كنيسة مار كوركيس
سعدي المالح
كنت أذهب إلى الكنيسة كل يوم لحضور القداس الصباحي، وأحيانا في المساء أيضا لحضور صلاة الرمش (العصر). فأدخل من باب خشبي بدرفتين كبيرتين تعلوه صورة للقديس مار كوركيس، شفيع القرية الذي شيدت الكنيسة على اسمه، ممتطيا صهوة جواد أبيض وهو يصوب رمحه نحو تنين ضخم في الأسفل. ينفتح هذا الباب على فناء طيني تتوزع فيه على غير انتظام قبور مبنية بالاسمنت. اتجه يمينا أسير على شريط من الأرض مرصوف بالحجارة والاسمنت نحو باب الرجال. وما أن ألج هذا الباب أنزل درجة أو درجتين على أرض من المرمر الأبيض حتى ألتفت إلى اليمين لأغمس رؤوس أصابع يدي اليمنى قليلا بـ"الماء المقدس" في طاسة مثبتة على الحائط، وأرسم على وجهي إشارة الصليب. ثم أتقدم إلى أمام فأنزع حذائي وأصعد درجة وأجلس في ذلك المكان المرتفع قليلا الذي يقع بين القسطرون والبيم حيث يجلس الأطفال عادة على أرضية مفروشة بسجادة نظيفة. ولم تكن الكراسي في ذلك الوقت متوفرة إلا في القسم المخصص للرجال، حتى النساء كن يجلسن على الأرض، وأحيانا تجلب بعض النساء المترددات إلى الكنيسة باستمرار معهن مطارح صغيرة لجلوسهن.
أنظر إلى أمام يواجهني تمثال للسيد المسيح وعلى الحيطان تماثيل وإيقونات وصور للقديسين بأحجام كبيرة، ومصابيح نفطية (لمبات ولوكسات) وثريات شموع ضخمة تحتوي على مئات الشموع تتدلى من السقف، وأخرى صغيرة تضم شموعا قليلة أمام بعض الإيقونات، والمكان كله قد امتلأ برائحة البخور والشموع تخيم عليه رهبة مهولة. وأكثر ما كان يعجبني من هذه الشموع رائحتها وهي تنطفئ وطريقة إطفائها من قبل الساعور العم سيدا الذي كان يرفع نحوها عصا طويلة ثبّتَ في رأسها قمعا مخروطيا، يضع هذا القمع للحظات فوق الشمعة المشتعلة لتنطفئ من تلقائها فينقله إلى شمعة مجاورة وهكذا، تنتشر رائحتها في أرجاء الكنيسة لتختلط بعبق البخور. وكنت أرى أيضا كيف يشعل هذه الشموع بمشعل مربوط برأس عصاه هذه، والمشعل كان عبارة عن "فندا" وهو شمع داكن رفيع كثير الخيوط مصنوع على شكل أُملود. (وفندا كلمة سريانية وتعني الغصن الصغير). يرفعه نحو الشموع فيشعلها شمعة شمعة. كنت أجلس مثل بقية الأطفال اسمع القداس وأصلي مردداً مرة تلو أخرى " أوون د بشميا نث قداش شماخ تئيثى ملكوثاخ...."(1) و" شلاما ألّخ مَريم مْليثا نَعْمى...." (2)، كلما دق الجرس أسجد مثل بقية الأطفال أو أقوم واقفا. وأحيانا في مرحلة ما من القداس يحجب عنا المذبح بستارة ضخمة حمراء قانية بواسطة حبل يجره أحد الشمامسة فنسمع أصوات القس والشمامسة من ورائه مرتلين فترة إلى أن تفتح بعد حين بحبل آخر. كان نظام الفتح والإسدال الميكانيكي/ اليدوي المشترك هذا يثير فضولي لمعرفة كيف يتم ذلك، واستغرب أيضا لماذا يجري ذلك، وأنا لم أكن أعرف أن هذا التقليد الذي أُلغي اليوم من الكنائس الكلدانية كان شائعا لمئات السنين في كنيسة المشرق. كان بهو الكنيسة مقسما إلى ثلاثة أقسام؛ في الوسط مذبح رئيس تعلوه قبة كبيرة وفي اليمين واليسار مذبحين صغيرين تعلوهما قبتان صغيرتان. ويستند السقف على ثمانية أعمدة اسطوانية قديمة ضخمة مزروعة بانتظام في وسط الكنيسة، فكنت لا أتردد من عدها بين فترة وأخرى وكأني كنت أخاف أن تختفي ذات يوم؛ صفان متساويان من الأعمدة كل منهما تصطف فيه ستة أعمدة متوازية.
بين فترة وأخرى كنت أقف في الدور أمام منبر الاعتراف الكائن في الطرف الشمالي من بهو الكنيسة، بين المكانين المخصصين للنساء والرجال تقريبا. وكان عبارة عن كابينة خشبية صغيرة من دون باب تكفي لجلوس شخص واحد، وقد فُتِح شباكان على يمينها ويسارها وغطّيَ كل شباك بما يشبه المشربية الخشبية. أرى من مكاني العجائز يرددن صلواتهن بصوت مسموع تقريبا ويضربن بأيديهن التي تتدلى منها المسبحات على صدورهن. كنت أفكر مع نفسي ماذا عملن هؤلاء النسوة لكي يتضرعن هكذا إلى الرب ليغفر ذنوبهن! أقف في الدور وأنا أُعد مع نفسي خطاياي التي سأعترف بها للقس: حلفت بالله ثلاث مرات.. كذبت على أبي مرة... لم أنفذ طلبا لأمي قبل أيام...شتمت زميلا لي في المدرسة عندما ضربني. أفكر، ماذا بعد؟ لم أسرق، لم أعتد على أحد، هذا كل شيء. لكنه سيسألني: منذ متى لم تعترف؟ أعد الأيام والأسابيع، ثلاثة أو أربعة أسابيع. تقفز حكاية تلك المرأة التي يحكي عنها أهل عنكاوا عندما سألها القس عن آخر موعد اعترفت فيه. قالت: يا أبونا منذ ذلك اليوم الذي طبخنا فيه الكبة! أضحك مع نفسي. أمي لم تطبخ الكبة منذ زمان بعيد، كانت المرة الأخيرة عندما جاءنا ضيوف من بغداد، ليأت الضيوف كل يوم وأنا مستعد أن أعترف للقس يوميا دون أن أنسى موعد الاعتراف السابق! يأتي دوري، أتقدم نحو الشباك، أسجد على ركبتي، بالكاد يصل رأسي مقابل الشباك الذي يجلس القس وراءه داخل الكابينة على الكرسي. أتلو صلاة الاعتراف: آنا كمودن قم خا آلاها ، قامت مارت مريم ديلا دايم بثولتا، قامخ يا ستادي مولباني، سبب حطيلي كبيرا، خوشاوت لبي ، محكيثت كمي، خيارتت أيني، شماءت نثياثي، كناهي كبيريلي، حطيلي، حطيلي، حطيلي.....(3). ثم أتوجه للقس: باركني يا أبتي لأني أخطأت. يسألني القس: منذ متى لم تعترف؟ اتذكر حكاية الكبة، أخفي ضحكتي في داخلي وأقول: منذ ثلاثة أسابيع أو أربعة. يطلب مني أن أسرد له خطاياي. أبدأ بسردها مثلما كنت قد أعددتها في ذهني وأنا واقف في الدور. يرفع القس يده هامسا ببعض الصلوات دون أن اسمعها جيدا، ثم يقول لي: مور عوادت بشمنتا كامل (قل فعل الندامة). أقرأ له عن ظهر قلب: عوادت بشمنتا كامل، يا ماري ويا آلاهي ، بيد ديوت مارت طاوثا كامل .....(4) يقول لي القس: أذهبْ يا بني وصلِّ ثلاث مرات "أبانا الذي في السموات..." وثلاث مرات "السلام عليك يا مريم...". أذهبُ وأجلسُ مكاني حيث الأطفال أصلي الواجب، ثم بعض صلوات التناول والشكر إلى أن يحين موعد تناول القربان المقدس. لكن مشكلتي مع تناول القربان كانت أنه كلما وضع القس البرشان (خبز القربان) في فمي التصق بسقف حلقي وجعلني أعيش موقفا حرجا. أخجل أن أدخل أصبعي في فمي لتحريكه فأنكس رأسي وأظل أحرك لساني مرة تلو أخرى إلى أن يذوب فأبلعه.
ذات يوم أعدت إلى ذاكرة أحد أصدقائي ذلك كله، وما كنا نقوم به ونحن صغار وأبرياء، نعترف بخطايانا ونصلي للرب بورع من أجل أن يغفر لنا تلك الهفوات البسيطة، بينما في الكبر وبعد أن اقترفَ الكثير منا خطايا كبيرة وثقيلة تخلت الكنيسة في كثير من المناطق عن هذه العملية وتركت الشخص الخاطئ يعترف لنفسه، بينه وبين ربه. ضحك صديقي وقال: لماذا لا تقترح تبني طريقة الاعتراف هذه كواحدة من الحلول في عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي في العراق!؟ ليذهب كل مسؤول ظالم أو فاسد أو مرتش أو سارق ويعترف أمام ربه بما اقترف من ذنوب وخطايا في حياته، ليسمع ماذا سيكون رد فعل ضميره. وعدته أن أكتب عن هذا الاقتراح مع ثقتي بأن ضمائر هؤلاء قد تحجرت منذ زمن لا يفيدها أي اعتراف أو بالأحرى ليست مستعدة للاعتراف بخطاياها من تلقاء نفسها أللهم إلا إذا حوصرت بين جدران أربعة!
في أيام الجمع التي يقام فيها درب الصليب، وهي الجمع التي تقع خلال صوم الخمسين، كانت تشهد هذه الكنيسة مشاهد تصور الآلام التي تعرض لها السيد المسيح، فيجول موكب بمحاذاة جدران الكنيسة يتقدمه القسس والشمامسة وفي الأخير نحن الصغار حاملين الشموع في أيدينا. كنت دائما بين هؤلاء الصغار أحمل شمعتي أثناء مرورنا بأربع عشر صورة تمثل كل منها مرحلة من مراحل الآلام التي اجترحها السيد المسيح في درب الصليب الذي حمله إلى الجلجلة. يقف الموكب أمام كل صورة بعضا من الوقت فنردد نحن أمام كل صورة مقطعا من:" كليثاوا خي صلّابى... يمت كيوى حشى رابى.. دمئا مأينا بجرايا....." (5). كانت هذه العملية تطول نحو ساعة ونصف تجعلنا نحن الصغار نشعر بالملل والتعب، وأكثر ما كنت أخافه أثناء حملي للشمعة المشتعلة هو أن أغفى وأشعل رأس الصبي ذو الشعر الكثيف الذي أمامي أو أن أميل الشمعة جانبا ويسيل الشمع المائع على يدي ويحرقها.
وفي يوم الجمعة العظيمة آتي إلى الكنيسة فأراها متشحة بالسواد، كل الصور والتماثيل والإيقونات تكون مغطاة بقماش أسود حزنا على صلب السيد المسيح ووفاته، وتكون التراتيل في هذا اليوم هي الأخرى حزينة، مثل "نقوم شبير"(6) التي ترتل بلحنها الجنائزي الاحتفالي و"خيثت صليوا كبخيا .. مريم دمئى كمجريا..."(7) وغيرها، فتصدح أصوات الشمامسة مدوية في القاعة تدخل الأسى في القلوب، إلا أن هذه الأجواء الحزينة تنقلب إلى فرح في ليلة السبت على الأحد، سبت النور وليلة قيامة السيد المسيح إذ ينادي القس اثناء القداس "قام المسيح" يجيبه الشعب: "حقا قام" فترتفع أصوات النسوة بالهلاهل ويصفق الجميع من أماكنهم، حينئذ يبدأ العم سيدا الساعور برفع الأوشحة السود عن الإيقونات والصور والتماثيل فيرفع عصاه الطويلة تلك الذي ثبت في رأسها هذه المرة ما يشبه الكلاب ويرفع به القماش الأسود ويزيحه جانبا. فتشتعل الكنيسة بالأنوار والفرح والبهجة والتراتيل المفعمة غبطة وسرورا.
واحدة من أجمل ذكرياتي في هذه الكنيسة كان يوم غسل أرجل التلاميذ في خميس الفصح، العملية التي يقوم بها الكاهن تقليدا لقيام السيد المسيح بغسل أرجل تلاميذه. وكان في تلك الأيام عادة يتم اختيار 12 تلميذا من تلاميذ المدرسة لهذا التقليد. وفي تلك السنة وقع الاختيار علي فشاركت مع 11 تلميذا آخر بهذه الاحتفالية. وطبعا كان علي الذهاب عصر كل يوم إلى الكنيسة للتدريب على التفاصيل والصلوات الخاصة المطلوبة بالمناسبة. وأيضا كان علينا أن نكون نظيفين جدا وخاصة أقدامنا لأن الكاهن سوف يقبلها بعد الغسل مثلما فعل المسيح مع تلاميذه. ولأن موعد هذا التقليد يأتي مع الربيع فعادة ما تكون طرقات القرية كثيرة الأطيان والأوساخ بسبب الأمطار والمياه المتجمعة فيها. فكلما دخلت البيت ورأتني أمي متسخا وبختني وقالت: كيف سيقبل القس رجلك وأنت بهذه الوساخة؟ اذهب واغسلهما فورا. كانت تنتهز الفرصة لإرغامي على دخول الحمام. وأنا خوفا من أن لا يحدث أمر لا تحمد عقباه قبل يوم غسل الأرجل أدخل الحمام وأغسل رجلي جيدا على نحو ترضى به أمي. ولو كنت عددت المرات التي غسلت فيها رجلي في تلك الأيام لازدادت على جميع المرات التي غسلتهما فيها منذ ولادتي! لكن حفلة الغسل الكبرى كانت في الساعات القليلة قبل الاحتفال إذ أمسكتني والدتي وأدخلتني الحمام فغسلتني بالليفة والصابون ثم حكت رجلي بـ"حكاكة" من حجر البازلت الأسود حتى جلختهما، وبعد أن ألبستني ثوبي الأبيض الخاص بالمناسبة شمّتني جيدا، وبعد أن ارتاحت لرائحتي قالت: الآن رائحتك طيبة، اذهب سآتي لأراك في الكنيسة.
كانت كنيسة مار كوركيس هذه ذات هيبة وسطوة رهيبة من الداخل مثلما كانت من الخارج؛ بناء أثري ضخم مشيد على نمط الكنائس المشرقية آنذاك، محاط بسور عال، ذي باب خشبي كبير مرصع بمسامير ضخمة. وكنت في طفولتي شاهدا على تغيير هذا الباب التاريخي وتبديله بباب حديد لا صلة له بتراث الكنيسة. بينما كان بناء الكنيسة الأساس لا يزال يحمل الكثير من طابعه القديم. قبة كبيرة رئيسة يعلوها صليب وعلى يمينها وشمالها قبتان صغيرتان، وفي زاوية المبنى برجا عاليا يُرى من بعيد ، يتدلى من أعلاه ناقوس كبير يطل على تل قصرا الدائري الذي تتوزع عليه أكثرية قبور موتى القرية.
ما أن تدخل من الباب الخشبي الكبير لفناء الكنيسة إلا وتواجهك في الإيوان أقواس كبيرة من المرمر تستند على أعمدة اسطوانية ضخمة ذات طراز روماني، ترى من خلالها بابين الأول على اليمين لدخول الرجال والثاني في الوسط لدخول النساء. بينما تتناثر مجموعة من القبور في الطرف الأيسر من الفناء الفسيح أمام باب داخلي آخر على اليمين يؤدي إلى صالة مار يوحنان المخصصة لإجراء مراسيم العماد حيث جرن العماد الحجري، وكانت تستخدم أيضا لتكليل العروسين بحضور الأهل والأقارب وسط زغاريد وهلاهل، بينما يقوم أصدقاء العريس بوخزه بالإبر في مؤخرته أحيانا على جري العادة فيجفل المسكين دون أن يتمكن من أن ينبس ببنت شفة. ويرى الداخل في فناء الكنيسة على يمينه مباشرة مبنى حجريا قديما، يبدو من الوهلة الأولى أقدم من بناء الكنيسة نفسه. في أسفل هذا البناء قبو، مقفل دائما يسمى بيت الشهداء لاحتوائه على ذخائر الشهداء، وهي بقايا دماء متيبسة وعظام لشهداء من المنطقة في عصور غابرة، وكان يستعمله الساعور أيضا لحفظ الخمر المستعمل في القداس الذي يرمز إلى دم المسيح. تعلو هذا القبو غرفتان على اليمين وعلى اليسار تصعد إليهما بدرج حجري قديم مخصصتان للقُسُس والأعمال الإدارية، وفي هاتين الغرفتين كانت تحفظ بعض الكتب والمخطوطات ودفاتر تسجيل العمادات والزواج والوفيات وربما بعض الأحداث التي عصفت بالقرية. وثمة باب من هناك يخرج إلى باحة خلفية للكنيسة تصطف فيها قبور عديدة على بعضها شواهد حجرية أو إسمنتية. وفي الباحة الصغيرة لهذا البناء الحجري القديم كان ثمة لوحة للإعلانات فيها مواعيد القداديس وإعلانات رعوية مختلفة. وفي تلك الباحة كان يجتمع الشباب الذين يأتون قبل موعد القداس بفترة ويستغلونها فرصة لرؤية حبيباتهم اللواتي كن يمرن بصحن الكنيسة إلى مدخل النساء منذ الصباح الباكر. كانت الفتيات الصغيرات من طالبات المدارس والشابات المتمدنات يرتدين ملابس محتشمة لكنها أنيقة ومهندمة ويضعن على رؤوسهن مناديل"ايشاربات" رقيقة، بينما كانت النساء الطاعنات في السن يضعن إزارا على رؤوسهن، أما بقية النساء فيلبسن العباءات السود مثلما تلبسها النساء المسلمات. وكانت أمي تلبس مثلها مثل أترابها عباءة سوداء كلما ذهبت إلى الكنيسة أو إلى أربيل احتشاما، أما لماذا أربيل فلأن الأربيليات كن لا يخرجن من دون ارتداء العباءات فلا يجوز للعنكاويات أن يظهرن في أربيل سافرات. بينما يتجولن في القرية بملابسهن التقليدية دون عباءة.
في الصيف كانت صلاة الرمش تقام في فناء الكنيسة، في "بيث صلوثا"، فتخرج مساند الكتب وبعض الإيقونات ويقف الشمامسة صفين متقابلين يتقدمهما القسُس، أحد الصفين يرتل والآخر يرد عليه من خلال كتب ضخمة يحملونها بين أيديهم. كنت أصغي إليهم دون أن افهم شيئا مما يقولون مثلما لم أكن أفهم الكثير مما أسمعه في القداس أو معنى الصلوات التي كنت أحفظها عن ظهر قلب وأتلوها مع نفسي كل يوم مرات ومرات. فهمت بعد سنوات أن معظم الصلوات كانت بالسريانية الفصيحة التي كان الناس العاديين ونحن الأطفال لا نعرفها لأننا نتكلم السورث وهي مزيج من الآرامية (السريانية) والأكدية التي أفسدتها مؤخرا الكثير من المفردات العربية والتركية والفارسية والكوردية. وإلى السورث كان ترجم سابقا عدد قليل من الصلوات التي تعد مفهومة من الجميع. الكنيسة ليست متهمة في هذه القضية التي تختلف عن تفضيل الكنيسة في أوربا للغة اللاتينية وإهمالها اللغات المحلية في العصور الوسطى، إنما الظروف السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية التي مر بها هذا الشعب وعاشها من دون سلطة ومظلة سياسية ولغوية هي السبب، فطرأت خلالها تغيرات كبرى على اللغة التي يتكلم بها! إنها مشكلة لغوية وحضارية لا نواجهها نحن فحسب، بل الكثير من الشعوب. ذات مرة عدت إلى روسيا بعد غياب سنوات طويلة فرأيت واحدة من زميلاتي قد تحولت من كنيستها الروسية الأرثوذكسية إلى إحدى الكنائس الإنجيلية، فسألتها عن السبب، قالت: السبب الرئيسي هو اللغة، وأضافت: أنت تعرف إنني لم أكن مؤمنة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عدت إلى الإيمان ورحت أتردد على الكنيسة. لكني فوجئت أن الصلوات هناك لا تجري بالروسية المعاصرة، وإنما باللغة السلافية القديمة!! تصور لم أكن أفهم شيئا، فحكيت ذلك لإحدى صديقاتي قالت لي تعالي إلى كنيستنا فالصلوات تجري فيها بالروسية المعاصرة! .... والمسلمون غير العرب يواجهون هذه المشكلة على نحو أسوأ. وقد لمست ذلك بنفسي شخصيا عندما كنت لبضع سنوات في اوزبكستان بآسيا الوسطى، إذ كلما التقيت مسلما مؤمنا وعرف إنني من بلد عربي توسل إلي أن أترجم له ما كان يحفظ من آيات قرآنية أو أدعية والتي عادة كان يتهجاها على نحو خاطئ لعدم معرفته للغة العربية. هؤلاء أيضا مثلهم مثل الكثير من الشعوب يرددون صلوات لا يعرفون معناها، ومع ذلك يقتنع الجميع أن هذه الصلوات ستدخله الجنة! لكن هذه مسألة أخرى لها علاقة بالإيمان.
ويعود تاريخ كنيسة مار كيوركيس بتقديري إلى نهاية القرن الرابع أو الخامس الميلادي، لأننا نعرف من التقليد ومن الوثائق أن المسيحية انتشرت في حدياب التي هي أربل والمناطق المحيطة بها منذ العصور الميلادية الأولى. وأيضا لأن الكتابات المنقوشة على الحجر باللغة السريانية التي عثر عليها في هذه الكنيسة في 1929 وفي 1995 حول تاريخ تجديدها ووفاة أحد القسس فيها تدل على أنها كانت موجودة قبل القرن التاسع الميلادي، إذ تشير إحدى الكتابات إلى أن هذه الكنيسة جددت في عام 816م وأخرى إلى وفاة قس من هذه الكنيسة في عام 917 م. ونظرا لمعمار الكنيسة القديم المطعم بالهندسة الرومانية يعتقد أنها تعود لقرون كثيرة قبل القرن التاسع وتحديدا قبل انشقاق النساطرة عن الكنيسة الأم في نهاية القرن الرابع الميلادي. وقد يكون هناك مبنى أقدم تحتها أو تحت القبو المهدم يكون هو المبنى الأول لها. لا أحد يعرف للآن إذ لم يجر أي تنقيب لآثارها أو أية دراسة علمية لتاريخها.
بصراحة لقد صدمت عندما رأيت هذه الكنيسة الأثرية المهمة بعد عودتي إلى القرية قد خضعت لعملية تجديد وتعمير غير مستندة على أسس علمية، ودون أي اعتبار لتاريخها ومعمارها القديم أو لكونها الشاهد الأثري الوحيد الحي على المسيحية في منطقة حدياب. فقد تغير سورها التاريخي وبوابتها وسويت القبور بالأرض وبالسمنت في باحتها الأمامية وساحتها الشرقية، وكسيت أرضيتها المرمر بالكاشي، وشوهت الأعمدة بتلبيسها بحجر حلان جديد حتى ثلثها، وهدم الجزء الحجري المتضمن القبو وغرف القسس بينما ترك الهيكل الأساس للكنيسة على ما هو عليه. أعتقد أن إعادة بعض مما كانت عليه الكنيسة في السابق مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروفها العمرانية هي مهمة دينية ووطنية في الوقت نفسه.
في هذه الكنيسة قضيت ردحا من طفولتي مثل الكثيرين من أطفال البلدة. تعلمت وأنا في السابعة أو الثامنة ألأوليات البسيطة لخدمة القداس؛ دق الجرس الصغير في موعده أثناء السجدات الثلاث خلال القداس. وتقديم بعض الخمر والماء للقس أثناء تحضيره للذبيحة الإلهية، والإضاءة للقس بشمعة أثناء قراءته للإنجيل، وأحيانا بعد أن كبرت قراءة رسالة من رسائل بولس الرسول عندما أكون قد حفظتها جيدا أو أتلو بعض التراتيل أو الصلوات عندما يسمح لي الشماس.
عندما كنت أدق الجرس الصغير ويسجد الناس على ركبهم أو ينهضوا واقفين من كراسيهم أشعر وكأنني احمل عصا سحرية بيدي بدلا من الجرس متى ما أريد اجعل الناس ينهضون أو يجلسون أو يركعون!
ومن المهام الممتعة التي كنت أؤديها في هذه الكنيسة توزيع السلام للمصلين عندما يحين موعده قبل الإقدام على المشاركة في ذبيحة القداس. فما أن يقول الكاهن " شلاما عمخون"(7) ويرد عليه الشماس " عماخ وعم روحاخ.. أحاي هَوْ شلاما حَذ لحَذْ بحُبِّهْ دَمْشيحا"(8) إلا وأتقدم مع زميل آخر لي نحو القس واستلم منه السلام بمصافحة بكلتا اليدين لأذهب بسرعة وأصافح بالطريقة نفسها بعض المصلين ثم ليصافحوا بعضهم بعضا، وهي علامة على المحبة الأخوية التي يجب أن تسود بين المؤمنين.
وكنت في الصيف أذهب مع أقراني من التلاميذ إلى صالة مار يوحنان الكبيرة لتعلم اللغة السريانية وتعاليم الدين المسيحي على يد الشماس عبد الأحد روفو وهو يحمل بيده عصا طويلة. ومع تلك الدروس اكتشفت الازدواجية اللغوية التي عشتها أنا وأترابي. تصوروا أننا كنا نتحدث في البيت والمحلة والقرية بالسريانية المحكية ( السورث) وما أن نذهب مع أهالينا إلى أربيل نجد أن الحديث انقلب إلى الكوردية، بينما في المدرسة ندرس كل الدروس باللغة العربية!! منذ ذلك الوقت أصبحت وزملائي نواجه هذه المعضلة اللغوية ولم نتمكن من حلها للآن، بسبب الظروف السياسية التي مر بها العراق. فالغالبية لم تتمكن من تعلم لغتها، ولا من امتلاك ناصية العربية أو الكوردية على نحو جيد جدا، ولم يفلت من هذه القاعدة حتى من يعدون أنفسهم صحفيين أو أدباء أو شعراء اللهم إلا بعض المختصين منهم.
وفي الفرصة أو قبل الدرس أمر بشواهد قبور رجال الدين في باحة الكنيسة أو اللوحات الرخامية المزروعة هنا وهناك، كنت أحاول تهجئة ما تعلمته من لغتنا الأم السريانية، مختصرات عن حياة بعض القديسين والمطارنة والقسس والموتى الآخرين ولا أفلح في فك تلك الرموز جيدا، لكني كنت أقف بخشوع أمام عظمة هؤلاء وأعمالهم، وبراعة أولئك الكتبة الذين نقشوا تلك الخطوط المبهمة على ألواح المرمر والحجارة، ولا أفهم منها إلا القليل. لقد تعلمت شخصيا الكثير في هذه الكنيسة التي كان لها دورها في التعليم والتهذيب الأخلاقي وضمت على مر التاريخ مدارس عديدة بعضها عُدّت مدارس رسمية وذكرت في المصادر التاريخية.
في مرحلة من مراحل مراهقتي شعرت بالملل من الذهاب الكنيسة وصرت أتقاعس عن النهوض باكرا والتوجه لسماع القداس صباحا، فكنت كلما تأخرت في الاستيقاظ كان يقف والدي على رأسي وبيده عصا يقول لي: تنهض أم أشبعك ضربا بهذه العصا. أقول له اتركني أنام لم أشبع نوما. فيحلف إن لم انهض بعد عده إلى ثلاثة سيهوي بالعصا على رأسي. كنت أضطر للنهوض وترك الفراش الدافئ في ذلك الصباح والذهاب إلى الكنيسة.
لكن دهشتي الكبيرة كانت كلما نظرت إلى الناقوس الضخم المعلق داخل البرج العالي، فأتعجب من الساعور كيف يستطيع ضرب هذا الناقوس العالي من داخل غرفة صغيرة في الكنيسة لأني لم أكن أعرف أن الناقوس مربوط بحبلين طويلين إلى غرفة تحتانية. لكن صوت هذا الناقوس كان يلهمني، ويشجعني للذهاب إلى الكنيسة.
ما تزال رائحة البخور والشموع وأصوات الشمامسة العذبة التي كانت تؤدي مقامات دينية بألحان مؤثرة، والتراتيل الجماعية في هذه الكنيسة، تدوخني وتجعلني أعيش لحظات روحية ملؤها رهبة وخشوع. ومن الألحان التي لا أنساها أبدا وأطرب لها على نحو خاص "نقوم شبير" عندما تتلى بلحنها الاحتفالي و"أمر لي عيتا أيكا" في المناسبات الخاصة. ومن الشباب في ذلك الوقت الذين كنت أعجب بأدائه في الصلوات فريد بويا شابا الذي كان يكبرني بسنتين أو ثلاث كنت أراه حاملا كتابا كبيرا مكتوبا بحروف سريانية سوداء مع بعض الحروف الحمراء في أماكن من الصفحة فيرفع صوته بالترتيل من بيننا وكأنه شماس قدير، كنت أغبطه على معرفته القراءة بالسريانية وإمكانيته في الترتيل لكني لم أكن أجرؤ على الاقتداء به لضعفي في كلا المهمتين.
هذه الكنيسة تواجه اليوم وقتا عصيبا إذ بدأت الجهات المعنية بإعادة تعميرها، وأتمنى أن لا يتم ذلك من جديد على حساب معمارها وآثارها وهندستها وقيمتها التاريخية، فهي، فضلا عن دورها الديني والأخلاقي في القرية، مخزن ذكرياتنا وصرحنا الثقافي الأول.
وإذا ضاعت التمنيات لا يبقى أمامنا إلا أن نرفع الدعاء للقديس مار كوركيس أن يشفع لكنيسته.
حزيران 2011 عنكاوا- أربيل
_____________
(1) أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك....
(2) السلام عليك يا مريم الممتلئة نعمة الرب...
(3) أنا أعترف لله الواحد، القادر على كل شيء، ولسيدتي مارت مريم، ولك يا أبانا، لأني أخطأت كثيرا، بالفكر، وبالقول، وبالنظر، وبالسمع ، أخطأت ويكفيني هذا لمحبة الله . أقبل الموت على نفسي ولا الخطيئة المميتة، خطيئتي، خطيئتي، خطيئتي عظيمة جدا آمين.
(4) يا إلهي، يا ينبوع العدل والرحمة، ها إنني أنا الخاطئ، منطرح أمامك، معترف بخطاياي التي بها أهنتك واحتقرتك، اغفر لي يا إلهي اغفر لي، خطاياي الكثيرة العظيمة، ها إنني نادم عليها من كل قلبي، وأنوي نية ثابتة. أن لا أرجع إليها أبدا. آمين.
(5) كانت واقفة تحت الصليب...أم المتاعب والأحزان الكبيرة... تنسكب الدموع من عينيها....
(6) تبكي مريم تحت الصليب وتسكب الدموع...
(7) السلام معكم.
(8) معك ومع روحك.. إخوتي تبادلوا السلام بحب المسيح.