية لبروفسور صفاء خلوصي، ففي رسالة له عام 1994 ، نحتفظ بصورة منها، يشكره الدكتور صفاء خلوصي للمعلومات الغزيرة التي أرسلها له عن أثر اللغة الآرامية على اللغة العربية، ووعده باستخدامها في بحوثه القادمة.  فكان الراحل حقا ً رمزا ً وكنزا ً كلدانيا أشوريا سريانيا عراقيا أصيلا ً فقدناه .

 

قدم الفقيد دراسات مختلفة في الأدب واللغة وتاريخ وادي الرافدين القديم. واصدر خلال فترة من الزمن مجلة "الكلمة" التي كانت منبرا ً حرا ً للأقلام النزيهة ، وكانت في عداد المجلات المتميزة الصادرة باللغة العربية في أميركا في تسعينات القرن الماضي، وكان مساهما فعالا ً في تحرير مجلة الأقلام المهجرية ومجلة حمورابي التي صدرت منها عدة أعداد في المهجر الأمريكي وله مقالات أدبية وسياسية كثيرة،  وقصائد شعرية ألقيت في مناسبات مختلفة .

 

          نتذكر فقيدنا دائما ً  ، أنه شهم ٌ رحل َ، نجم ٌ هوى، غاب َ كغيابِ الشَمس ِ عنـا، طيفه سيراود أحلامنا ،  روحه سوف لا تفارق يقظتنا، سـَيـَحضر ُ جلساتنا،  سيشارك ُ نـِقاشاتنا، سيكتب ُ بياناتنا ،  سيرفع ُ راياتنا ،  يشعل الشموع أمام قوافلنا،  وينير الدرب أمام مسيراتنا.

فنم يا صديقي، نم قرير العين، نم بسلام، الصبر والسلوان لأهلك وأصحابك

 

شكرا لكافة الذين ساهموا في أقامة هذا الحفل التأبيني  وأخص منهم مجلس سورايا القومي، وخاصة الصديق فاروق فيليب كوركيس، الذي أوفى بصداقته في أخراجه هذا الحفل بما يليق بمقام  الفقيد ودمتم دوما ً أحباء مخلصين لمن رحل من معارفكم عن هذه الدنيا الفانية، مع محبتي وتقديري.