الاخلال بالتماسك الوطني جريمة
دكتور علي الخالدي
المعروف ان الفراغات اذا تكونت بين الاشياء سواء في الطبيعة او في المحتمع وحتى في السياسة تُكَون كوارث مريعة وهناك دلائل تكونت في الماضي والحاضر وستكون في المستقبل , وقد اشرت في مقالة سابقة الى خطورة هذه الفراغات على صعيد الطبيعة والمجتمعات والسياسة , .
فالفراغات السياسية بين السلطة والشعب والتي اتصفت بها الانظمة الشمولية كانت وراء إندثارالعديد منها في العالم , وحاليا اعدادا اخرى تحتضر بتاثير انتفاضات الشعوب , حيث اتسعت الفجوة بين هذه الانظمة وشعوبها نتيجة السياسة التعسفية والقمعية التي أذلت شعوبها وحرمتهم من التمتع بمقومات الحياة , لحساب فئات قريبة من السلطة أو لصالح من استندت عليها في تحقيق خطها السياسي القمعي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي , و هذه الانظمة الشمولية بالتماسك المجتمعي ارغمت على الانهزام . ومن صفات الانظمة الشمولية المعاشة , انها تحاول الالتفاف على دستور بلادها مستغلة اجهزتها البوليسية , ومن هنا تتوسيع الفراغات وتبتعد السلطة اكثر فاكثر عن الشعب ويصبح الحكم في واد والشعب في واد آخر , وما يخيفنا نحن العراقيين من ان بوادر ذلك بدأت تطفو على الساحة العراقية . فمبداء المحاصصة كون ازمة حكم , استعصت على الوطنيين الوقوف على معالجتها , مما ادى الى ان تعجز العملية السياسية من مواصلة مسيرتها نحو تحقيق الاهداف التى اكدها الدستور وبصورة خاصة تجاوز الارث التخريبي للنظام الدكتاتوري وانهاء معانات الشعب منه سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي , فقد غَيَبت سياسة المحاصصة الرؤية الاستراتيجية لتقديم الخدمات الى الشعب وكونت ارضية ملائمة لنمو الرشوة والفساد, وعجز واضح للتصدي للتجاذبات بين الكتل التي يبدو انها وصلت الى طريق مسدود , ما يهدد بتفكك وبالتالي فقدان التماسك الوطني الذي تولد بعد التغيير
. وبينما يواصل منطق المحاصصة خلق مبررات عجز المسؤولين لايقاف عجلة التدهور الحاصل بين الكتل القائمة على النظام السياسي الحالي تاركين الشعب يعاني من هم اخر يضاف الى همومه التي لا تحصى دون امل من ايجاد ظروف مناسبة لتقديم ما من شانه رفع معاناته اليومية التي يأن من ثقلها . ومما ساعد على تواصل هذا العجز هو صعود أناس الى مواقع المسؤولية بغفلة منه , تكون بفعل قانون انتخابات جائر لم تعالج قنابله الموقوته ومواده ذات التفسير المتعدد النوايا ليومنا هذا , كما أن فقدان البلاد الى قانون احزاب ديمقراطي وتشكيل مفوضية انتخابات على اساس المحاصصة كانت وراء تمهيد الطريق امام وضع الشخص غير المناسب في ادارات قيادية تتطلب خبرة وامكانيات ثقافية وعلمية جرى بتعمد إهمالها (وما أكثر , من تتوفر بهم هذه الصفات في عراقنا ) , مما خلق معوقات امام تطورالعملية السياسية , وقد يؤدي الى انتكاسها . ويبدو ليس هناك في الافق جدية طرح معالجات جدية وبالطرق السلمية , لحل ازمة الحكم , وللتصدي لعواقب ما ستؤول اليه الامور يبقى خيار اجراء انتخابات مبكرة , وفق قانون انتخابي جديد , يساهم في اعداده كل القوى التي حاربت الدكتاتورية , تشرف عليها مفوضية انتخابات مهيكلة بشكل يكفل تمثيلا عادلا لقوى شعبنا الوطنية وبالطرق الديمقراطية التي يكفلها الدستورالجديد ليحتل ممثلي مكونات شعبنا مواقعهم في البرلمان الجديد , الحل المناسب لما الت اليه الامور , يبعدنا عن كارثة لا تحمد عقباها ويسد الطريق امام من يفضل القوة والانقلابات لايقاف التدهور ومعالجة الوضع بدون كوارث . ومما يشجع اللجوء الى استعمال القوة لحسم الخلافات هو ظهور ميليشيات الاحزاب في الشارع العراقي وحالة الشحن وعدم الاطمئنان الى المستقبل الذي يساور افكار بعض العناصر السياسية المتنفذة , وفرض قبول الغاء الطرف الاخر سياسيا واجتماعيا . فما نقلته الفضائيات من ساحة التحرير يؤكد حقيقة اتساع الفراغ الذي حدث بين السلطة والشعب بفعل تطيرها من الاسلوب الذي ضمنه الدستور للمتظاهرين بطرح مطاليبهم الملحة في أيام الجمع بالرغم من عدالتها , وكونها غير مستحيلة التحقيق , واثيرت بطريقة حضارية وسلمية ,ولم تتعدى سقف المعقول , ومع هذا أثارت حفيضة المنتفعين من التغيير فكشروا عن انيابهم, في محاولة لكسر شوكة النضال المطلبي الذي وحد الشباب في ساحة التحرير , هذا النضال الذي اكدت الوقائع واللافتات المرفوعة إبتعاده عن ما يقربه من الابعاد السياسة والطائفية والمحاصصة مركزين على الناحية الاجتماعية والاقتصادية والادارية .
لقد ركز الشباب على معانات شعبهم الموروثة وما اضيف اليها خلال الثماني سنوات المنصرمة .
إلا ان هذا النوع من النضال السلمي لم يرق للبعض من المتنفذين في السلطة . فزجوا بعناصر بلطجية ,رافعين شعارات يغلب عليها الجانب الطائفي , مستغلين التعاطف الشعبي مع قضية الدجيل والذي ايده الشباب ونادوا به , الا ان بعض من افتقر الى الحس الوطني حاصر الشباب ونهارو ا عليهم ضربا مستعملين السلاح الابيض مما اوقع اصابات , البعض منها بليغة امام انظار قوى الامن والجيش والشرطة , في جو ساده صمت مطبق من قبل المسؤولين تجاه هذا الخرق الصارخ لمواد دستورنا , ولحقوق الانسان.
فالشعارات التي رفعها الشباب دلت غلى شعور عالي بالمسؤولية تجاه العملية السياسية والوطن كما دلت على نضجهم ووتنامي حسهم الوطني . فكل ما نادت به حناجرهم هو الحاجة الى تعزيز الروح الوطنية , والدعوة لنظام اجتماعي يحميهم من عواقب الامور ,مؤكدين على ضرورة تحسين الخدمات وايجاد فرص عمل واشاعة ديمقراطية حقيقية التي بدونها تبقى العملية السياسية قشرة ممكن فضها عن جسم سياسة النظام باي وقت يريده المعادين لعملية تطويرها . لذا فأصحاب القرار مدعوين اكثر من اي وقت مضى الي تطبيق تصريحاتهم التي تقف بجانب الشعب الى الواقع العملي وباقصر وقت مكن تلافيا لاتساع الفراغ بينهم وبين الشعب , ومحاسبة المتورطين باثارة مشاعر الحقد ولكراهية المتقوقعين في اجهزة الدولة , وعدم القاء تبعية ماجرى في ساحة التحرير على جماهير المتظاهرين . فابحثوا ايها المسؤولون عن من يخل بالوحدة الوطنية وتماسك المجتمع في اجهزة الدولة وبين صفوف مستشاريكم وليس في ساحة التحرير , كما انكم مطالبون امام الشعب والتاريخ من محاسبة كل من اجرم واستعمل السلاح الابيض من البلطجية ومن ورائهم . قالشباب لن يكل وسيواصل تظاهره في ساحة التحرير ,لانهم لن يتخلوا عن شعبهم ولن يبالوا بما حصدوه من نياشين في اجسامهم لتبقى دالة على وطنيتهم عقيدتا ونهجا , مدى الحياة .