ملاحظة: حبيبي المشرف ارسلت لك رسالة خاصة قبل يومين ولم اتلقى ردك، عسى ان يكون المانع خيراً
لا شيء يوازي الموت ولا شيء يضاهي الحياة، القادمون الى الموت من مختلف بقاع الارض بمختلف ثقافاتهم واصولهم، والناثرون بأيديهم جدلا اعمى، كم فيه من استجداء القبول ومحاولات التسويغ العصية على المنطق الانساني تلك الحوارية بين موت يدفع لحياة وحياة تدفع لموت، ما بين الاثنين الاف الارهابيين والضحايا المستباحة دماؤهم وحرياتهم.
وكأن الارهابيين يتربصون بالعالم ان يفهم معنى ان تلغم نفسك لله..وتقتل لله، ان يفهم كيف تجمع اشلاء الضحايا، عيونهم، فتات من ادمغتهم، ايديهم ودم يملأ الارض والعيون من عمل باسم الله. الحقيقة ان شبحا مخيفاً يرعب الناس في اوروبا والعالم الان، شبحا يرتدي عمامة او قلنسوة ويطلق لحيته وربما يلبس على بطنه في يوم من الايام حزاما ناسفا ويمسك باحدى يديه بندقية وبالاخرى قرآنا يتهجد بالموت ولا يقبل باقل من مئة ضحية. اقلهم محمد بوري الذي قتل المخرج الهولندي ثيوفان غوخ واطلق عليه النار 15 مرة ثم ذبحه بسكين جزار، وقال في اخر ايام محاكمته”اتحمل مسؤولية افعالي كاملة، لقد تصرفت باسم ديني”.
كما انه يأسف لان القانون الهولندي ليست به عقوبة الاعدام، حتى يعدم ويقول: انه لو خرج لفعل ذلك مرة اخرى.
اوروبا مثلا تخشى من هؤلاء المعزولين عن ثقافتهم الاصلية ولا يمكنهم الاندماج في الحياة الاوروبية ان يتلقفهم دعاة الجهاد ليحولوهم الى الغام تهب الموت المجاني.
وما القيمة التي كسبها المسلمون من افعال هؤلاء ؟ لقد باتوا يحملون قلقا في وجوههم، وينعزلون شيئا فشيئاًعن اوروبا التي جهدوا في الاندماج بها طوال تلك السنين التي نسوا فيها ملامح بلادهم وعنتها نسوا فيها ظلمات سجونها وجلاديها.
لكن كيف نفصل ذلك عن الاسلام ومن يقنع العالم ان ديننا غير الذي عرفوه في حافلات لندن؟ وغير الالسن التي تتلو القرآن وهي تفجر نفسها وتصرخ الله اكبر.
وفي بلادي - وهي الفقيرة مثل اجنحة القطا- كيف نقنع هؤلاء بالحياة؟وكيف نقنع العالم ان ما حدث في النعيرية والمسيب وما زال يحدث أشد همجية من حافلات لندن وافظع من ملاهي شرم الشيخ؟
معضلة المعنى
لم تقف دلالة الارهاب عند معنى معين، ولم يكن العنف محتوى وحيدا له حتى يكتمل تحديده ويأتلف. الشرق الاوسط بكل مشاكله مثلا للأوربيين منطقة عمل، منبعا للموت والحياة، حتى انهم انشأوا معاهد ومراكز تختص بقضاياه وحفز ذلك وجود اسرائيل. او شبكات التجسس تملأ الكيانات الشرق اوسطية وتقدم تقارير منتظمة بما يجري هناك.
من هذا نشأ مفهوم الارهاب بشقين الشق الغربي والشق الشرقي، لكن التفسيرات التي طرحها الغرب كانت اكثر عقلانية من التفسيرات التي طرحت في الخطاب السياسي العربي اذ انها عدته ووصمته بالعار الاخلاقي والوجودي.
بيد ان الخطاب العربي حمل في داخله ازدواجًاً معياريا وكان تسويقيا مؤدلجا خصوصا عند الكيانات الاسلامية المتطرفة التي عدت الارهاب ستراتيجية الحياة الجديدة للاسلام، وجهزت خطابا استباح الشريعة وبحث عن جذور قرآنية تسوغ ذلك.
هؤلاء كونوا مدا لنصوص غير قابلة للحوار، قال تعالى”من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”. وهؤلاء يقتلون حتى المدنيين العزل.
.
هذا الاتكاء على النصوص القرآنية ، واتخاذ العنف وسيلة لنشر الدم والقتل يجعل الاسلام محورا للشر بحسب المفهوم الغربي.
و اول عملية انتحارية لامراة فلسطينية قالت بان نصوص القرآن والشريعة والاحاديث يجيزان لها هذا العمل وهذا يعرض الاسلام والثقافة العربية عموما الى تهمة الوحشية واللا إنسانية.
ويتسع مفهوم الارهاب من المعنى اللغوي الى المعنى السيميائي باتخاذ دعاة العنف زيا اسلاميا خاصا، فالثياب القصيرة واطالة اللحى وحلق الشارب وحمل المسبحة علامات بارزة لهم، على الرغم من انه ليس كل من يرتديها ارهابي.
والذي يعدونه هؤلاء جهادا يعده الغرب ارهاباً وعنفا. وهم لا يمتلكون وسيلة لاقناع الناس غير القتل، كما انهم يضعون فكرهم بحسب مقاسات جاهزة على هيئة قاطع الطريق الاسطوري بروكست الذي كان يخطف الاخر من قارعة الطريق ويضعه فوق سرير، فاذا كان المخطوف اطول من سريره ضغطه حتى يتناسب مع طوله اذا كان اقصر منه مطه ليناسبه وفي الحالين المخطوف ضحية ا لفكر الاحادي.
و الاسلاميون يعدون الارهاب جهادا آليته العنف، وتعريف العنف "مفهوم يدل على انفجار القوة التي تعتدي بطريقة مباشرة على الاشخاص وامتعتهم سواء كانوا افرادا او جماعات، من اجل السيطرة عليهم عن طريق القتل او التحطيم او الاخضاع او القوة”.
ثمة مشكلةاخرى في العالم العربي هي وجود خطابين لتعريف الارهاب، الخطاب الشعبي وهو يختلف بحسب المفهوم الاجتماعي او الثقافي او الديني او حتى المذهبي كما نجده في العراق.
والخطاب الرسمي الذي اتسم بالتباين ولم يتبن موقفا ستراتيجيا من الارهاب بوصفه ثقافة ونشاطا عنيفا.
فالمملكة العربية السعودية متهمة بان اموالها كانت وراء انتشار المدارس والجمعيات الاسلامية المتطرفة في باكستان واندونيسيا. كذلك اتهمت زوجة الامير بندر بن سلطان سفير السعودية لدى اميركا-الاميرة هيفاء بتوصيل الاموال الى ايدي شخصيات في القاعدة.
بينما هي تدين الارهاب رسميا وتنتمي بطريقة او باخرى الى التيار السلفي الذي ولد من رحمه تنظيم القاعدة فضلا عن ان المدرسة السلفيةالتقليدية متحالفة مع ال سعود حتى الان.
والاعلام العربي الذي اقام الدنيا ولم يقعدها على تفجيرات لندن وشرم الشيخ، لم يهتز لهم جفن على اي تفجير انتهك حياة العراقيين، وكأن الدم العراقي غير الدم، وكأن العراقيين خلقوا ليموتوا وغيرهم خلق ليحيا. كل هذا والارهاب لا يحتاج الى تعريف، فهم يعرفونه كما يعرفون انفسهم.
ستراتيجيا العنف
تتخذ الكيانات المتطرفة خصوصا الاسلامية منها، من العنف وسيلة لنشر افكارها فهي تبني مدنا للموت والدم تكبر في انحائها بالصلوات والموشحات حتى يصبح العنف عبارة عن سلوك طبيعي متجذر ينتهي الى تقديس الفكرة الذاتية والغاء الاخر وتوسيع دائرة الاقصاء حتى تشمل كل من يختلف. وحينئذ تصبح الدعوة ايديولوجيا للقتل ونزعة تتراءى فيها لا صوابية اية مقتضيات مخالفة. ويصبح الكل فيها أعداء، اعداء وهميين لايديولوجيا تنشأ بعناصر لا عقلائية، تتحدر من رحم التطرف والتكبر والغلو. وهي تمرر عبر فتاوى اباحت حتى الارهاب، بمعنى قتل المدنيين في سياق الصراع حتى سموه بالارهاب المحمود بحسب ادبيات تنظيم القاعدة. فاذا كان العنف وسيلة لهذه التيارات والغاية تبرر الوسيلة كما يعتقدون، فما هو الوعاء الايديولوجي للقاعدة هل هو السلفية واية سلفية تتبعها القاعدة؟ وكيف انصهرت تلك التيارات المكفرة في سياق تنظيمي واحد، يقنع الالاف بفكره كل يوم ولا يحيد عن لغة الموت قيد انملة؟ بل هو يبيح قتل العزل حتى يحارب الكفر وينتصر عليه.
القاعدة
انبثق التيار السلفي الجهادي من المدرسة السلفية التقليدية في نهاية السبعينيات اثر اجتياح الاتحاد السوفيتي لافغانستان وتوجه اميركا للاستعانة بالاسلام في محاربة الشيوعية الزاحفة آنذاك نحو المياه الدافئة ونفط الخليج.
هذا التيار تلقف “المجاهدين” العرب الذين قادهم عبدالله عزام وهو من جماعة الاخوان المسلمين المتأثر بموقلات سيد قطب اكثر مما هو متأثر بالمقولات الرسمية للاخوان، ويمثل عزام صورة للسلفية التقليدية من دون ان يندمج فيها. وهي كلها تتخطى المنطق السني التقليدي وكذلك التوجهات السلفية التقليدية التي تتحفظ على محاولة الثورة ضد الحاكم الظالم ما دام مسلما، وهي تعتمد في حركتها على ابن تيمية بشكل اساسي.
هناك في افغانستان تفاعل التياران السلفي السعودي دون ان يتخلى عن ارث محمد عبد الوهاب والقطبيون المصريون، الذين تخلوا عن الاخوان في اخر الطريق.
يعد سيد قطب احد المراجع المشتركة بين التيارين المتعاضدين المنصهرين بما سمي بـ”قاعدة الجهاد” المؤلفة من تنظيم القاعدة “بن لادن” والجهاد الاسلامي “ايمن الظواهري” الظواهري الذي يكفر من يشاء ، مثل جسر العبور للـ”مجاهدين” العرب وعلى رأسهم بن لادن من العقيدة السلفية التقليدية الى عقيدة الولاء والبراء المكفرة اخيرا للدولة السعودية القائمة، مستندا الى ظلال القرآن ومعالم في الطريق لسيد قطب، من دون حسن البنا الذي عده براغماتيا ازاء الملك فاروق.
الادهى من ذلك ان ابن لادن كان وسطا بين هؤلاء وليس هناك مسوغ لوسطيته، فهو لم يكفر السلطة في السعودية في بادىْ الامر، فقد تدرج في المعارضة من النصيحة الى التشديد بالكلام بسبب استعانة السلطة بالقوات الاميركية لطرد صدام من الكويت ,وهوكان مستعدا لملء الكويت بالـ”مجاهدين” ليطرد صدام وجيشه، لكنه يتحالف مع البعثيين الان في العراق لطرد الاميركان كما يدعي.
ثم كفر السلطة في السعودية لموالاتها للغرب وخضوعها للامم المتحدة وشرعة القانون الدولي .
ابن لادن هذا لا يتوانى عن قتل الابرياء ليصطفي قادته ويهب الجنان لهم ويزفهم مفخخين الى الحور العين، خصوصا في العراق، فلديه هنا عدوان، العدو (الصليبي)! الذي يريد ان يخرب (بلاد)! (المسلمين)! ويعتدي فيها على حرماتهم ويقتل اطفالهم ويستبيح نساءهم وهذه كلها تفعلها القاعدة والاسلاميون.
العدو الثاني، الشيعة فالفكر الوهابي يناهض التشيع بشكل جنوني وفي السبعينيات كا نت دية قتل الشيعي في السعودية، اربعة ريالات فقط وهي مساوية لدية المسيحي “سايكولوجية العنف في العراق علاء الدين القبانجي” ومن ادبياتهم الواضحة محاربة اهل البدع والشيعة من اهل البدع الكفار في نظرهم.
العراق
تحكم العراق العقليات المذهبية والطائفية، فالتنوع الذي يحظىبه العراق وتوالي حكام سنة مستبدين، جعلته موئلا للطائفية.
ربما حتى ابعد من التاريخ الحديث، فعملية انتقال العاصمة الاسلامية الى الكوفة وتكوين علي جيشا من المقاتلين الذين يدافعون عن فكره وثقافته، اجج لدى خصومه تكوين جبهة مناهضة قاتلته على الباطل وجعلت حكمه مدة صراعات وحروب، لم تنته الا بقتله في عملية شبه انتحارية. والعنف في العراق يمشي مع الناس كظلهم فهو قديم بقدم العراق حتى لما وطأت قدم ادم الارض، واصبح لديه اولاد قتل قابيل هابيل. العراق دوما كان مشروع حرب طائفية لولا رحمة الله، والعنف اول وسيلة ستراتيجية لتأجيجها ودخول القاعدة الى العراق وكره دول الجوار لعراق ديمقراطي، والوجود الاميركي ونظريةالمؤامرة العربية والانسان العربي المتأزم بين ماضيه وحاضره، كلها جعلت العراق دوامة للعنف. العنف الاصولي الذي مثلته القاعدة، والعنف الليبرالي الذي مول العنف الاصولي وافاد من البعثيين القتلة. اقول ان هؤلاء لا يفهمون غير العنف، فلا أولى من العنف في الرد عليهم وهو ستراتيجيتهم في صورة العالم الجديدة التي يريدون.[/size]