بلدانيات سهل نينوى - الحلقة الثالثة
بقلم : حبيب حنونا
ألقوش
تقع بلدة ألقوش على بعد 45 كم شمالي مدينة الموصل في صدر جبل يعرف يإسمها ، وهي ترتفع عن سطح البحر بحوالي 600 متر ، حاليا هي مركز ناحية تعرف يإسمها وتتبع إداريا الى قضاء تلكيف ضمن محافظة نينوى . تتميز بلدة ألقوش بموقع طبيعي أخاذ ، يحدها من الشمال جبل ألقوش ، ومن الجنوب سهل فسيح خصب الترية تكثر فيه الحقول والبساتين الجميلة وتنتشر فيه بعض التلال والهضاب يسموها الأهالي بالكنود . أما من الشرق فيحدها بعض القرى المسيحية والأيزيدية وسلسلة جبال باعذرا ، أما من جهة الغرب فيحدها كلي بهندوايا الذي يعتبر رافدا من روافد نهر دجلة . يقطنها ما يزيد على العشرة الاف نسمة يتبعون الكنيسة الكلدانية .
إختلف الباحثون في أصل تسمية ألقوش ، ولهم في ذلك أراء عديدة ، فالبعض يقول إنها تسمية تركية مركبة من مقطعين (آل) بمعنى الأحمر ، و(قوش) بمعنى الطير ، فيكون معناها الطير الأحمر . غير أن هذا الرأي مدحوض ، إذ ان ألقوش وردت في العديد من المصادر التاريخية السابقة للعهد العثماني بقرون عديدة ، وفريق آخر يعتقد بأنها تسمت نسبة الى (ألقون) والد النبي (ناحوم) ، غير أن هذا الرأي تنقصه الأسانيد ولا يمكن الركون عليه ، لأن النبي ناحوم كان يدعى (بالألقوشي) مما يدل أن ألقوش (العراقية أو الفلسطينية) كانت موجودة قبل النبي ناحوم التي ينتسب إليها ، والبعض الآخر يقول إنها تسمية آرامية مركبة من كلمتين (إيل) أي بمعنى إله ، و (قشتي ) أي بمعنى قوسي ، وقد أصاب أصحاب هذا الرأي جانبا من الصواب . أنا أعتقد أن تسمية (ألقوش) هي تسمية أرامية مركبة من كلمتين (إبل) بمعنى إله و (قوشتا) بمعنى الحق ، وهي متأصلة من التسمية الأشورية الأكدية (إيل – قوشتو) أي بمعنى إله الحق أو إله القوة . فلفضتها يجب أن تكون (إلقوش) بكسر الألف وليس (ألقوش) بفتح الألف ، لأن الأصل الأرامي والأكدي هو (إيل قوش) وليس (آل قوش) .
لقد حازت ألقوش شهرة واسعة وذلك بفضل إنتساب النبي ناحوم إليها ، وهو أحد الأنبياء الأثني عشر الصغار ، وقد كتب أسفاره في عهد الملك حزقيا (726 – 697 ق م ) وهي من ضمن أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس . هناك بلدتان تحملان إسم (ألقوش) ، إحداها في فلسطين وقد ذكرها القديس هيرونيموس في الجيل الرابع الميلادي على إنها قرية من قرى الجليل بالقرب من عماوس ، والأخرى في شمال العراق موضوع البحث ، والحقيقة التي لم يستطيعوا علماء الكتاب المقدس الى أي من هاتين البلدتين ينتمي النبي (ناحوم الألقوشي) . ولكن من يطلع على سفر ناحوم والتفاصيل التي ذكرها في نبوته عن دمار نينوى ، يستطيع القول أن النبي ناحوم إن لم يكن من مواليد ألقوش العراقية ، فبالتأكيد عاش فيها فترة من حياته ، ومن المرجح أن النبي ناحوم كان من ضمن الأسرى اليهود الذين سباهم الملك الأشوري سنحاريب ( 705 – 681 ق م ) إثر حملته على فلسطين في حدود عام 701 ق م وتم إستيطانهم في مناطق متفرقة من الأمبراطورية الآشورية . رغم عدم ورود إسم ألقوش في المدونات الأثرية الأشورية القديمة ، فإنها بلا شك كانت قائمة أيام الدولة الأشورية بدلالة إسمها ووجود ضريح النبي ناحوم فيها (القرن الثامن ق م ) . أما المراجع الكنسية فأن أقدم ذكر لها هو في سيرة الربان هرمزد والربان يوزاداق في الجيل السادس الميلادي وما ورد في كتاب إيشوعدناح مطران البصرة في الجيل الثامن الميلادي . وفي دير السيدة مخطوطة لداديشوع قطرايا كتبت سنة 1289 م أشار كاتبها الى انها كتبت في دير الربان هرمزد قرب ألقوش . ومع قدوم الربان هرمز الى جبل ألقوش وتشييد ديره في سفح هذا الجبل تقاسمت بلدة ألقوش ودير الربان هرمزد التاريخ المشترك ، فقلما تجد مصدرا تاريخيا يتكلم عن الدير دون أن يشير الى البلدة . ومن المصادر المهمة التي ورد ذكر ألقوش فيها كتاب المجدل لعمرو بن متي الطيرهاني ( الجيل الرابع عشر الميلادي ) في ترجمة الجاثليق إيشوعياب الجدالي ، إذ يقول : " ان في أيامه كان ربان هرمزد القديس صاحب دير ألقوش ببلدة الموصل " . والمصدر الآخر هو التاريخ السعرتي لمؤلف مجهول ، فقد ذكر في ترجمة حياة الربان هرمزد ، إذ يقول : " أنه سكن جبل بانهدرا في مغارة مع ربن يوزاداق بالقرب من قرية ألقوش " .
تكثر في محيط ألقوش العديد من المواقع الطبيعية المتميزة كالكهوف والعيون والوديان والتي تعتبر من المناطق السياحية يرتادها الألقوشيون مثل كبا سموقا ، كبا مكوركما ، كبا د مايا ، نطوبا ، شويثا د كناوي ، عين صريا ، عين سقيا ، عين الكنيسة ، ريش ريشا (قمة الجبل ) ، رمتا د جونقي ، أقلا دكباري .
لقد تعرضت ألقوش خلال الخمسة القرون الأخيرة الى نكبات عديدة نذكر منها ما هو موثق ببعض المصادر التاريخية : ففي عام 1596م ضربها مرض الطاعون وراح ضحيته سبعمائة شخص وذلك إستنادا الى قصيدة للقس إسرائيل الألقوشي يرثي فيها حال ألقوش ، كما كانت هذه البلدة ضحية من ضحايا غزوة نادر شاه الفارسي عام 1743 م حيث عاثت جيوشه فسادا فيها وفي دير الربان هرمزد ، إذ جاء في مخطوطة كتبها القس حبش بن جمعة مؤرخة في سنة 2057 يونانية (1746 م ) وبعد أن يصف أعمال التخريب والدمار التي أجراها في كركوك وأربيل ، فيأتي الى وصف ما حدث في منطقة الموصل ، فيقول : " أولا نهبوا وسلبوا سكان كرمليس وخطفوا الأطفال والبنات والأموال . وهكذا فعلوا بأهالي برطلة وقتلوا بعض رجالهم وسبوا عددا كبيرا من الأطفال والبنات والنساء ولم يتركوا لهم شيئا وسبوا قرية تلكيف وألقوش ، إلا أن أكثر السكان هربوا وإلتجأوا الى دير الربان هرمزد في الجبل وهناك أدركتهم العساكر وهجمت عليهم كالذئاب ، فقتلت بعضهم وأسرت غيرهم وأرتكبت فضائع لا توصف ... ولا يمكنني يا إخواننا أن أذكر بالتمام ما حدث في هذه البلاد " (عبد المسيح بهنام : " قره قوش في كفة التاريخ " ص 109) . وفي سنة 1778م فتك مرض الطاعون بالبلدة ثانية وأباد من سكانها جمع غفير ، وكان من بين المتوفين البطريرك إيليا الحادي عشر ، كما تعرضت ألقوش لغزوة عساكر موسى باشا حاكم العمادية عام 1828 م بتحريض من أصحاب النفوس المريضة وذوي النفوذ في المنطقة للأعتداء على دير الربان هرمزد فقبضوا على القس حنا والراهب يواكيم وكيل الدير وسلبوا كل أمتعة الدير ، وكان حاكم العمادية قد ضبط ألقوش بأمر من والي بغداد سنة 1829م إلا أنها رجعت الى قاسم باشا بأمر من رئاسة الدولة بعد سنتين . كما تعرضت ألقوش للنهب والسلب من قبل حاكم راوندوز الملقب بميركور عام 1832 م وقتل من سكانها 400 شخص وكذلك عام 1833 م وقتل من سكانها 172 رجلا عدا النساء والأطفال ، وللقس دميانوس حنا كونديرا (ت 1848م ) قصيدة كلدانية مطولة يصف فيها المجازر التي إقترفها محمد باشا ميركور ، كما تعرضت أيضا لأعتداء رسول بيك شقيق ميركور عام 1840 م وسرق مكتبة دير الربان هرمزد وأشعل النار فيه .
كنائس ومزارات ألقوش :
يستفاد من سيرة الربان مار ميخا النوهدري (أصله من نوهدرا – دهوك الحالية) ، أنه عند قدومه الى هذه البقعة في حدود عام 414 م كان في إستقباله كهنة وشمامسة القرية ، مما يدل على وجود كنيسة قائمة يقوم على خدمتها كهنة وشمامسة ومؤمنون قبل قدوم هذا الراهب ، ومن المعتقد أن موقع الكنيسة الأولى كان في المكان المسمى ( شويثا د كناوي ) حيث كان مقاما فيه معبدا وثنيا على ما يعتقد .
دير الربان هرمزد : يقع هذا الدير في سفح جبل ألقوش وعلى إرتفاع 500 متر ويبعد عن ألقوش بحوالي كيلومترين من البلدة ، أسسه الربان هرمزد الفارسي رفيق الربان برعيتا في حدود عام 640 م ، وإستنادا الى ما ذكره إبن المقدم أن أمير الموصل ( عتبة بن فرقد السلمي ) ساعد الربان هرمزد في بناء ديره مكافئة منه في إبراء الأمير من مرض عضال . وبعد أن إستكمل بناء الدير إلتحق به خمسون شخصا من مدرسة (إيثالاها) في نوهدرا – دهوك ، ومن ثم إبتنوا لهم كنيسة في الدير ، ساهم فيها سكان القرى المجاورة ومن بين هؤلاء رجل ثري من قرية (باقوفا) إسمه خوداهي شوبحي . للدير أهمية خاصة في تاريخ كنيسة المشرق منذ أن إتخذه البطريرك مار شمعون الثالث الباصيدي عام 1480 م مقرا لكرسي البطريركية المشرقية ، وبقى هذا الدير محافظا لهذا المركز لغاية عهد البطريرك مار إيليا ( ت 1804 م ) ، وجلس فيه تسعة بطاركة وجميعهم من بيث عمون (أبونا) .
كنيسة مار ميخا النوهدري : البناية الحالية يرجع تاريخها الىى عهد مار يهبالاها الخامس ( 1578 – 1580 م ) شيدت على أنقاض دير الربان مار ميخا النوهدري في حدود عام 414 م ، وتم تجديدها عام 1876 م في عهد البطريرك يوسف أودو
كنيسة مار كيوركيس : تأسست هذه الكنيسة عام 1906 م على أنقاض كنيسة قديمة ، حيث عثر خلال عملية الهدم للكنيسة القديمة على صندوق رخامي يضم ميناث يعتقد إنها تعود الى الشهيد مار كيوركيس
كنيسة مريم العذراء : تقع هذه الكنيسة في فناء كنيسة مار كيوركيس ، وتأسست عام 1804 م وتجددت عامي 1854 م و 1930 م.
مزار مار يوسف : يقع هذا المزار شمال غربي البلدة وهو عبارة عن هيكل صغير يزوره الأهالي في بعض المناسبات الدينية وخاصة عيد مار يوسف البتول .
مزار مار يوحنان : يقع هذا المزار في عقار ألقوش الجنوبي وعلى مبعدة كيلو متر واحد من البلدة .
مزار مار قرداغ : تم تأسيس هذا المزار في عهد البطريرك مار عمانوئيل الثاني عام 1937 م وهو منسوب الى الشهيد مار قرداغ إبن كوشناي ، وكان مجوسيا (زرادشتيا) وتنصر على يد الراهب عبديشوع ، لكن مجوس المنطقة أبلغوا رجالات شابور الثاني بإرتداده عن المجوسية ، فأستدعي قرداغ أمام الملك شابور ليتم إستجوابه ، وطلب شابور من قرداغ أن يجحد المسيحية ، غير أن قرداغ رفض ذلك وأصر على عقيدته المسيحية مما أغضب شابور وأمر بقتله رميا بالحجارة وكان إستشهاده عام 359 م .
وهناك مزارات أخرى مثل مزار مارت شموني ومزار مار شمعون .
رجالات ألقوش
وعندما نتحدث عن تاريخ ألقوش لابد من الأشادة بسكانها ، فهم رجال نخوة وشهامة وشجاعة ، ولهم مواقف مشهودة في الدفاع عن أبناء الأمة وخاصة في أحداث سميل عام 1933 م . ولن ننسى أبدا الرجال العظام التي أنجبتهم هذه البلدة العريقة التي هي مفخرة لكل مسيحي الشرق ، غير أن المجال لا يسع هنا أن نذكر مفاخرهم وإنجازاتهم العظيمة ، فلقد أنجبت ألقوش رجالات مشهورين كانت لهم أدوار مهمة ومؤثرة في مسيرة الكنيسة المشرقية بشقيها النسطوري والكاثوليكي فظهر منها البطاركة والأساقفة والخطاطون والشعراء ، نذكر منهم :
البطاركة : البطريرك يوحنان سولاقا من بيث بلو ( ت 1555 م ) ،
البطريرك يوحنان هرمز ، سليل عائلة أبونا ، ولد عام 1760 ، إعتنق الكاثوليكية عام 1826 ، رسم بطريركا عام 1829 م ، توفي في بغداد سنة 1837 م .
البطريرك يوسف السادس أودو ، ولد عام 1793 م ، رسم بطريركا عام 1848 م ، توفي عام 1878 م .
البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني توما ، ولد عام 1852 م ، رسم اسقفا لسعرد عام 1892 م ، رسم بطريركا عام 1900 م ، كان عينا في مجلس أعيان العراق في العهد الملكي ، توفي عام 1947 م ، دامت بطريركيته 47 عاما وهي أطول فترة بطريركية قياسا لمن سبقوه .
البطريرك بولس الثاني شيخو ، ولد عام 1906 م ، رسم كاهنا عام 1930 م ، أسقفا لعقرة عام 1947 م ، وبطريركا عام 1958 م ، توفي في بغداد عام 1989 م .
الأساقفة نذكر أبرشياتهم مع تواريخ ولادتهم ووفاتهم : المطران أغناطيوس دشتو (1795 – 1868 ) لأبرشية ماردين ، المطران توما جرا ( 1810 – 1859 ) لأبرشية العمادية ، المطران إيليا أبونا ( 1863 – 1956 ) أسقفا لأبرشية آشور ، المطران متي شمينا (1820 – 1893) لأبرشية سنا ثم لأبرشية زاخو ونوهدرا ، المطران أرميا مقدسي (1848 – 1929 ) لأبرشية زاخو ، المطران توما أودو ( 1855 – 1917 ) لأبرشية أورميا له عدة مؤلفات من ضمنها القاموس الشهير " قاموس اللغة الكلدانية" ، المطران إسرائيل أودو ( 1858 – 1941 ) لأبرشية ماردين ، المطران حنا قريو (1872 – 1945 )لأبرشية أرادن ، المطران يوسف بابانا ( 1915 – 1973) لأبرشية زاخو ونوهدرا ، المطران يوسف توماس ، المطران إسطيفان كجو ، المطران ميخائيل مقدسي ، المطران أميل نونا رئيس أساقفة الموصل ، المطران أنطوان أودو ، المطران كوريال قودا ، المطران إسطيفان بلو
كما أنجبت ألقوش العشرات من الخطاطين الماهرين باللغة الكلدانية غير أن أشهرهم كان القس عطايا الألقوشي من مواليد القرن السادس عشر الميلادي ، والقس كيوركيس إبن القس إسرائيل إبن القس هرمز الألقوشي ( من مواليد القرن السابع عشر الميلادي ) .
المصدر :
حبيب حنونا : " كنيسة المشرق في سهل نينوى " ساندياكو 1992
حقوق النشر والطبع محفوظة لصاحب المقال ، لا يجوز النقل أو الأقتباس دون ذكر المصدر .
عن كرملش دوت نت
http://www.karemlash.net/forum/viewtopic.php?f=73&t=8121