كيف تدير مصالحك أمام قوة عظمى 3- متى يمكنك أن تعارض؟


المحرر موضوع: كيف تدير مصالحك أمام قوة عظمى 3- متى يمكنك أن تعارض؟  (زيارة 510 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صائب خليل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 162
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كيف تدير مصالحك أمام قوة عظمى 3- متى يمكنك أن تعارض؟

صائب خليل
3 حزيران 2011

هذه هي الحلقة الثالثة من المقال متعدد الأجزاء يعتمد كتاب ستيفان والت القيّم: "تدجين القوة الأمريكية" (Taming American Power – Stephen Walt) (1) منطلقاً مع إضافات وتعليقات لي، وأحاول أن أكون واضحاً قدر الإمكان في التمييز بين ما هو مقتبس من الكتاب وما هو إضافة عليه من رأيي الشخصي. الحلقتين الأولى (2)والثانية (3)تم نشرهما خلال الفترة القصيرة الماضية.

***

تتخذ الدول موقف المعارضة من الولايات المتحدة في ثلاث حالات أساسية:
1 الدول التي تعتبر الولايات المتحدة مضادة لها مبدئيا، والتي ترى أن مصالحها الأساسية تتناقض مع مصالح الولايات المتحدة، وهذه سترفض التعاون وتتخذ موقف المقاومة المفتوحة لسلطة الولايات المتحدة، ومن أمثلتها ما تسمى "الأنظمة المارقة".

2- بعض الدول تتخذ موقف المعارضة من الولايات المتحدة في مجموعة محدودة من المواقف، بينما تحاول الإبقاء على علاقة جيدة معها في بقية الأمور. وما لم تتطور الأمور بشكل حاد، فأن مثل هذه السياسة جزء من العملية السياسية المستمرة في الأخذ والعطاء.

3- الدول التي تختار موقف المعارضة قلقاً من نتائج التفوق الأمريكي على مجمل القضايا الهامة. وينطلق هذا من القلق من أن تتمكن الولايات المتحدة بسبب قوتها المتزايدة، من فرض مصالحها بغض النظر عن مصالح تلك الدول، او ان تستعمل (الولايات المتحدة ) قوتها بشكل يضر بتلك الدول في المستقبل.
ويعكس هذا القلق، التوجس العام من اية قوة تبلغ مدى يستحيل بعده تحديد حريتها في ان تفعل ما تشاء. ويعبر عن هذا القلق موقف الرئيس بوتين عندما قال بأنه والرئيس شيراك يتفقان على أن "العالم سيكون غير منضبط مالم يكن عالماً متعدد الأقطاب"، واتخذ الإتحاد الأوروبي والصين موقفاً مماثلاً من ضرورة تعدد أقطاب العالم وكان القائد الأفريقي نيلسون مانديلا قد وضع الأمر بعبارة واضحة حين قال: "لا نستطيع أن نقبل ان تكون هناك دولة تمثل الشرطي في العالم.... تقول لنا ما أين يجب أن نذهب وأي الدول يجب علينا ان نصاحب".

لكن الأمر ليس سهلاً أمام "غوريلا وزنها 400 كغم" كما يشبه الأمر صاحب الكتاب، ولها القدرة على الأذى بمختلف الطرق. ورغم ذلك فأن العديد من الدول وقفت بوجه الولايات المتحدة، وأحياناً بشكل عنيف، كما تبين أحداث العقود المنصرمة.
متى تتحدى الدول تفوق الولايات المتحدة؟ يعتمد ذلك على الإجابة عن بعض الأسئلة:

1- ما هو حجم الخلاف؟ من الطبيعي ان تلجأ الدول التي تجد مصالحها في تعارض مع السياسة الخارجية العامة للولايات المتحدة إلى الوقوف موقف المعارض من الهيمنة الأمريكية. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل الإتحاد السوفيتي السابق ودول ما اسماه بوش "محور الشر" وصربيا وليبيا وغيرها، ونضيف إليها الدول العربية (مستقلة الإرادة) التي تجد سياسة الولايات المتحدة من الشرق الأوسط في خلاف شديد مع مواقفها منه.
أما في حالة الخلافات ذات الحجم الأصغر، وحول قضايا محددة، فيمكن في العادة تسوية تلك الخلافات بطريقة أو بأخرى بدون اللجوء إلى تحدي الولايات المتحدة.

2- السؤال الآخر، هل ستعرف الولايات المتحدة بالمعارضة؟ تلجأ بعض الدول إلى مقاومة سيطرة الولايات المتحدة وهيمنتها، بشكل سري مع بعضها البعض أملاً في أن لا تكتشف الولايات المتحدة ذلك، وبالتالي لن يكون عليها أن تخشى رد فعلها. ورغم أن الكثير من المعارضة لا يمكن إخفاؤها، وتتطلب العمل العلني، إلا ان هذه ليست القاعدة دائماً. فالدول التي تريد تطوير أسلحة نووية، ضد رغبة الولايات المتحدة مثلاً، يمكنها أن تخفي نواياها تحت ستار التطوير النووي للأغراض السلمية. (لاحظ هنا أن الكاتب يفترض ضمناً أن للولايات المتحدة حقاً ما في فرض من الذي له حق تطوير أسلحة نووية ومن ليس له ذلك الحق، وأن مخالفة "رغبة الولايات المتحدة" في ذلك، هو نوع من المعارضة لها)
وتلجأ دول أخرى إلى معارضة اكثر تعقيداً تتمثل بالتظاهر بمسايرة الولايات المتحدة، لكنها تضع العراقيل سراً أمام تنفيذ الإتفاقت معها.

3- السؤال الثالث المهم هو : هل سترد الولايات المتحدة على ذلك؟ الدول التي تقدر أن الولايات المتحدة سوف لن تكون قادرة أو لن ترغب في الرد على معارضتها في أمر معين – إما لأنها لا تمتلك خيارات عملية معقولة لذلك، او لأن تكاليف الرد ستكون اكبر من منافعه -  قد تحاول القيام بتحدي الدولة العظمى. وأضيف هنا أنه مما لاشك فيه أن خيارات الرد الأمريكية تزايدت كثيراً بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، فقبل ذلك كان للعديد من الدول أن تتخذ مواقف مستقلة عن الإرادة الأمريكية بشكل اكبر مما بعد السقوط، حيث كانت المخاطرة باجتياح تلك الدول كبيرة وتحسب لها كلفة أكبر من فائدتها. فلم يكن إجتياح العراق وأفغانستان من قبل الولايات المتحدة خياراً سياسياً مقبولاً قبل سقوط الإتحاد السوفيتي، على سبيل المثال، وازدياد الفارق بين قوتها وقوة حلفائها والدول التابعة لها مقابل الدول المعارضة.
لكن ذلك لم يمنع العديد من الدول من تحدي إرادة الولايات المتحدة في عالم القطب الواحد، فتكاثرت مثلاً بشكل ملفت للنظر الدول التي تنتهج سياسة إقتصادية إجتماعية لا تروق للولايات المتحدة، خاصة في اميركا الوسطى والجنوبية، رغم أن الولايات المتحدة لم تأل جهداً لإسقاط حكوماتها المناوئة، وبمختلف الطرق. فقد اضطر "حجم الخلاف" مع السياسة الأمريكية الخارجية أن تتحدى هذه الدول حقيقة أن الولايات المتحدة قد ترد، وبعنف.

وعندما لا يكون الرد العسكري خياراً متاحاً، تلجأ الولايات المتحدة عادة إلى العقوبات الإقتصادية كخيار بديل. لكن هذا الخيار، ورغم موقع الولايات المتحدة الإقتصادي المهيمن، يحتاج إلى تعاون وتنسيق دولي واسع، وإلا كان مصيره الفشل.
نذكر إضافة إلى ما اورده الكتاب، أن العقوبات الإقتصادية تتميز بأنها تعمل بلا ضجة كبيرة، رغم أثرها الشديد. فالعقوبات الإقتصادية على العراق قتلت من سكانه أكثر مما قتلت الحروب الأمريكية عليه، دون ان تثير من الضغط الدولي الشعبي ما أثارته تلك الحروب. ويعرف العالم قصة مادلين البرايت حين أكدت في برنامج تلفزيوني أنها ترى أن الحصار على العراق يستحق ثمنه المتمثل بوفات نصف مليون طفل عراقي. وطبعاً، لأن "الثمن" لم تكن أميركا من يدفعه، كما ألمح تشومسكي.

لكن بشكل عام هناك ظاهرة "غريبة" لهذا النوع من الرد، وهي أن العقوبات الإقتصادية تكون فعالة ضد الدول التي لها علاقات اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة، اي اصدقاءها، وأقل بكثير ضد الدول المعارضة. كذلك لا تميل الولايات المتحدة إلى هذا الإجراء إذا كان يضر بمصالح شركاتها بشكل ملحوظ، ولصالح الشركات المنافسة في دول اخرى.
وفي هذه النقطة سبب آخر لنا في العراق مثلاً أن لا نجعل من أنفسنا "أصدقاء" شديدي الإعتماد على الولايات المتحدة، لأننا نعطيها بذلك القدةر الإضافية لحصار كبير التأثير، وهي ورقة مفاوضات لصالحها قد تستخدم في أي وقت لإجبار العراق (أو أية دولة "صديقة" إلى القبول بتمرير سياسيات ليست في صالحها مستقبلاُ. أي أنه يجب أن يحسب دائماً في اية اتفاقية، وأي تعاون حساباً للسؤال: ماذا لو لم نتفق بعد ذلك؟ ما هي الأوراق التي لدى الولايات المتحدة للضغط علينا؟ إلى أي مدى ستكون الحكومات القادمة مجبرة على القبول بما تمليه عليها الولايات المتحدة بسبب ذلك الإعتماد الإقتصادي (أو العسكري أو الأمني)؟

وتسعى الدول التي تقرر تحدي سلطة الولايات المتحدة إلى ان تجعل من عملها مؤثراً على موقع الولايات المتحدة، دون أن يصل إلى الحد الذي يدفع بها إلى الرد العنيف. ويكتب توماس شلنك: "بإمكان المتحدي الأضعف، إن امتلك الإرادة والذكاء، أن يحصل على سلسلة من التنازلات الصغيرة المتتالية، التي لا تستدعي أي منها الرد من الجانب الأقوى، ولكن بتجميع تأثيرها الكلي، تكون ذات قيمة كبيرة".
وفي العادة يكون هناك عدد كبير من المتحدين الصغار للولايات المتحدة، مما يجعل الرد عليهم صعباً. وفي هذه الحالة قد تلجأ إلى التفكير بالرد على عدد محدود منهم بشكل يردع الباقين عن اتخاذ موقف التحدي. ويؤثر على القرار الأمريكي بالطبع الظرف الذي تمر به الولايات المتحدة. فعندما تكون مشغولة بحرب أو حربين، تكون أقل استعداداً للرد العنيف على تحد جديد. وعليه فأن الدول التي تبحث عن فرصة لتحدي الولايات المتحدة، تنتظر اللحظة التي تجد فيها القوة العظمى مكبلة بمشكلة اخرى.

ورغم ان تحدي الولايات المتحدة يحمل معه أخطاره دائماً، فأن الأمر قد يستحق المخاطرة، ولكن فقط إن كان النجاح فيه يضع المتحدي في موقع ستراتيجي أقوى تجاه الولايات المتحدة أو غيرها.
ويأخذ الكاتب مثالا على ذلك في قرار صدام حسين غزو الكويت، الذي كان ينتظر أن يعطيه موقعاً ستراتيجياً أقوى بكثير، كما أن الدبلوماسيين الأمريكان كرروا أنهم ليسوا معنيين بحماية الكويت، (*اعتبر الكاتب تصرف الدبلوماسيين الأمريكان "حماقة"، ولكن ما انكشف من حقائق يؤكد أنها لم تكن كذلك بل كانت خطة أمريكية متعمدة لخداعه وإغرائه بالإجتياح(4)) وبالتالي فأن قرار  صدام باجتياح الكويبت لا يعتبر (من وجهة نظر مؤلف الكتاب) من الناحية السياسية خطأً ولا كان مفاجئاً. (والحقيقة يمكننا أن نعتبره حماقة من الدرجة الأولى، لأن صدام لم يأخذ في الحسبان أن الولايات المتحدة قد تكون تحاول خداعه وما يمكن أن تجنيه من ذلك، وأن لها في ذلك من المصالح ما هو أكثر من تسليم العراق التحكم بنفط العراق والكويت معاً، مهما قدم لها من وعود، قد يكون تنفيذها غير ممكن سياسياً لأنه سيجعل من جميع أصدقائها وعملائها في المنطقة يتخذون موقفاً حاسماً لأنها ستصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم.)

وكمثال آخر على استغلال فرص الظروف التي تمر بها أميركا، فأن كوريا الشمالية استغلت فرصة إنشغال الولايات المتحدة بالحرب على العراق، من أجل تطوير قنبلتها النووية، والذي أعطاها موقعا ستراتيجيا أقوى بكثير. هذه الحرب أعطت لإيران كل من الفرصة والدافع لتطوير تكنولوجيتها النووية أيضاً، فقد شعرت بشكل ملموس بأن أمنها يعتمد على حصولها على تلك التكنولوجيا وانها ستكون في موقف ستراتيجي أقوى لمواجهة الخطر الأمريكي الصريح تجاهها. ويشرح الكاتب ذلك بأن إيران استغلت "النافذة" الزمنية المناسبة لذلك تماماً كما فعلت كوريا الشمالية.


(1) http://www.amazon.com/Taming-American-Power-Response-Primacy/dp/0393052036
(2) كيف تدير مصالحك مع قوة عظمى (1) ملاحظات عامة ضرورية
 http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=49151
 (3) كيف تدير مصالحك أمام قوة عظمى؟ 2 – مبادئ الصراع مع الأقوى
 http://www.yanabeealiraq.com/article/sk/sk290511.html
 (4) صائب خليل: "أبريل غلاسبي كذابة": http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/25april.htm