سلامة الصالحي... شاعرة في مهب الحب والامل

المحرر موضوع: سلامة الصالحي... شاعرة في مهب الحب والامل  (زيارة 2105 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فوزي الاتروشي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 276
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



سلامة الصالحي... شاعرة في مهب الحب والامل

فوزي الاتروشي
 وكيل وزارة الثقافة

   الشعر جميل حين يكون واضحا وشفافا يدخل دون اذن الى القلب والعقل، وهو جميل جدا ومؤثر وفاعل ومتفاعل حين يكون بسيطا دون ابتذال ومكثفا دون استطالات وحشو، ومختزلا دون شروحات قد تليق بالمقال، ولكن ليس بالجملة الشعرية الخاطفة.
   ان الشعر اعلان يتحاشى التفاصيل المملة وتلميح واشارة وايماءة لا تقتضي بالضرورة التصريح وهو ايجاز سهل التسرب الى مسامات الانسان، وبهذا يكون طويل الاقامة فيها دون ضجر او ملل. ومن هنا تأتي لذة تكراره كل مرة، وكل تكرار يشد العواطف كأنه كتب توا. والشاعرة سلامة الصالحي التي تفرح اذ تسمى الشاعرة السومرية تنتمي لهذا السياق الشعري الذي هو الاجمل والانقى والاكثر انطباقا على تعريف الشعر. واذ اسجل هذه السطور اعترف انني لست ناقدا، بل شاعر وقارئ نهم للشعر، فهي اذن انطباعات وليست دراسة نقدية.
   اهدتني الشاعرة سلامة اربعة دواوين حفزتني بعناوينها للدخول الى غابة المتن لاكتشاف ما فيها من ظلال واشجار وثمار وزوايا ندية. والدواوين هي (ذاكرة الجرح) و(احلام الرماد) و(جنوب تنحته الانوثة) و(غيمة الشيطان). هذا الهجوم الشعري عليَّ من قبل الشاعرة وضعني امام اختيار عدم الخوض في تفاصيل كل قصيدة واللجوء الى مشتركات القصائد التي تنبيء عن الانواء والمناخات السائدة في ذاكرة الشاعرة وعالمها والعام والمشترك هو بوابة لمعرفة الخاص وتوقع مافي الثنايا البعيدة، والعنوان احيانا كثيرة اشارة لما في زوايا القصيدة من كنوز ومواقع وارفة الظل.
   بعد ان قرأت قصائد منتقاة من الدواوين رجعت الى مقدمة ديوان (ذاكرة الجرح) اذ يقول الكاتب جواد الشرهاني فيها ((الكلمات المفعمة بالامل رغم العتمة التي تجتاح عروق الانسان)) وفي توطئة الديوان نفسه تقول الشاعرة ((بالحب سأقاوم جروحي)).
   هذا هو المفتاح الاول لكتابات سلامة الصالحي وهو الفرح والامل المضيء، لذلك تفرح لانه ادخلها ((فردوسا أخضر.. ستائره خضراء.. ارائكه خضراء وقلبه اخضر)) اما وردتها الحمراء فهي ((تنضح عشقا وصلاة))، انه الامل والتفاؤل والفرح يصنع الحياة حتى حين تكاد تغرق في الحزن والالم، الم يقل نجيب محفوظ ان لايأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس؟. ومن الفرح تنبت ارادة الاصرار على تلوين الليالي والنهارات بالبسمة والحب والحنان والقناديل الخضراء والتواصل مع الآخرين وتمزيق شرنقة الوحدة وبناء الجسور. ونقيضه الانطواء على الذات وغلق المسالك واطفاء الشموع وحرق العمر بدموع تقتل في العيون منابت الجمال.
   مع التفاؤل والفرح تنفتح البوابة الثانية التي يطل منها شعر سلامة الصالحي على العالم المترامي الاطراف بالحب ورعشته وقلقه وتوتره وفجاءته وبراءته ودهشته. فالحب بكل معانيه الوجدانية الشاملة والعميقة هو الاطار الواسع للوحة التشكيلية لشاعرتنا مع اختلاف وتنوع الالوان والاغراض وطريقة الرسم بالكلمات.
   دعونا نرحل في بساتين نصوصها وسلة ثمارها اليانعة:
       في الليل يغزوني طيفك كالمطر
       يبللني يملأني فرحا
 
       صوته مثل نواقيس كنيسة
       تدعوني لصلاة الآحاد

وتذهب الشاعرة ابعد من تساقط المطر اللذيذ وحميمية قرع النواقيس لتبدو طفلة امام هذا الصوت فتصفه بانه:
      علّمني اول درس في الحب
       أوّل اغنية يعزفها قلبي

وفي قصيدة (جبين الوردة) تبدع الشاعرة في ابتكار جمل شعرية تتوفر على قسط كبير من اناقة التعبير واخضرار الصورة، وهي تعلن دعوتها للعودة الى هدوء الحب وصد عاصفة الغضب:
       إهدأ ستموج الريح بنيرانك
       إهدأ وقل غزلا في الحب ولو قليلا
       إهدأ وضع رأسك فوق جبين الورد

وتبلغ الجملة هنا ذروتها من الطاقة التعبيرية تجعلنا نحشد لها العواطف اذ تبلغ درجة الاتقاد، فهي اذ تحرضه ان يلقي برأسه على جبين الورد فلكي:
       يحتفل الورد بعطرك..
       بمجدك.. بالحب..
       ولتفخر تلك الوردة
       بمجد يديك

انه، اذن، حبيب تتمناه الوردة لتشبع عطرا وتتمناه الارض لتشبع ربيعا وتذوب الشاعرة فيه وتتقدم منه وهي تنشد:
      يوما ما سآتي نحوك مثل غزال برّي
       وارمي فوق الكتفين راسي المتعب
       وأطوّق بالحب عيونك
       ولن ادعها ترحل عني

وفي النهاية نكتشف انها احبته ومنحته العمر لانه يشبه العراق
       احببتك لانك تشبه العراق
       صبور.. قامتك كبرياء
       اصابعك سعف مورق
       وخطاك احتفال

ان حب الشاعرة ليس رذاذا، بل هو مطر يهطل بغزارة وهو لايجري بتأني، بل يفيض ويجتاز الحواجز والسدود ويغمر الضفاف موزعا اشواقها لاصدقاء الكلمة والجدة التي تروي لليل حكايا اذ الام متكأة فوق وسادتها، ولأخيها الراحل حسين الذي طالما اعطاها قطعة حلوى او قصصا واشعار، وللمواعيد على شط الفرات وللارض التي كانت جرحا يملأها وجه العراق.
   اما وصاياها لابنتها (هالة) فهي مرآة تكشف خبايا نفسية الشاعرة النقية الخالية من الشوائب ومن بينها:
       انصتي لصوت السماح والمحبة
       احبي الموسيقى انها لغة الملائكة
الكتب جنتي في هذا العالم حاولي دائما
       العيش فيها

الشاعرة بكل بساطة مشروع امل وحب وحزمة شموع وضاءة وشفافة نفتقدها اليوم كثيرا وما احوجنا اليها.. في عراق تكاد تكون مظاهر التصحر والجفاف تفقدنا لذة الاحلام اذ تحيط بنا الاسلاك الشائكة.
   ختاما اعتذر للشاعرة لانني دخلت عالمها الشعري بتأشيرة ترانزيت مؤقتة.. واملي ان تطول فيه اقامتي مرة اخرى لاكتشاف كل التضاريس والتمتع بسبر اغوارها.