كلاب بافلوف
عبد المنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comالدفاع عن النفس بالنسبة للمخلوقات حق، لكنه قبل ذلك غريزة، ويعبر الانسان عن هذه الغريزة في صور وسبل عديدة، لكن ما يميز الانسان عن الحيوان في الدفاع الغريزي عن النفس هو ان الاول يضبط غريزته بالعقل حتى لا يكون هذا الدفاع انتحارا، فيما لا يملك الثاني هذه النعمة، إذ يقع في الغالب ضحية الدفاع الاهوج والتلقائي عن نفسه فيعطيها طعما للآخر المفترس بدل ان ينقذها. وقد يتحول الدفاع عن الوطن او الدفاع عن الاسرة او الدفاع عن القومية او الدفاع عن العقيدة او الدفاع عن المذهب الى غريزة لدى بعض الناس في ظروف تتعرض هذه القيم الى مهانة، غير انه مع تحضر المجتمعات وتوفر فرص وسبل الحماية وحقوق التعبير والتحرر والاعتقاد، فان العقل اصبح اكثر سلطة على توجيه رد الفعل واكثر رقابة على السلوك الانساني، بل واصبح مرجعية اساسية للبحث في افضل سبل الدفاع عن القيم، في حين اصبح السلوك الغريزي-حتى تحت اي داعٍ عادل او نبيل- مصدر خطر على صاحبه.
وخارج احكام هذا التحضر والمدنية والتحولات العالمية الهائلة، بقيت جماعات همجية من البشر تذكي غرائز اتباعها بالانفعال والدروشة والخرافة( غسل الدماغ) من اجل اقصاء افئدتها وانسانيتها، وتعطيل رقابة العقل على على ردود افعالها، ولعل الموت الانتحاري الذي نشهد فصوله البربرية في العراق منذ ثلاث سنوات، يصلح مثالا اكاديميا لموضوع توظيف الغريزة توظيفا اجراميا، على الرغم من ان هذه العاهة ولدت في بيئة غير عراقية، اصلا، واستوردت من الخارج في ظروف انفلات الامن وغياب الدولة، او تغييبها، اذا شئنا الدقة.
والحق، ان الجرائم الانتحارية، وغالبيتها، لابادة جمهور المدنيين، من دون تعيين، تحتاج الى دراسات علمية في العمق، واحسب ان هذه الدراسات، مثلا، ستدخل “عينات” من اولئك “الانتحاريين” في مختبرات تحليل الغرائز وتأثيرات غسل الدماغ على السلوك الانساني، ربما بالافادة من تجربة العالم الروسي القديم ايفان بافلوف الذي قدم للبشرية في مطلع القرن الماضي منجزا علميا كبيرا نال عنه جائزة نوبل، إذ اجرى تجارب كثيرة على الكلاب والاغنام وغيرها بوضعها في حال انقطاع وعزلة وجوع ثم غذاها بعادات جديدة سرعان ما استجابت لها، وقد طور علماء النفس قاعدة بافلوف(الانعكاس الشرطي) في المجال البشري وتوصلوا الى حقيقة ان الانسان، اي انسان، يمتلك في ولادته انعكاسات وغرائز بدائية، وانه يبني فوق تلك الغرائز البدائية انعكاسات جديدة متحضرة وعادات مدنية يكون لها الاثر الكبير في اسلوب تفكيره وعقيدته واتجاهاته في الحياة.
نحن، اذن، إذ نتابع خلفيات الاعمال الانتحارية الاجرامية، نكتشف ملامح مشروع مناهض للمدنية والحضارة والعقل.. مشروع يغيّر الطبيعة البشرية لأناس اسوياء عبرعزلهم عن العالم بالهرطقة، وغسل ادمغتهم بالشعوذة، ثم تغذيتهم بالخرافات عن جدوى قتل النفس، ليكونوا في حالة استجابة للاملاءات والاوامر، تماما مثل كلاب ايفان بافلوف.
ــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــ
“ سبحان الله ؛ في النفس تكبّر إبليس ، وحسد قابيل ، وعتوّ عاد ، وطغيان ثمود ، واستطالة فرعون ، وبغي قارون ، وقحة هامان”.
ابن القيّم [/b] [/size] [/font]