انتقال مريم العذراء الى السماء
أن ربّنا يسوع المسيح ابن الله الحي اذ قام من بين الاموات وصعد الى السماء , ترك أمه الطوباوية على وجه الارض لتبقى نورا وعونا للكنيسة الناشئة حديثا , فسبقها هوله المجد بصعوده الى السماء , والعذراء مريم بعد مفارقتها ابنها لبثت مشغولة في القدس (ا ورشليم )بتأمّلات شتّى مقدّسة تثير فيها التشوّق والتحرّق الى الوصال ولقاء بشخص ابنها الكلمة الالهية , فكانت تمهّد وتهدّئ هيامها بزيارة الاراضي المقدسة والتردد في المواضع التي صارت مشهدا لاسرار ابن الله الذي هو( كلمته و روحا منه وهو المسيح ) واياته واعماله , وبعد ان تأصّلت وتقوّت الكنيسة في كل النواحي , سألت مريم ابنها المسيح ان ينقلها اليه , فسيّر اليها ملاكا يبشّرها بأن قد تحقق مارغبته وجاء وقت رحيلها , من هذه الدار الى دار الفردوس .ففرحت فرحا عظيما , وشاع هذا الخبر وشرع الناس يتقاطرون الى عليّة صهيون لحضور هذا المشهد , واتوا بعطور وطيب ووقود ومصابيح لزفّها على نسق العادة الجارية لديهم في تلك الايام , والله جعل هذا الخبر يصل الى مسامع الرسل قاطبة , وكانوا يومئذ متقرفين في العالم للانذاربالكرازة ( التبشير) , واحضرهم في طرفة عين الى العليّة المشار اليها , فلمّا شاهدتهم محيطين بها , ادّت الشكر الجزيل لأبنها العزيز على هذه النعمة الخصوصية , واقبلت تسلّي قلوب الرسل الكئيبة , وحرّضتهم على حسن الاهتمام بحاجات المؤمنين والقيام بأمور الكنيسة الناشئة حديثا , ثم باركتهم وتوادعت معهم , فحنّت قلوبهم وسكبوا الدموع الغزيرة . وحينها نزل ابنها مصحوبا بصفوف الملائكة فنهضت قدّامه وداخلها الهيام والتشوّق الى حضور ساعة اقترانها به في الملكوت , ثم انضجعت على فراشها انضجاع النوم, وحينها انفصلت روحها السعيدة من جسمها بدون ان تشعر بعذاب او وجع او ضيقة ابدا . وكان ذلك ليلة اليوم الخامس عشر من شهر اب ( اغسطس ) سنة سبع وخمسين بعد الميلاد وسنة 23 بعد الالام المخلّص , وكان لها من العمر نحو اثنتين وسبعين سنة ... ان اللسان لعاجز عن التعبير عن الفرح الذي شملها اذ استقبل روحها الطاهرة ابنها الالهي وابتهج بها ابتهاجا وادخلها السماءبرهج واحتفال , وأيّ بشر يمكنه ان يصف الاستقبال والزفاف الذي صنع لها الملائكة في مرابتهم بأسرها والقديسون بأجمعهم وهم ينشدون الاناشيد السماوية في مدحها ويترنّمون بالترانيم الرخيمة العجيبة لزفافها وقد ذابوا قاطبة اندهاشا من سناها وضيائها, ان الارض نفسها في ذلك اليوم من اقصاها الى اقصاها ارتجّت بتهاليل السرور والمدح , وتعبّق الكون بأسره بالروائح الذكيّه العطرة المنبعثة من جسد مريم الطوباوي الطاهر . وبعد صعود روحها السعيدة الى السماء , حمل الرسل جسدها بأفضل اكرام واحتفال الى الجستمانية ووضعوه في قبر , وحينها حدثت ايات ومعجزات وكرامات شتّى عن يدها , واقام الرسل حول القبر مدة ثلاثة ايام حرمة واكراما لذلك الجسد النقي الطاهر البرئ من دنس الخطيئة الاصلية (المحبول به بلا دنس اصلي) ,فلا يمكن ان يداخلنا ادنى شك من ان مريم العذراء الطاهرة البريئة من كل خطية اصلية وفعلية وهي ام الله او والدة الاله, اصابها هي ايضا الموت,والموت كما نعلم هم عقاب الخطية في حكم الله وجزمه , ونعلم جيّدا ان يسوع المسيح الخالي من كل خطية وهو عنصر القداسة والطهارة الذي ذاق كأس الالام لم يذق الموت , فكان مناسبا ان تختص العذراء التي شاركته الفداء بما اختص به ابن الله تماما (كلمته وروحا منه ) وهي امّه . أن احد الرسل تلاميذ المسيح لم يكن حاضرافي حين موت العذراء فوفد في اليوم الثالث , فطلب ان يفتح القبر ليشاهد جسدها وبتبارك منه ,فلمّا فتحوه لم يجدوا جسد البتول مريم بل وجدوا اللفائف والاكفان لاغير , فتأكد لديهم ان جسد الطاهرة مريم عادت اليه نفسها وقارنته , فانتقلت هي نفسا وجسما الى السماء . وليس في ذلك ادنى شك لان المسيح كلمة الله الازلية القدّوس تكوّن جسده من جسدها , وكما ان ابنها لم يطرأ الفساد على جسمه المأخوذ من جسمها بل عادت اليه روحه وانتعش وقام في اليوم الثالث , كذلك العذراء مريم الطاهرة لم يتغلّب عليها الفساد كما قال القديس اوغسطينس بل اقترنت به من جديد وانتقلت الى السماء ,واثباتا لذلك فاننا لانجد في المعمورة كلّها اثرا لجسد العذراء ,مع ان رفات القديسين والقديسات وصلت الينا , وبانتقالها الى السماء اضحت سلطانة السماء والارض ,سلطانة الملائكة والبشر ,سلطانة الوردية المقدّسة , مثلما ابنها هو سلطان الخليقة بأسرها, وهي بجانب ابنها تتشفّع في خير الناس ,ان الكنيسة كلّها في كل الاجيال وفي كل الاماكن تمسّكت بعقيدة انتقال العذراء الى السماء بالنفس والجسد, واتخذتها من الحقائق التي لايشوبها ريب, وثبّتت هذا العيد منذ قديم الزمان واحتفلت به .
سمير شيخو