الشاعر بولص آدم للزمان :
- على الشاعر العربي ان يتخلي عن احساسه الدوني تجاه النص الأجنبي. حاوره : مروان ياسين الدليميمابين السينما والشعر يمدُّ الشاعر بولص ادم خيطا من الاسئلة المعبأة باحلام نحيلة لها طعم طريق جبلي رشيق طالما اعتاد أن يصعد منه الى شجر الطفولة في قرية ديري التابعة لقضاء العمادية . . وحدها الظلال ظلت تحرسه من فداحة الحروب التي داست عليه . . وتلك الرؤى التي استيقظت من كثافة الصمت المكدّس فوق التفاصيل ظلت شاسعة ولم تستطع جدران من الصمت والفولاذ في سجن ابي غريب أن تكسرها عندما وجد نفسه فجأة ولمدة تزيد عن عامين مسوراً بها لالشيىء سوى انه ادار ظهره للحرب ! . . في مجموعته الشعرية الاولى "ضراوة الحياة اللامتوقعة " تصطخب الاسماء بالتراتيل والساعات بغبارالاساطير. . انه بولص ادم شاعر ومخرج سينمائي عراقي من مدينة الموصل يحمل الجنسية النمساوية ولم يزل يجري في شرايينه دم الاشوريين .
مغامرات لم تكتمل *مالذي تبحث عنه وانت الذي اخترت الخروج من الوطن قبل اكثر من خمسة عشر عاما، وماذا وجدت بعد هذه الرحلة ؟
- كنتيجة للحالات المؤذية المتكررة التي تربصت بحياتي في الوطن ، ظهرت علامات الأ نتحار البطئ .. كنت في أيامي العراقية الأخيرة اشبه بشبح يبحث عن وجهه في السراب ، اتذكر شفقتي الذاتية على حياتي التي لم يعد لها اي شكل واضح على مرآة الواقع المشلول ثقافيا والمجروح اثر انتهاك صارخ .. وبعد سنتين من العمل الأبداعي الشاق البديل مع خامات الحجر المتعددة وهي تجربة انتهت في ذروة نضجها نظرا لأرتباط ذلك مع حالة الحصار على العراق ، في الأشهر الأخيرة ارتفعت اسعار التقنية اللآزمة ومن ثم بدأت بالشحة والأختفاء ، تلك المغامرة كانت مفيدة جدا ، اثبت بنفسي على الأقل جدوى الجهد الجماعي وفق تفاهم انساني منضبط ومتفتح ، حلاوة النجاح حتى في اصعب الظروف.. تطلب ذلك الأنجاز استعدادا بدنيا وقدرة على الأبتكار والخلق .. تلك المغامرة كان بالأمكان استنساخها وتشكيل شركة سينمائية اهلية صادقة مثلا (نظريا وليس عمليا بسبب القمع الفكري ومصادرة حرية التعبير)
فرصة ثانية للحياة *كيف تصف حالة الرحيل عن العراق والاغتراب عنه . . . ؟
- الرحيل رغما عني كان محاولة لملاحقة الأ سباب والتأمل في الماضي بحرية ، استمرار نزيفي العقلي في ايامي تلك كان في اقصاه . ظلال مشهد المحطة من فيلم (الرجل الفيل ) وصرخته محاصرا من قبل الحشد ( انا رجل، انا انسان ولست حيوان ) اتذكر لحظات لقائنا الأ خير في صالون حلا قة شعبي ، تبادلنا جملا مختصرة كما هو الحوار السينمائي في مشهد ذروة، ثمة لحظات صمت لكأنها ابجدية عالم آخر، كان مشهدا انطباعيا بعفوية شعرية خامتها الوداع ، الرجل المتجهم برأسه المكعب تحت المقص المتنقل بين اصابع يدك، ظل يتلصص علينا بنظرات في غاية الظن وفي منتهى الجحيم .. لم يكن لي وجهة اكيدة وواضحة للجوء . في الساعة الأ خيرة من ذلك اليوم كنت في طريقي نحو الحدود ، مدمرا تماما ، احمل جثتي المفترضة الى مكان مجهول . في تلك الساعات الصعبة شعرت بأنني شخص يرتكب حماقة بمغادرته ، أجيب على سؤآلك بصراحتي ، نعم قرار الرحيل كان مخاضا صعبا وكان ثالث قرار من نوعه بعد محاولتين فاشلتين، عقب مرحلة سجن بين حربين . . ذلك الكائن الذي كنته بعد دراستي السينمائية كطاقة سينمائية للتوهج والبذل، اصطدم بالغول المجنزر الساحق يواجهه .. لكن غواية البحث عن السلام كانت اقوى من اي غواية اخرى، وهكذا وجدتني بعيدا عن العراق، اعتقد بأن النهايات المأساوية لكل البدايات الطيبة النوايا خلفت فقدان الثقة بالمصير نفسه، فكان الرحيل من اختارني بقوة غامضة انتزعتني بعيدا عن الأستلا ب والغربة داخل الوطن لتقدم لي غربة جديدة ذات سمات عالمية هذه المرة! الأنتقال الكامل من الجغرافيا الدكاتورية الى الديمقراطية كان مربكا وشديد التأثير ، الأكتشافات كانت صادمة .. وجدتني عريانا تماما ازاء الحرية الكاملة ! تعلمت بالتدريج كيفية التآلف كواقع مع نفسي كسيد في حياته ولمعنى وجوده .. كان صعبا علي تصديق ذلك وحصولي على فرصة ثانية في الحياة .. ان تكون في مكان لك فيه عمل وسكن وتعيش بسلام ، بيئة صالحة متسامحة عفوية ومكفولة مدنيا وقانونيا ، وان تكون الكتب والأفلام قريبة منك ، لاعذر لك كمبدع حينها .. عليك ان تنتج ما هو مؤجل ومايعاصرك . اليس كذلك ؟ كيف يكون عليه الحال ، عندما لايصدقني الموظف المسؤول عن توقيع قرار اللجوء عما اذا كنت مسجونا في (ابي غريب ) ام انني ادعي ذلك ؟! انتظروا لسنوات طويلة وُجمّدت حالتنا لسنوات حتى تم التأكد من ذلك عبر وثيقة مصدقة من لجنة الصليب الأحمر ، لولا تمرسنا في مواجهة اشد واشرس المواجهات مع الواقع هناك لما تصالحنا مع واقعنا هنا ايضا .
*كيف تنظر الى الحياة الان بعد ان عشت هذه المدة الطويلة في اوربا ؟
- موهوم هو من ينتظر حياة تتنقل على عربة محمية في طريق معبد بالسجاد التبريزي ، الحياة ذاتها لغز .. الم يضع كازنتزاكس رأيه على لسان زوربا حول الحياة كأشكالية كبرى ازاء سهولة الموت وحتى عبثيته .. حياتنا المعبأة بالخوف المزمن ، زالت غمامات سميكة هنا عند قراءتي بالألمانية لمقدمة في مصطلح الخوف ( كتاب سورين كيركغهارت ) .. بأسلوبه الساتيري والظريف تارة وبأختراقه الكانتي التجريدي لدهشة العرض عندما يقرأ علينا رواية مخاوفنا . لم يوفروا لك تلك الكتب ومنعوك من السفر والوقوف بمواجهة البحر لتلقي عليه تحية بريئة يجازيك عليها بموجة تلف روحك وتأخذ بانحسارها مخاوفك ! خوفنا صنع اسطورتهم وعند زوال كل خوف من المخاوف ، سقط وبسرعة البرق رجال أباليس . ..
*أين هي الحرية التي كنت تحلم بها ؟
- حريتي لم تكن بأرتداء قميص نمساوي معطر بياسمين حديقة على الدانوب ، بل كانت حرية ادت الى ماهو جوهري واعمق ، حرية تفحص الوقائع الملوثة والأكاذيب المعلبة من قبل فوج الحرس الخاص للأديولوجيا ، التزوير تعاقب على تزوير، تفخيم قشورالأكاذيب لحماية بذرة العنف التي تضخمت بشكل كبير وعندما فجرتها المطالعة المزورة للدين ، أدت الى ذبح الأبرياء .. نجحوا ببراعة وحشية في خلق قصة من قصص الجريمة التاريخية .
الماضي لم يعد حنيناً فقط . * الماضي ، امكنة واسماءً وازمنة واحداثاً ، شكل ثقلا كبيرا في مجموعتك الشعرية الاولى ضراوة الحياة اللامتوقعة التي صدرت عن دار الحضارة في القاهرة . كيف تفسر هذه العلاقة مع الماضي ؟
- لن تضيف لي شيئا جديدا عقلية النضال الأبداعي انطلاقا من المقهى او البار ! وحتى عقلية الأكتفاء بصورة البطل المضحي في السجن ، العمل الأبداعي الحر هو هدفي وخلاصة نقاوتي وشفافيتي .. خبرت تلك الأشياء بنفسي واشياء اخرى ايضا ، الماضي في اللغة ليس له الأستمرارية الكافية كفعل، علينا التذكير كل مرة بأن الماضي مستمر، كيف نتجاهله وهو مستمر ويتجاوز الراهن شعرا وسردا ، رسما ونحتا، سينما وتمثيل .. الماضي الواقعي مستمر ولم يتوقف، التحليل الأنثروبولوجي في البيولوجيا من قبل (غيهلن ) خلال فحص سؤال (كانت ) الذي سلط عليه الضوء وطرحه من جديد ماكس شيللر ( ماهو الأنسان ؟) في كتابه ( موقع الأنسان في الكون ) ... هناك فصل خطير في محاضرة لغيهلن ، رحب به النازيون وتبنوه، ذلك الفصل تم حذفه لاحقا، لكن ثمة مكتبات تحتفظ به وقد قرأته فتخيلت حجم الأحتقار، غيهلن هو أحد مؤسسي الأنثروبولوجيا، في الجانب الآخر تخفى ( بليسنر ) الألماني ايضا عن اعين الغوستابو في غرفة عليا تحت سقف عمارة في روتردام المحتلة ، هناك عاش في ملجأه السري وكتب كتبا انثروبولوجية ، اضافت شيئا الى الحضارة الأنسانية ! وعندما اطلق سارتر مفهوما اتهاميا للآخر لم يكن جاهلا بتلك الأمور ولم ينطلق من عقلية مقهى دوماغو الباريسي ، انما كان شاهدا على مذبحة تصفية الحسابات اوربيا خلال الحرب الكونية الثانية! كان الماضي مستمرا خلال الحرب الباردة، دعنا نتأمل تأثر الطلاب بفلسفة ( ادورنو) في ثورتهم الطلابية، ادورنو لعب دورا كبيرا في فضح التزوير ورد على من اتهم الألمان بأنهم غير مؤهلون للنظام الديمقراطي بدعوى ماضيهم النازي !!! سافر الى اميركا هو و (هانا أردنت ) وآخرين ودخلوا في حوارات والفوا كتبا والقوا المحاضرات ، في محاولة سلمية عميقة لغسل العار، لم يكتفوا بدور المتفرج على الأرهابي الألماني النازي ليكون من يعبر عن المانيا في صراع الحضارات !.. كيف لي ان اتجاهل الماضي والماضي لم يعد حنينا ولوعة وفقدان ، الماضي مستمر وحقق انتصارا علينا بأيقونة التدهور . لنأخذ تعبيري التجريدي الذي تولد قبل عدة كلمات في هذا التداعي ( أيقونة التدهور ) ! خذ هذا التعبير وضعه عنوانا للوحة تشكيلية او رقصة تعبيرية مثلا ، سأكون رساما تارة ومحركا لمجموعة راقصة في لوحة تعبيرية على الخشبة تارة اخرى، لنفرض بأن اللمحة توحدت مع اللحظة المستقبلة عند المتلقي فاقتنع بالصياغة اللفظية للتركيب اللغوي وقال في نفسه ( ياللروعة ، حقا للتدهور أيقونة !) متلقي آخر قد يقول ( ماهذا الهراء ، الم يكن بمقدوره التواصل برشاقة اكبر ؟!) لاهذا ولا ذاك بمقدورهما الغاء الحقيقة في كواليس ذلك التعبير، وكلاهما على حق ربما ، وانا ايضا على صواب ربما نيتي كانت تقديم تجريد تشخيصي في تجاور لغوي وكنت اعني شيئا معينا ..
البحث عن اساليب جديدة . *لو تطرقنا الى عملية التلاقح والتداخل الاتصالي بين الفنون المعاصرة كيف ترى شكل العلاقة مابين الشعروالسينما وهل يمكن ان ترسم لنا منطقة التعبير التي يلتقي فيها الاثنان خصوصا وانك سينمائي قبل ان تكون شاعر ؟
- صهر الخصائص الجمالية للسرد والشعر هو رقعة تفاعلي ونشاطي في الكتابة، صهر الخصائص شمل السينما والتشكيل في اغلب نصوصي تجنبت في وقت مبكر فرض قالب السيناريو على الشكل في السرد والشعر فلم اقطع النص الأدبي الى مشاهد والمشاهد كلقطات مباشرة كما فعل غيري، فذلك يصب في خانة السيناريو المكتوب لصنع فيلم شعري خالص ويدعي لنفسه ادبا موظفا لمفهوم تنظيم المعالجة السينماية كمخطط جاهز للتفريغ والتصوير .. صهر البنى الجمالية لايعني اغفال وسائط كل نوع او جنس، بل هو، وخاصة عندنا نحن الذين لجأنا الى الأدب قادمين من الدراما مسرحا وسينما، اكثر البؤراثارة ودراية ..لايعني ذلك بأن ضعف الأحساس السينمائي لدى بعض الأدباء في العالم بأنهم ليسوا مبدعين، لكنه في حالتنا وفرة حسية مضافة، اعترف اكثر من ناقد بصعوبة تحديد ملامح واضحة لتجربتنا في هذا الجانب رغم انهم اكدوا على حداثة البنية النصية الجديدة وغناها الجمالي! تلك حالة ايجابية جدا، فالنصوص تستفز النقاد وتجعلهم ينهمكون في بحثهم وزيادة معلوماتهم من اجل اللحاق بالنصوص تحليلا وتقييما. فكلانا (المبدع والناقد) نسعى الى هدف واحد فيما يخص البحث عن اساليب جديدة .
اشكالية الشعر العربي هي فرض الوصاية من خارجنا وترويضنا. *انت متابع وقارىء جيد لما ينشر من نصوص شعرية هل تلمست اشكالية ما تسود الشعر العربي بشكل عام ؟
- اشكالية الشعر العربي هي فرض الوصاية من خارجنا وترويضنا لفرض ذائقة نموذجية ! وعود الشعر العربي كبيرة وغزيرة بغزارة انتاجه .. الشعر العراقي صادق في التعامل مع تلك الوعود، وعندما قلنا بأن الوقت سيطول حتى ظهور النصوص الجريئة حول همومنا وآلآمنا فقد حدث ذلك وظهر ديوان الحرب الذي كتبه عشرات الشعراء ووفوا بوعدهم تماما والمهمة مستمرة فالماضي مستمر، الديمقراطية التي قذفت بشخصي الى احضانها بتمردي متخذا من طائرة وسيلة لنقلي وانتشالي من البيئة الدكتاتورية في بلدي منتصف التسعينيات !
*كيف تقرأ معنى الزمن الحاضر في المنطقة العربية ؟
-التحولات على ارض الواقع في العراق لم ولن تكون بتلك السرعة ، اليس رهان التحولات مهددا بالعطب رغم زلازل التحولات الأخيرة ؟ لماذا وقف ألأديب العربي عاجزا في تضامنه ومن خلال نصوصه مع النزيف على أرض الرافدين ؟ كتب هيثم بردى نصه القصصي ألأول تحت عنوان ( تل الزعتر) في بغديدا العراقية في السبعينيات، لماذا لم يقدم القاص الفلسطيني نصا عن استشهاد عدد كبير من أهالي بغديدا مثلا؟ ام انه بحاجة لوقت طويل ليفعل ، آمل ذلك والنوايا طيبة على طول الخط فيما يخص الأشكاليات! .. هناك جوقة من الشعراء العرب تكتب مؤخرا سيمفونيات شعرية وفي غاية الحداثة البدوية ارضاءا لفضول الزميلات الشاعرات (ويستحسن اختيار كاتبات الأيروتيك منهن)!! ثمة شاعر أرفق نصه بصورة له جالسا وكوعه على بار تايلندي وسبابة اليد الأخرى ملصقة على جبين التأمل في وجه نادلة من نساء السياحة الجنسية ، النص كان ساخنا ولم يغفل التذكير بالملاك والشيطان في النهار البورخسي..الخ من البهارات المسروقة ، وكتب في نصه وبخط غريزته عبارة ( أجمع الكلمات بزبّي ) !! اذا كانت الحداثة تنطلق من الكبت والحرمان ، فليراجع الشاعر العربي من ذلك الصنف عيادة نفسية وسيكون عندها لنا حديث من نوع آخر وحول اشكالية اخرى !! .. النص الشعري الصحافي يخلق اشكالية مربكة للمشهد الشعري ويقدم المقالي السياسي على البذار الشعري ويدفن النص في مقبرة النصوص .. ابرز ماعثرت عليه في الخطاب الشعري العربي هو العمل الدؤوب على تنقية الشعر من المسلمات ، لكن التكريس لايلبث ان يكرس صفوة من الأسماء البارعة في انتاج المسلمات بقوالب حديثة ! هم أشبه بفعلة الميكانيكي الذي يقوم بتجميل سيارة قديمة مهلهلة ويعرضها للبيع من جديد، تلك السيارة عمرها قصير بالضرورة . نجح الشاعر العربي في الأحتفاظ بالحماس في النص وبأمكانه نقل حرارته الى ابعد حد وتلك صورة ابداعية مشرقة، وظف الأسطورة والتاريخ وتعامل مع الأزمنة وبعث ألأنا الشهيدة، وعليه التخلي عن احساسه الدوني تجاه النص الأجنبي،
*من هو الشاعر في وقتنا الحاضر. . ؟
- الشاعر هو من لاينتظر بل عليه ان يكون سباقا جريئا طفلا كبيرا في الروح وفيلسوفا في تشربه بالآفاق ، لاينفعه دفء الجيل والحشر في انطولوجيا مبنية بطريقة ماكرة ولايخلده الناقد المعروف ..الشاعر المبدع بأمكانه الكتابة عن نبتة خضراء على وجه جدار قديم مدى الحياة ، والشاعر يقدم لنا تسامحه الواعي مع البعد النفسي الثالث للصامت والناطق للرجل والطائر والمدفون تحت الأرض ، الشاعر وحده من يساعدنا على رؤية مالايرى بالعين ولايلمس بالأصابع ولاينطق به فم آخر! الشاعر الشاعر لن اسجنه في اللغات فقط ! البارحة مثلا ، قص لي اخي وصديقنا الفنان لوثر ايشو ادم ، بأنه رسم أجنحة تخرج من الرؤوس ، اليس هذا شعرا في نص اللوحة البصري ؟! الشاعر ليست اداته الحروف فقط بل الصورة السينمائية واللقطة الفوتوغرافية ، المقام النغمي والسرد، الميزانسين وسينوغرافيا العرض المسرحي، اللوحة بمختلف خاماتها والنحت بكل تشضيته تحت المطرقة في تكويناته، الشاعر المنتمي الى العائلة الفنية كلها.. هو المتفاعل هربا من الخمول، الشاعر تعثر عليه عند ازنيشتين وحتى ( شجرة الحياة ) فيلم (تيرنس مالك) ألأخير ! ليس في المشاهد التي تمط الزمن للحصول على ثقل حسي للقطات ولا بالنعمة السوريالية على المعالجات فقط، كل الأفلام الراقية لاتخلو من ضربة شعرية تقض مضجع المشاهد ، ليخرج من الصالة ، انسانا مكتنزا بماعليه ان لاينساه، حتى عند صاحب الصنعة الفنية المفضوحة ( تارنتينو ) يظهر الشاعر من حيث لا تتوقع ، المشهد الأفتتاحي في ( أوغاد شائنون ) هو فيلم شعري قصير داخل فيلم فاشل طويل ! عشرون دقيقة كافية لعرض الواقع الوحشي .. الشراشف البيضاء المنشورة على حبل الغسيل وتسلل العدسة التقطت المخفي من الأسرار حول مايخبئه القدر داخل ذلك البيت الفرنسي الريفي.. يأخذك الممثل ( كريستوف فالتز ) في رحلة شعرية بتمثيله، هناك شعر لايرى كما تراه تقليديا على الشاشة .. اذا كان شخص كتارنتينو مثيرا في خطابه فماذا نقول عن تاركوفسكي وفاسبندر.. عن كارلوس ساورا او عن المودافار .. عنك يامروان في فيلمك القصير ( إكسباير ) ام انك كتبت بالصورة السينمائية نصا ينتمي الى ما أُعلِنُ عنه بوضوح اكبر في هذا الحوار ، ( اكسباير ) هو نص من نصوص الواقعية الوحشية !! .....كاتب رواية (العرس الوحشي) سينمائي في الرواية وكالفينو ، كاتب قصة قصيرة جدا في روايته( مدن غير مرئية ) وشاعر في ملحمة المدن ، (خوان ميرو) شاعر في لوحة (الببغاء ).. هذه اختيارات عفوية من عدد كبير من الشواهد التي اطلعت عليها بشغف ، الذائقة البصرية والتجربة العنيدة قادتني الى كتابة الواقعية الوحشية ، والماضي في كتابي ( ضراوة الحياة اللآمتوقعة ) هو ماضي الواقع المستمر وتلك ابرز جماليات واقعيتي الوحشية .
________________________________________