سيدة النجاة كنيسة أم متحف ؟
ليلى قصراني يوم 31 تشرين الأول هو أكثر الأيام التي لا أطيقها في السنة. أنه يوم الهولويين. فيه يحب الأطفال والكبار أيضا أن يشعروا بالخوف. فيشاهدوا أفلام رعب ويعملوا مقالب على بعضهم البعض. يتنكر الأطفال في أمريكا(حيث أعيش) ويخرجون بأزياء مثيرة أو مخيفة أحيانا عند المغيب الى الشارع، متنقلين من بيت لآخر في الحي لجمع الحلوى. وفي كل عام عند حلول هذا اليوم أبدأ بالتوضيح لمعارفي سبب خشيتي وكراهيتي لهذا اليوم رغم عدم إيماني بالشؤم وبالتفاؤل. تحدث في أمريكا، في هذا اليوم تحديدا، أمور غريبة مثلما قتل شرطي لرجل مرتدي بزة شرطة في قاعة حفل في مدينة لوس أنجلس قبل سنوات قليلة لأنه كان يحمل سلاحا بلاستيكيا بعد أن رآه من الخارج ظانا أنه مجرم. وهكذا كل سنة أخشى هذا اليوم وأتمنى أن يمر بدون مشاكل.
قضيت معظم سنة 2010 في سوريا ومن ضمنها شهر تشرين الأول. أذكر جيدا كيف كنت جالسة أمام التلفزيون وأنا أزور بعض الأقرباء في مساء يوم الأحد من ذاك اليوم وهم يشاهدون قناة عشتار (الدينية) كما أحب أن أسميها. كانت الساعة حوالي الثامنة والنصف. وفي أسفل الشاشة ظهرت الكلمات الآتية : عاجل عاجل. تدخل الشرطة العراقية وأنقاذ الرهائن في كنيسة سيدة النجاة في بغداد. بقينا نقلب في التلفاز علنا نعثر على تفاصيل الخبر. لم نجد. في اليوم التالي قضيناه والدموع في أعيننا أمام التلفاز ونحن نسمع الأخبار الحزينة عن فاجعة كنيسة سيدة النجاة. فكرت في حينها بأنه سيكون من السيء جدا أن ننسى ما حدث في يوم من الأيام بل وتجرأت أن أفكر أن تُترك الكنيسة كما هي لفترة كي يتم زيارتها والأحساس بما مّر به المصلين في ذلك الأحد. بل تحويل الكنيسة الى مزار ليوم الشهيد بل الى متحف يستمر لفترة. شاركت فكرتي مع أحدى القريبات. سخرت هي مني وقالت : أنت لا تعيشين في العراق. ولا تعرفين بأن العراقيين يرممون مباشرة ويبنون بعد أن ينظفوا مكان الأعتداء الأرهابي بأيام قليلة. وبالفعل. ففي يوم 3 تشرين الثاني. قرأت في موقع وكالة الأنباء الأعلام العراقي الخبر الآتي :
3/11/2010
اوضح مصدر في المكتب الاعلامي لوزارة الاعمار والاسكان لـ ( وكالة انباء الاعلام العراقي / واع ) ان الوزارة ستقوم باعادة ترميم وتاهيل كنيسة سيدة النجاة بعد تعرضها للعمل الارهابي الجبان يوم الاحد الماضي والذي راح ضحيته عشرات الشهداء والجرحى .
متى سنتعلم كأشوريين بل وكعراقيين درسا من ألاخر؟ أن نترك آثار الفواجع أمام أعيننا بكل ما فيها من ألم وقسوة. فما زالت معسكرات تعذيب اليهود في بولندا شاخصة بل ويزورها الاف السياح بعد مرور أكثر من خمسين سنة على الهولوكوست.
التخريب الذي أوقعته اليابان في بيرل هاربر في ولاية هاوايي ما زال قائما. المدارس التي تحولت الى سجون تعذيب في كومبوديا هي اليوم متاحف وأماكن سياحة تبين بطش نظام الخمير الحمر في سنوات السبعينيات.
فماذا لو تركت كنيسة سيدة النجاة كما هي عليه وعلى الأقل لفترة قصيرة؟ بقع الدم على الحيطان. آثار الرصاص في المقاعد والهيكل. كتب الصلوات الممزقة... الخ. لتعلمنا درسا من الفاجعة. لبنينا جسر محبة بين المسيحي العراقي والمسلم العراقي في ذلك المكان.
هكذا سنبقى في كل عام وفي السابع من شهر آب، نتذكر الشهيد الآشوري ونحن جلوس في أماكن نظيفة مكيفة آمنة... نبكي. نقول للعالم بأننا قد ظُلمنا لكننا لا نملك المادة ولا المكان المناسبين لعمل ذلك. ثم نغادر ونرجع الى حياتنا اليومية.
ليلى قصراني
كاتبة عراقية