نسل الرب يسوع وأمهاته البغايا
عنوان المقال ثقيل على مشاعر كل مؤمن ، والغاية من هذا العنوان ليست لكسب أنظار القراء الى المقال بل لكي نقف بجدية عند كل أسم أمرأة مكتوب في نسب الرب الطاهر باحثين عن الهدف من تدوينها بين أسماء الآباء .
أننا نعلم بأن الرب يسوع هو أبن الله وليس له نسل بشري كباقي البشر ، لكنه أراد أن يشبهننا في كل شىء عدا الخطيئة فأخذ له أباً أرضياً وهو مار يوسف البتول ، كما أخذ له نسلان من بني البشر وهي : النسل الملوكي لكونه ملك ، دونه لنا الرسول متى والذي يبدأ من أبراهيم وينتهي بيوسف البار . الله عارض طلب الشعب اليهودي المُلح على صموئيل النبي لكي يكون لهم ملك بشري يحكم عليهم ويقودهم ، لكن أخيراً نزل الله الى رغبتهم فأختار لهم الملك شاؤول الذي مسحه صوئيل ملكاً عليهم . وبعد شاؤول جاء داود وسليمان وغيرهم الى أن أنتهت فترة الملوك بعد سبي آخر ملكهم الى بابل .
خط الملوك ليسوا قديسين أبداً ، حيث تمرد شاؤول على الله وأخطأ داود كثيراً وكذلك سليمان الحكيم نسي قوانين وشرائع الله فتزوج من الوثنية وجعل لصنمها تمثالاً في الهيكل ، هكذا كان الملوك خطاة ، لهذا كان أنتقام الرب منهم عادلاً فسمح بسبيهم وهذا السبي حطم آمال الشعب العبراني الذي أرادوا أن يعتصموا بالملوك العظماء لا بملك الملوك ورب الأرباب ولم يتحرروا من هذا الأعتقاد حتى عندما جاء الرب وعلمهم طريق الحياة الجديد ، لكنهم أرادوا أن ينصبوه لهم ملكاً أرضياً كداود لكي يحررهم من الأستعمار الروماني .
أما النسل الثاني للرب فهو كهنوتي لكونه كاهناً أبدياً على رتبة ملكي صادق . دون هذا النسل لنا الأنجيلي لوقا . نلاحظ أختلاف في أسماء الآباء في السلالتين ، السبب هو لكون الأولى ملوكية فذُكر فيها أسماء الملوك . أما الثاني فهو نسل كهنوتي لهذا نجد فيه أسماء الكهنة .
حسب متى جميع الأجيال من أبراهيم الى داود أربعة عشر جيلاً . ومن داود الى سبي بابل أربعة عشر جيلا . ومن سبي بابل الى المسيح أربعة عشر جيلاً ، أي :
14+14+14 يساوي 42
العدد 42 يتكون من حاصل ضرب 6في 7
أذاً العدد ناقص ، لأن عدد الكمال يتم في العدد سبعة أي يجب أن نحصل على الناتج من 7 في 7
فالكمال يكمل في يسوع وبه يكتمل النسل .
الرسول لوقا أخذ الخط المعاكس لمتى حيث سلسلة الكهنوت فذكر فيها بأن يسوع هو أبن يوسف أبن عالي وهو الكاهن . ولم يسميه بأبن مريم لأن النسل لا يجوز أن يكون من النساء . وهكذا يؤكد لنا الرسول يوحنا في أنجيله بأن يسوع هو كاهن الى الأبد ، وكذلك رسالة الى العبرانيين تؤكد لنا بأن يسوع هو كاهن .
أضافةً الى النسل الجسدي للرب الذي دُوِن لنا من قبل متى ولوقا هناك نسل آخر لاهوتي ، لأن الرب اله سرمدي وأبدي الوجود ، وليس مجرد أنسان محدد بزمان ومكان ، بل هو أبن الله الأزلي فعلينا البحث عن هويته الألهية التي دونها لنا البشير يوحنا في بداية أنجيله قائلاً : ( في البدء كان الكلمة ) المقصود بالبدء هنا هو الأزل أي منذ المالانهاية كان عند الله ، وبه كان كل شىء . أنه نور العالم ...وهذا النسل لا يدرك الا بالأيمان . عندما نتناول الطعام والشراب فأنها ستتحول الى أنسان . لكن عندما يتناول الأنسان بأيمان الخبز والخمر في الأفخارستيا فسيتحول الأنسان الى المسيح . وهنا سنعرف بأننا من سلالة المسيح بالأيمان والأيمان هو نداء من حضرة الله فيجب أن يتبع كما فعل أبراهيم . كما أن الأيمان هو عطية الله لنا . أبراهيم آمن فحسب له براً ، فدخل في سر الله ، ومن أبراهيم جاء الشعب اليهودي ، لكن ليس من يولد من أبراهيم يصبح أبناً له ، بل كما قال الرب يسوع : ( حتى من الحجارة يستطيع الله أن يخلق أولاداً لأبراهيم ) لهذا قال لهم : ( لو كنتم أبناء أبراهيم لعملتم صالحاً لكنكم أولاد أبليس ) . فالولادة أذاً هي روحية أيمانية وهو الذي جعل سلالة يسوع تبدأ من أبراهيم بالأيمان . رفض يسوع أخوته قبل أيمانهم به قائلاً : ( أمي وأخوتي من يؤمن بي ) فالشعب اليهودي رفضوا الأيمان بالرب فلا يعتبروا بعد أولاداً لأبراهيم . فكل الشعوب في الشرق والغرب أذا آمنوا بالمسيح فيصبحون أولاداً لأبراهيم ، وأبراهيم هو خط الأيمان بالله ، هكذا يكونوا أولاداً لله .
ما يثير أذهاننا وشكوكنا هو النسل الذي دونه لنا البشير متى لأحتوائه على أسماء أربع نساء غير تقيات ملطخات بذنوب لا تليق بنسب الرب وهُن وحسب الترتيب الزمني :
1- ثامار :- ومعنى أسمها الثمرة أو النخلة ، لكون النخلة من أكثر الأشجار ثماراً . خططت ثامار لعمل البغاء مع حماها يهوذا ونجحت خطتها فحبلت منه . الغاية من هذا العمل هو الأحتجاج أولاً ،لعدم قبول الأبن الثاني الذي تزوجها بغير أرادته ، لأنه علم بأن النسل الذي سيقيمه منها سيكون لأخيه الميت ، لذا كان يستمني على الأرض وليس في جوفها ، أي كذب على عمل الزواج ، فقبح هذا الأمر في عيني الرب فأماته . أما من الناحية الثانية فغايتها من الزنا مع عمها تحديداً هو ليس لدافع العهارة كما ظنها يهودا بل لرغبة الوصول على نسل لزوجها من عائلته لكي لا تكون ثامار بدون ثمر لزوجها الأول . لهذا أعترف يهوذا بفعلها وبعملها الصائب . فهل يعتبر هذا البغي ( بغياً مقدساً ) أو صحيحاً ؟ أنه يشبه عمل بنات لوط معه دون أن يعلم لأن الخمر كان قد نال منه . نعم يستطيع الرب أن يخرج من الخطيئة عملاً صالحاً ، أو من ( الجيفة حلاوة ) كما تناول شمشون شهد عسل من جوف الأسد المنتن . فالله يخرج من الشر خيراً . لكن نرجع ونقول بأن الولد اذا كان مبرراً من ناحية الأم بسبب غايتها ، فالمولود منها هو أبن زنا أيضاً من جهة يهوذا الأب لأن غايته كانت شريرة تتوخى الشهوة النجسة ليس الا . أي لغرض الخطيئة . كذلك سبق وأن كذب على ثامار عندما قال سيعطيها الأبن الثالث شيلا ،لكنه قال في نفسه كلا ( لئلا يموت أيضاً كما مات أخواه) " تك 11:38 "
شعرت ثامار بالظلم عندما أرسلها يهوذا الى أهلها لهذا رسمت خطتها على مبدأ ( الغاية تبرر الوسيلة ) . كان من الأفضل على يهوذا أن يأخذها قانونياً .
2- راحاب :- يعنى أسمها من يرحب ويستضيف . أنها الزانية الشهيرة في مدينة أريحا ، كانت خاطئة وغريبة عن الشعب العبراني . رحبت راحاب وأستضافت أثنين من جواسيس يشوع بن نون وأخفتهما فوق سطح دارها تحت عيدان الكتان المُكوَمة على السطح " يش 6:2 " . وكذبت على قومها ، فهل تعتبر هذه الكذبة صحيحة لأنها أرادت أن تخفي رسل شعب الله ؟ نالت هذه الخاطئة الخلاص بسبب أيمانها بالله وبقدرته فأرادت أن تعبد هذا القادر لكي تدخل في حياة جديدة معه هي وأهل بيتها وعشيرتها . " يش 25:6 " . علينا أن لا ننسى دور المرأة في خلاص شعبها لأنها السيدة ، والسيدة تمثل الشعب .
3- راعوث : أمرأة غريبة موآبية ، والمؤابيين أولاد زنا لأنهم أحفاد لوط من بناته اللّتين زنيتا معه . فالشخص القادم من مؤاب الى اسرائيل لا يستطيع دخول الهيكل الى الجيل العاشر . ومعنى أسم راعوث ، أي التي تراعي وهي الرفيقة التي قالت لحماتها نعمي ، حيث تكونين أنت أكون معك وحيث تعيشين أكون معك وحيث تموتين أموت . بهذه الأرادة صنعت كل ما أمرته حماتها ، هذه التي أرسلتها لكي تكشف جهة رجلي بوعز وهو نائم وتضطجع معه . الغاية من هذه الخطة هي الزواج من بوعز ، لكن هذا العمل يفسره كل من يراها معه بهذا الوضع وحتى وأن كان من أقرب أقرباء بوعز بأن راعوث مجردة من الأخلاق وفي عملها هذا هدف مُبيت . أما نحن فنفسره بنفس تفسير عمل ثامار مع حماها والتي كانت غايتها الوفاء لزوجها الأول . هنا ليس لزوج راعوث المتوفي أخوة أو أقرباء لكي تتزوجهم راعوث وتقيم منهم نسلاً لبعلها الراقد . لهذا لجأت الى بوعز الغريب لكي يتزوجها ، وبهذا العمل لم تكتفي راعوث بمرافقة حماتها وخدمتها فقط " 11:2 " بل أرادت أن تجلب النسل لأبن نعمي المتوفي فقبلت من بوعز رغم فرق السن .
4- زوجة أوريا الحثي : أنها بتشبع بنت اليعام ، كانت خاطئة بسبب زناها مع داود الملك . الذي رآها عارية تستحم في بيتها وهو على السطح ، فأرسل اليها رسلاً فأتت اليه فضاجعها .كان عليها أن ترفض طلب الملك مهما كانت النتائج لكي تبقى وفية لزوجها وتصون شرفها لكنها شاركت داود في الخطيئة قأصبحت مسؤولة مثله . داود نال غضب الله فأرسل اليه النبي ناثان لتوبيخه فأعترف وندم من القلب فأستحق المغفرة ، لكن أبن الزنا المولود من بتشابع لم يسمح له الرب بالحياة .
السؤال يطرح نفسه الآن ويقول : لماذا أوحى الروح الى متى البشير لكي يذكر أسماء النساء الأربعة الملطخات بذنوب وخطايا لا تليق بنسب رب المجد ؟ ولماذا لم تُذكر أسماء الأمهات التقيات العفيفات المؤمنات كأمنا سارة ورفقة وليئة وراحيل وغيرهن ؟ أذاً للوحي غاية ، والغاية هي بأن الله يريد أن يساهم الشعوب الأخرى مع الشعب العبري في خطة الخلاص لأنه القادر على كل شىء ومحب للجميع ، والخلاص يشمل جميع الأمم . كذلك أستخدم الله أخطاء تلك الشعوب لتحقيق خطته . أعطى لنا هذا النسل درساً بليغاً لكي لا ينتفخ أحداً منا تكبراً فيتباهى بأصله ونسله فيتكبر على الآخرين ، ولكي لا يفتخر كل ذي جسد أمام الرب بل على الجميع أن يفتخروا بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء . وكما مكتوب ، من أفتخر فليفتخر بالرب يسوع لأنه ليس من مدح نفسه هو المزكى بل من يمدحه الرب . ومن يريد أن يُمدح فعلاً فليفتخر بالرب لا بشىء آخر ( طالع قو 10 : 17-18 ) . علّمنا الرسول بولس بأن جميع بني البشرخطاة . أذاً لا يوجد نسل في البشرية كلها أطهر من نسل الرب الذي يحتوي على أسماء قديسين وأنبياء وآباء أطهار وكتبة أسفار وغيرهم . لكن رغم هذا وضح لنا الوحي بأن في هذا النسل أربعة نساء غير عفيفات . هذا هو قصد المكتوب لنا لكن الوحي أضاف أخيراً أسم أمرأة أخرى لكنها بتول من الخطيئة وهي أمنا مريم التي منها ولد المخلص ، والتي بتقواها بررت خطيئة كل أمرأة أبتداءاً من حواء الى العهد الجديد لكي ترفع رصيد المرأة عالياً وتعيد كرامتها ، أنها الوحيدة التي تحدت الشيطان وبنسلها سحقت رأس الحية
ورفعت بالنفس والجسد الى السماء لكي تصبح ملكة وسلطانة على السماء والأرض .
ليتبارك أسم ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وصلوات أمنا البتول تكون معنا دائماً .
بقلم
وردا أسحاق عيسى
ونزرد - كندا