نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(2)
نبيل يونس دمان
مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين . اود الان نشر نص الكلمة التي القيتها في استقباله في ديترويت يوم 9 – تموز- 1994 .
ضيفنا العزيز ابو جوزيف
ايها الحفل الكريم
الحاضرون جميعاً :
بماذا ابدأ كلامي ، وملئ قلبي فرح عارم بلقاءِ انسان عزيز ورجل شهم ، مثل ابا جوزيف . لقد فارقتنا الاقدار اكثر من عقد من السنين وها نحن نلتقي ويا له من لقاء سعيد .
ايها الاخوة : انا لا احب المديح ، ويصعب علي قوله ، وكلما تجنبته تراني اعود اليه في حضرة رجل ألهم جيلنا ، ومؤكد ان ذلك لا يعجبه ولا يستسيغ مثل هذاالمنحى ، لكن دافعاً قوياً يدفعني اليه كي لا يُجنى على الحقيقة ، ولكي ينصف التاريخ .
ان التاريخ يهبنا رجال مشاهير في مختلف التخصصات بين زمن وآخر ، ولن يكون باستطاعته ان يعطينا مثل هؤلاء كل يوم او كل سنة ، او حتى في القرن الواحد ، والآن يجلس بيننا هذا الرجل الهمام الذي رفع رأسنا عالياً ، وان ارفع درجات القيم والكرامة والإباء تفتخر بمن وهب كل ما يملك لرفعة تلك القيم ، وان كان لنا ان نتباهى ، وان كان لرجالنا ان تزهو ، ولشبابنا ان يسموا ، ولبناتنا ان يكابرن ، فأرتباطاً بأسمك ابي جوزيف .
فلنغتنم هذه الفرصة التي لا تعوض لنحييه ونحيي فيه تلك القيم ولنكرمه بما يليق به ، وبمكانته التي احتلها بجدارة في تلك الايام على نطاق العراق ومنطقة كردستان ، والبلدة القوش ، واهبة الابطال ، والتي احبَها واحَبته ، ودافع عنها بضراوة ونكران ذات على مدى العقود الثلاث الماضية .
ضيفنا الكبير ابا جوزيف : لقد بدأت نضالك العنيد المتواصل من عقد لعقد ، ومن مدينة لاخرى ، ومن جبل لجبل ، ومن وادٍ لوادٍ في رحاب كردستان ومراتعها الخضراء ، وعلى ترابها قاتلت قتال الابطال ، والسلاح بيديك يناغي ، دفاعاً عن الفقراء والمحرومين ودفعت ثمناً لذلك استرخصته لعيون هؤلاء . وان قناعتك بما اقدمت عليه ، واصرارك المضي دون توقف ، قد صنع لنفسك ولشعبك ولألقوش مجداً لا يضاهيه مجد ، وعلى قدر عزيمتك وارادتك الصلبة سيحتذي الناس الطيبين في كل مكان.
لم تَنَل ما كنت تصبوا اليه ، ليس فقط لنفسك بل للناس ايضاً الى يومنا هذا ، لكن ثق ايها العزيز الشامخ بيننا ان ما زرعته وما رسخته لن يذهب ادراج الرياح ، وسيكون له مردوده الوافر في المستقبل وسيمضي الناس حاملين قيمك ومبادئك ، عدالتك ، سماحك نحو ذرى المجد الآت والزمن السعيد الذي ينتظر العراقيين .
في فترات متباينة وفي اماكن مختلفة قُدّر لي اعيش وانتقل واسمك امامي وقيمك تتعاظم في نفسي وفي نفوس الناس ، كنتَ بعيداً عنّا لكننا كنّا نسمع باسمك على مر فصول السنة .
كنّا نسمع بك من حفيف اوراق الخريف المتناثرة .
كنا نسمع بك من تفتح الازهار في الربيع .
كنا نسمع بك عندما تضطرم النار في الخشب ايام الشتاء .
وكنا نسمع بك عندما يهبنا الصيف فاكهته الشهية .
هيّا استرح قليلاً ايها المقاتل ، فقصتك ترويها الجبال ، ولطالما حدثتنا عنها الوديان ، وكم غنت بك سواقي الماء الرقراق في عيون الجبال.
هيّا استرح قليلاً يا عاشق الطبيعة ، ان الارض بالابطال تتغنى .
فبالله هل وصلت اسماعك اغاني رعاة الاغنام وصوت الناي ومناجاة الحمام ؟
هل وصلت اسماعك صفقات الريح في مداخل الجبال ؟
هل وصلت اسماعك اغاني القبج والدرّاج ووقع قوائم الغزال ؟
انها اغاني واناشيد تجسد ما سطّرته وامثالك من صفحات العز ، فبِكُم وبأسمكم يبتهج مزارعو الكروم ، وألَذ فواكه كردستان ، وتحت تلك الاشجار الخضراء الباسقة تفيأتم بضلالها الوارفة .
لم يقدّر لبلدتك القوش للآن ان تستقبلك منتصراً ، كما لم يقدّر للوطن بأسره ان يفك قيوده ويتحرر مما هو فيه ، لكننا هنا في اميركا ونظراً للحرية التي نتمتع بها والامكانات الافضل نسبياً ، فقد منحنا الزمن هذه الفرصة بل هذا الشرف ان نلتقي بك ، ويا لعظمة الناس هنا ، ويا لكثرة محبيك ، ويا لسعة الاعداد لمجيئك بل كانت الاحاديث تدور طوال عام او اكثر " متى يأت ابو جوزيف ؟ ".
أبشر ايها الغالي فنحن اولادك واخوانك معك وبجانبك ، نضعك في شغاف قلوبنا، نربي الاجيال باسمك ، ونهدهد الاطفال الرضع موالاً يحكي قصتك ، نحيي فيك قيم البسالة والشرف والمآثر الخالدة ، ونرحب بك ضيفاً عزيزاً ، لتستمتع بالحياة هنا ، وتريح عن نفسك عناء المشاق ، ابتهجت ايامك بيننا ، وعهداً ان تكون مَثلنا الاعلى ، دامت صحتك وصحة اولادك واحفادك، وطابت اقامتك هنا مُعززاً ، مُكرّماً، والسلام .
ملاحظة : قبل الشروع بالقاءالكلمة، انشدت مقطع شعر بلغتي الام ، ادناه المقطع بالكرشوني :
پشينَه ثيلُخ يا جَنقـــه برناشِد أُرخَه عسقـَــــــه
من تامَه ثيلُخ مْرحقَه مأثرَه بدمَّه مُسمقَــَــــــــه
قالِد تَفِكْتُخ مطيلَـَــــــه رِِش طورَه قريلَه ودريلَه
دجِمْن بأزدوثَه مليلَـه وشِمّد ألقُشْ مُعليلَـَــــــــه
في الصورة أدناه، الجالسون من اليمين : المرحوم جورج توماس ، نوئيل ساكو ، المرحوم توما توماس ، المرحوم رحيم القس يونان ، المرحوم جورج كتو ، خلفهم كاتب السطور وزوجته ، في نادي الاسرة الكلداني يوم 9- تموز- 1994 ...[/b][/size][/font]