لمناسبة محاكمة الطاغية:
لقد تالمنا بالامس معا.. فلنفرح اليوم معا..
[/b]
عمانوئيل خوشابا
عضو قيادة الحزب الوطني الاشوري
عندما يتسنى للقارئ قراءة هذا المقال تكون المحكمة الخاصة بمحاكمة الطاغية واركان نظامه عن جرائمهم في حملات الانفال قد بدات، لتبتدا معها واحدة من اهم محاكمات العصر.
ان اهميتها ليست بكونها محاكمة لنظام طاغية فحسب، ذلك ان التاريخ الحديث، وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية، قد شهد محاكمات لانظمة اجرامية. الا انه وحتى في هذا السياق فان المحاكمة هذه هي فريدة ولها من الاهمية الكثير كون محاكمة نظام الطاغية هي سابقة في تاريخ شعوب الشرق الاوسط المبتلية بانظمتها.
اهمية المحاكمة وتفردها هي ليست فقط في ماهية المدعى عليهم من اركان النظام، بل في ماهية الجريمة.
الانفال فاقت في وحشيتها وبشاعتها حملات الاعدامات التي رتكبها نظام الطاغية في الرد على محاولات الاغتيال او الانقلاب التي تعرض لها من قبل احرار العراق وقواه السياسية.
الانفال جريمة ابادة استهدفت البشر والحجر.
الانفال جريمة ابادة على الهوية القومية.
الانفال جريمة ابادة استهدفت تاريخ ومستقبل الانسان والشعب والوطن.
ما يقارب العقدين وارواح مئات الالاف من ضحايا الانفال تنتظر هذه اللحظة.. لا اقول لحظة الانتقام بل لحظة احقاق الحق والعدل بحق المجرمين الذين لم توبخهم ضمائرهم وهم يرتكبون جرائمهم ضد الاطفال والنسوة والمسنين.. ضد الجبال والوديان والبساتين.. ضد ينابيع المياه والشجر والطير..
انها فعلا لحظة تاريخية ان تاخذ العدالة مجراها، وان كانت متاخرة عشرون عاما.
انها اقل مواساة واجبة لابناء وعوائل وشعب شهداء الانفال..
لم يكن صدام حسين عادلا إلا في ظلمه الذي وزعه بين جميع العراقيين حيث نال كل عراقي من تلك المظالم ما لا يقوى عليه حتى ايوب النبي الصابر.
الا ان عدالة السماء تمهل ولا تهمل.. واليوم يقف الطاغية أمام القضاء لينال جزاءه العادل على ما اقترفته يداه من آثام تجاه الشعب الذي حكمه بالحديد والنار طوال ثلاث عقود، وتجاه اولئك الابرياء.
الكلمات ربما لا تسعفنا او ترضينا، وربما لا تشفي غليلنا..
ان ما نشعر به اليوم هو خليط من الفرح والحزن.
فالفرحة بانطلاق المحاكمة لا تسعنا لأن دماء وصرخات وانين الاطفال والنساء والشيوخ ما زالت تتردد في اذاننا وعقولنا وقلوبنا. ان هول الجريمة وبشاعتها جعل اصوات ضحاياها تتردد كل يوم في كل بيت وفي اعماق كل فرد، يغذيها المصير المجهول للالاف من الضحايا.
لن يغيب عن بالي بكاء الشيخ الطاعن على احفاده الذين كبلتهم ايادي لا ترحم.
ولن تغيب عن ذاكرتي المرأة المسنة وهي تنتحب أبنائها وزوجاتهم الذين سيقوا إلى اقفاص الاسر ثم إلى المجهول المحتوم.!
ربما سيعيد وقوف صدام ومعاونيه في قفص الاتهام شيء من الحياة لتلك الوجوه التي فقدت اعزائها وفلذات أكبادها، لكن بالتأكيد لن تكون الحياة كلها.
وعلينا ان ندرك مهما تجبر الانسان وطغى لابد له ان يأتي اليوم الذي يقف فيه أمام العدالة لتقتص منه ومن طغيانه ، فلكل آن آوان ولكل حادث زمان، والزمان اليوم هو لانتقام الضحايا من جلاديهم بالعدالة والقانون .
المحاكمة وقبل كل شيئ هي انتصار لمبادئ العدالة الانسانية التي لا تسمح للمجرم التنصل من جريمته مهما تقادمت، وبذلك تكون المحاكمة انتصارا لكل ضحايا الانظمة الاستبدادية في مشارق الارض ومغاربها.. وبذلك تكون المحاكمة مساهمة كردستانية عراقية في احقاق مبادئ العدالة الانسانية وقيم العصر.
كما ان المحاكمة هي مواساة ورد اعتبار لضحايا الانفال في احقاق حقهم الذي لا يقتصر عند حدود العقوبة الجزائية بالمجرمين بل بتشريع وضمان الحقوق المعنوية والمادية للضحايا وذويهم وعوائلهم.
المحاكمة من جهة اخرى هي خطوة اخرى لتحصين العراق، شعبا ووطنا، من جرائم ابادة اخرى، لا سمح الله. فمعاقبة مرتكبي جرائم الانفال هي عبرة للتاريخ والمستقبل..
فلو كان مرتكبوا مذبحة سميل 1933 قد حوكموا لما كان العراق والشرق الاوسط ساحة لجرائم لاحقة.
ولو كان المجتمع الدولي قد حاكم النظام على جريمة حلبجة لما كان تجرأ لارتكاب جرائم الانفال والاهوار وغيرها..
مثلما ان المحاكمة هي شهادة اخرى على الشراكة بين الشعبين الكردي والاشوري.
فجرائم الانفال اثبتت ان الشعبين يتقاسمان الالم والفرح.. الفشل والنجاح.. التاريخ والمستقبل..
فالانفال جريمة استهدفت كردستان شعبا وارضا دون تمييز بين دين واخر، بين مذهب واخر، بين منطقة واخرى، بين عشيرة واخرى، بين قرية واخرى، بين عائلة واخرى.. فالجميع مستهدفون.
اكثر من اربعة الاف قرية دمرتها الانفال بينها اكثر من مائة قرية اشورية.
عشرات الالاف من الضحايا من الكرد والاشوريين ممن تم نقلهم الى صحارى العراق ودفنهم احياء فيها.
عشرات الالاف من البيوتات والمدارس والجوامع والكنائس والاديرة سويت مع الارض.
وعلى هذه الشراكة يجب ان نبني نحو المستقبل لنعيد لاطفال اليوم والغد ما حرم منه اطفال الامس، اطفال الانفال، من البسمة والفرح.[/size][/font]