اهم مدارس الفلسفة الاغريقية في عصرها الذهبي


المحرر موضوع: اهم مدارس الفلسفة الاغريقية في عصرها الذهبي  (زيارة 8880 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                        اهم مدارس الفلسفة الاغريقية في عصرها الذهبي
بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن/ استراليا
8 حزيران 2011

 معظم العلماء متفقين اليوم على ان الحضارة الانسانية الحالية او في اي مرحلة من مراحل التي وصلتها لم تكن وليدة لشعب ما او قوم ما او امبراطورية ما، وانما اخذت الكثير من افكارها من حضارة ما او الحضارات القديمة كأساس لوضع نظرياتها وافكارها وقوانيينها الجديدة.
ربما الكثير منا يجد الصعوبة في فهم اسباب حدوث الجدالات والنقاشات في الكنيسة حول شخصية السيد المسيح. لكن الامر الاكيد ان الفكر الديني او اللاهوتي لا يمكن ان نتصوره مفصولا عن الفلسفة اوالثقافة اوالحياة الاجتماعية وتفاعلاتها في ذلك العصر كما هو الحال في عصرنا اليوم.

لهذا كان اهم الاسباب لعقد المجامع المسكونية في القرون الاولى من المسيحية هو تاثير الفكر الفلسفي وبالاخص فلسفة افلوطين ( الافلاطونية الحديثة)، والرواقية والابقورية والفيتاغورية الحديثة والمانوية في الشرق.على فكر رجال الدين انفسهم ، فاختلاط التعابير بين الثقافات كان احد اهم الاسباب لنشوء هذه البدع والهرطقات وكذلك عدم مقدرة الاباء ايجاد لغة التفاهم بينهم ، فكان لا بد على اباء الكنيسة اقامة مثل هذه المؤتمرات لدراسة الافكار وغربلتها ومن ثم اعطاء الفكرة الواضحة من ناحية اللاهوتية حول هذه افكار هذه البدع والهرطقات.

نظرية المُثل لافلاطون

بنى افلاطون نظرية المُثل على اراء كل من بارمندس وهيرقليطس. فالاول قال ان العالم له وجود واحد غير متغير، ثابت( حسب نظرية تصنيف المسافة) ، الثاني قال ان العالم في ديمومة مستمرة من التغير ( لا تستطيع ان تضع رجلك في نفس النهر مرتين) .
فأوجد افلاطون راي توفيقي بين الاثنين ووضع فلسفته الميتافيزيقية .
افلاطون قسم الوجود الى طبيعتين، طبيعة عالم الروحاني، السماوي، المثالي، غير المتغير،غير خاضع للزمن. كل شيء فيه كامل فيه اوجده المصمم او الخالق.والعالم الثاني هو عالم الواقعي الادنى الذي نعيشه، عالم زمني،عالم متغير، ناقض، مملوء من الشرور،مملوء من الاخطاء.

ان الانسان هو مكون لطبيعتين الروح او النفس والجسد المادي، الروح هي من عالم المثل العلوي ابدية خالدة، والجسد هو من عالم الارضي الناقص زائل.
اتحدت النفس بالجسد بعد ان نزلت من نجوم السماء العلوية بمحض ارادتها ، وبذلك فقدت ذاكرتها ومعرفتها، هنا في عالم الواقع اصبح هدفها العودة عالمها الاول عالم الخلد، لذلك تكافح وتتألم كي تصل الى هذا الهدف، وذلك لن يتم الا بتحرير الروح من الجسد والعودة الى السماء عالم المثل. فالجسد في نظر افلاطون هو قبر الروح (النفس) .
اما الاشياء الموجودة في عالم الواقعي، عالم الارضي، هي صور او اشكال ناقصة لمثيلاتها الموجودة في عالم العلوي وهي متعرضة لتغير او خطأ.

فلسفة ارسطو المشائية (384 -324 ق م)

ان فلسفة ارسطو الميتافيزقية لم تكن شبيه بفلسفة استاذه افلاطون. فارسطو قال ان نظرية عالم المُثل غير موجودة، بل انها لا تساعدنا الى معرفة كينونة الاشياء.
وقال ايضا (ان ماهية الشيء هي تقع في جوهرها)
فأعلن ثنائية جديدة هي المادة الاولية (الجماد) وصورة الشيء (شكله) كلاهما يتحدان لتكوين حالة او صيرورة الشيء. وان ماهية الشيء لا تظهر في المادة او الصورة التي تحملها  بل في  ترتيبها حسب الجدول الذي وضعه للمخلوقات الحية معتمدا على درجة او مراحل تطورها.
ومن ثم وضع اربع علات التي تكشف الغاية من وجود الشيء وهي العلة الصورية، الغائية، الفاعلة، المادية.
ان العلة المادية تقاوم الصدفة المحضة.
لان الطبيعة المادية  تقاوم الانتظام بحسب الصورة والجوهر ( الماهية)  الذي ينبني على الصورة ايضا نجدها تقاوم المادة .
ومن هنا استنتج ارسطو العلاقة بين الجوهر والمعقولية المفهومة او الفكرة. واعتبر اللامتحدد- العارض لا يشير الى المعقولية او  فكرة مفهومة.
الامر الذي ارجع ارسطو الى الجدال الذي بدأه بارمنداس حول وحدة الوجود والذي اصبح فيما بعد موضوع جدال لافلاطون حول المعرفة اوالعلم والرأي .

ان نظرية ارسطو حول العالم هي مبينة على مراحل التطور بحيث يتصاعد من الادنى، الهيولي الغيرمنتظم، الى الاعلى الى الشكل المحض الذي  هي اعلى نقطة من الانتظام (فكرة بيير تيار دي شاردان)  وسمى هذا الشكل المحض بالالوهية.
بما ان ارسطو اوجد العلاقة بين الصورة والفكرة، فان الهه هو اله فكر محض وذاته موضوع تفكيره.
اما علاقة الله والعالم هي كالتالي:
لان العالم في حالة تغير مستمر وهو في حركة دائمة، وبما ان الحركة لا يمكن ان تستمر الى مالا نهاية ، فلابد من وجود محرك اولي للكون من صفاته انه لا يتحرك.
وان هذا المحرك الذي لا يتحرك هو الله حسب فكر ارسطو والذي يوافق العلة الغائية التي وضعها ارسطو في تفسير العلاقة بين المادة والصورة.
بحسب فكره ان الله لا يفكر ولا يتدخل ولا يهتم بالعالم ولا يحركه، لكن حركة التي تتم في العالم هي ذاتية، اتية بفعل الحنين لدى الصورة المتحدة في المادة (الاشياء المخلوقة و قابلة للحركة) الى الصورة المحضة التي هي الله نفسه.

الفلسفة الرواقية
 اسسها زينون القبرصي (336 – 264 ق م)  بحدود 300 ق م وتلميذه كلينتوس ( ت 232 ق م)
ان الله هو القوة الخالقة للعالم والوجود، اللوغوس يحمل في ذاته بذور القوة العاقلة للموجودات، والله ايضا هو النار الذي تعطي الشكل وعلى اللوغوس الذي يبني النظام. اذن الكون لديهم هو جوهر حي لانه فيه الحياة والفكر ولذلك فيه روح الهية.

بصورة مختصرة  الرواقية هي فلسفة مادية ملتزمة مقولة بارمندس وحدة الوجود، لا يفرقون بين العالم والله التي اصبحت فيما منبع لبدعة الغنوصية الحلولية، يؤمنون القدر المحتوم الذي يناقض العقل والضمير الانساني  ولهم الكثير مبادئهم الاخلاقية  النبيلة المعقدة المبنية على المسيرة الغائية( العناية الالهية)  والسببية (القدرية) لذلك الانسان مسير من العالم الخارجي وليس مخير. فقط الارداة الداخلية والسيطرة على النفس وترويضها وسيلة الوحيدة لتغير هذا القدر المحتوم، لذلك يقول  سينيكا احد مفكريهم : ( ان من يتمتع بالارادة هو الذي يقود القدر، ومن لا يتمتع بالارادة سحقه القدر)



فلسفة الفيتاغورسية الحديثة
هي فلسفة انتخابية من الفلسفات القديمة بالاخص فلسفة افلاطون وارسطالية والرواقية والديانات الشرقية المسيحية و اليهودية والمانوية والزرداشتية وديانات المصرية القديمة مل (الهرمسية). حاولت هذه المدرسة انتخاب الاراء المتقاربة المتوافقة معا من هذه الديانات والفلسفات لاجراء تجديد على الفلسفة الفيتاغورية القديمة.
من اهم ارائهم ان الله عال عن العالم والكون ولكنه كامن فيه. وامنوا بوجود النفس التي تكلم عنها افلاطون. بين الارض والسماء حسب رأئيهم محتشدة بأرواح خفية، يمكن عن طريقها التنبوء بالمستقبل ومن ثم تجنب الخطر والكوارث.
خلود النفس كانت اهم فكرة جديدة لهم ، طهارة الروح امر ضروري من الشوائب التخلص من السيئات وكثرة الحسنات طريق لدخول الروح الى عالم الخلود. فوجود النفس في هذا العالم هو عملية تهئيتها لدخول عالم الخلود بعد ان تخلصت عن كل ما يعيقها للوصول اليه
ايضا هناك الكثير من افكار المشابهة لديانات الهندية القديمة مثل نظرية الكرما (   ) .

  


فلسفة افلاطونية الحديثة
جُددت افكار افلاطون (427-347 ق م) على يد الفيلسوف افلوطين (205-279 م)  الذي درس على يد امونيوس ساكاس في مدرسة الاسكندرية . حاول هذا الفيلسوف دمج افكار الديانة المسيحية مع الفلسفة الافلاطونية والارسطوطية والرواقية معا لاخراج فكر فلسفي جديد باسمه (الافلاطونية الحديثة).


اركان هذه الفلسفة هي ثلاثة اقانيم، لكن لكل من هذه الاقانيم خصوصيته، الاله الواحد او اله الاول الذي هو ساكن، ومنه يصدر العقل الكلي او اللوغوس الذي يحتوي على مُثل الاشياء لفلسفى افلاطون ومن العقل الكلي تصدرالنفس الكلي ومنها تخرج النفوس الجزئية بشكل هيولي .

اولا الله الواحد:-
كان افلاطون هواول من اشار الى الاله الواحد ( الباب السادس من جمهوريته)، ثم جاء بعده ارسطو ليقول انه المحرك الاول الذي لا يتحرك. افلوطين حاول رفع مكانة الله الى مرتبة اعلى في سموه  من اله في مثل افلاطون والعقل ارسطوي، ووصف بارمنداس الشعري انه غير قابل للوصف والتعريف.
اهم صفات الله عن افوطين هي الطبيعة الواحدة، يضعه في قمة الموجودات فتارة يصفه بالله الخير (افلاطون) تارة اخرى بالاب ( مفهوم مسيحي)، سلط افلوطين نظره على المميزات الرئيسية  لهذا الاله هي انه غير متناهي مقابل المتناهي الموجود في العالم او المحدود، الاصل الواحد مقابل الكثرة المتميزة في هذا العالم، العقل المدبر والمعقولات.
افلوطين حاول ابعاد تدخل الله في هذا العالم كي لا تخل عن وحدانيته وسموه وكماله. لذلك لا يصفه بالعقل الاول بل ان العقل الاول صادر منه مثلما يصدر من الشمع النور. ولا يمكن اعطائه وصف لان الوصف درجات. انه الحاضر والماضي والمستقبل .


ثانيا العقل او اللوغوس:-
هوالاقنوم الثاني في الثالوث الذي وضعه افوطين. الاله الواحد الغارق في وحدته لايمكن ان يستمر في هذه الحالة دون انبعاث الخير منه ، يتم ابعاث او صدور العقل او اللوغوس الذي هو مبدئه الثاني دون حدوث اي نقص او تغير فيه. لكن العقل هو اقل كمالا من الله ،فالعقل هو صورة الواحد ( كما وصف ارسطو العلاقة بين الصور والمادة ليعطي الشيء هويته في الوجود) وهكذا سيكون النفس الكلية صورة للعقل الكلي. فكل شيء ادنى هو صور للذي اعلى من مستواه والذي هو علة وجوده.
العقل لدى افلوطين مرتبة من مراتب الروحية في ارتقاء الروح الى القمة الاخيرة اي الاتحاد مع الله ، لذلك يحتوي على مثل افلاطون ، وصور ارسطو، واله الرواقيين (العقل المسير العالم بالقدرية)
هذا النور او العقل هو الدليل الوحيد لوجوده ، لخيره وكرمه.

ثالثا النفس الكلية:-
النفس هي جوهر الهي عن طريق حمله لصور المعقولات التي بدورها  صورة لاله الواحد. النفس هي نقطة الاتصال بين عالم المثل والمعقولات وعالم الحقيقي الواقعي الذي نعيشه في هذا العالم.
افلوطين يؤمن بأن النفس هبطت من عالم المعقولات الى عالم الابدان (عالمنا الواقعي)  (على غرار فكرة افلاطون ) واصبحت قابلة للانقسام وغير الانقسام، ولهذا احتفظت بصلتها مع عالم المعقولات .
اما لماذا ترغب النفس بالعودة الى اصلها؟
فجواب ذلك السؤال يفسر مبني على ميكانيكة العمل بين الاقانيم الثلاثة والعالم المحسوس.
لان العقل الكلي هو صورة الواحد ، وهو كلمته (لاحظ التشبيه مع عبارة  يوحنا الانجيلي) ، فان العقل الكلي يتجه الى الواحد و يتأمله ويعشق للاتحاد به ومن هذه العلاقة تصدر مولود جديد هي النفس الكلية ، وهذه الاخيرة هي  كلمة العقل وفعلها.
اذا حسب هذه الترتيب يصبح كل مولود يشتاق الى الكيان الذي خلق منه ،لان يحبه او يعشق اليه من اجل اكمال ذاته او يعود للاتحاد به، لكن نتيجة هذا العشق يولد الوالد مولادات  جديدة اقل منه سموا وهي الانفس الجزئية.

النفس تكون العالم وتعطيه الوجود، تستمد النفس صفتها غير القابلة للانقسام من العقل التي تصدرها، لكن لابد للنفس ان تتحد بالبدن فمن هنا تستمد حالة اقسامها وحلولها في عددة ابدان (اجسام). بهذا تكون لها  الصفتين المتعارضتين الانقسام وغير الانقسام.
 فيقول افلوطين : ( ان النفس منقسمة لانها تحل في كل جزء من اجزاء البدن الذي توجد فيه، وغير منقسمة لانها توجد بأكملها في جميع الاجزاء، وفي نفس الوقت كل جزء معين من ذلك البدن.