أحداث لندن أسقطت نظرية الدول المتحضرة
كما هو معروف لدينا فإن مدينة لندن صاحبة التاريخ العريق والتي هي عاصمة بريطانيا العظمى أصبحت هذه المدينة هذه الأيام مسرحا لعمليات نهب وشغب وحرق وغيرها من الأمور الفظيعة التي تحصل هناك .
فالفكرة السائدة لدينا هي عند سماعنا كلمة (نظام) يرتبط ذهننا بالانكليز الذين عرفوا دائما بالنظام ودقة المواعيد وانجاز الأعمال على أكمل وجه ولكن الذي يحصل في لندن اليوم يدعو إلى التساؤل أين الأجهزة الأمنية والإمكانيات التقنية المتطورة وكاميرات المراقبة والمروحيات المحلقة من كل ما يحصل ؟
إن انتشار العنف في عدة مدن انكليزية يوضح لنا مدى الكبت الذي كان يعاني منه المواطن الانكليزي ومدى ضغوط الحياة على كاهله من ضرائب عالية وإيجار وفواتير ماء وكهرباء ومصاريف مدارس وغيرها مما دفع بكثير من الناس إلى النزول إلى الشارع والتنفيس عن غضبهم من خلال كسر زجاج المحلات وإحراق مراكز الشرطة وسرقة الأسواق والمطاعم والمتاجر.
تعتبر بريطانيا من الدول الداعمة للحرية وللدفاع عن حقوق الإنسان ولكن أعمال الشغب الحالية أثبتت عكس ذلك حيث أن شرارة الأحداث بدأت عند انتشار خبر مقتل مواطن اسود على يد الشرطة في ظروف غامضة ولا نعرف متى سيتم الكشف عن هذه الظروف في بلد يدعي انه يتسم بالشفافية والوضوح ولكن ما نراه في الواقع غير ذلك تماما واليوم الحكومة البريطانية تدفع ثمن سياستها الداخلية الغير الناجحة والتي أدت إلى هذا الانفجار الفوضوي البشري في لندن ومدن رئيسية أخرى.
إن السياسية البريطانية لا طالما عرفت بتأييدها للسياسة الأمريكية أصبحت هدفا استراتيجيا للعديد من الجماعات المتطرفة التي تجد في انكلترا عدوا لدودا لمحاربتها الإرهاب بصورة
كبيرة وإرسالها لجنودها إلى العراق وأفغانستان مما ولد كراهية لدى الكثير من الفئات المجتمعية وخاصة في داخل بريطانيا .
إن التمييز العنصري لدى الانكليز هو احد أسباب الشغب لشعور أغلبية الجاليات هناك إنهم يعاملون بمستوى اقل من الانكليز أنفسهم وبذلك تولدت طبقة من الحقد والشعور بالظلم لدى الجاليات وخاصة الجالية العربية التي تعاني الكثير من التمييز العنصري .
سمعت من مواطنين عراقيين يعيشون في العاصمة لندن ان ما يحصل هناك من أعمال فوضوية وقطع للطرقات وانتشار كثيف لعناصر الشرطة وفقدان الأمان يذكرنا كأننا في العراق عندما حصلت فيه هذه الأمور خلال السنوات الماضية.
وإننا بدورنا قلقين على شعبنا المسيحي المقيم هناك الذي يوم خرج من العراق قلنا إنهم انتهوا من المشاكل وذهبوا إلى مكان فيه أمان واحترام ولكن ما نراه يثبت ان الغريزة البشرية لا يمكن السيطرة عليها بالكاميرات والأمن ولكن يمكن ذلك باحترام الإنسان وعدم التمييز العنصري والمساواة في الحقوق والواجبات .
مما تقدم يتبين لدينا انه لا عتب على الدول العربية مما يحصل فيها من مظاهرات وتخريب وقتل لأن هذه الدول تعاني أصلا من طائفية وعنصرية و محسوبيات وعدم مساواة وظلم كبير وروتين معقد في مختلف مجالات الحياة.
لقد كنا نعتقد إن أعمال الشغب والنهب ممكن ان نراها في دول العالم الثالث ولكن أحداث لندن الأخيرة أثبتت انه لا يوجد مكان في العالم بعيد عن الفوضى وكل البلدان معرضة لذلك وحسب اختلاف الأسباب من بلد إلى أخر.
إذن الفوضى لا تعرف متحضر أو متخلف ، شرقي أو غربي ، دول متقدمة أو دول نامية ، ولا تميز الفوضى بين العرق والدين بل تعرف كيف تشق طريقها حتى في قلب أكثر المدن تنظيما كلندن .
هنري يوخنا
henry.youkhana@yahoo.com