المنظمة الآثورية الديمقراطية وأهمية الحوار
موريس لحدو
في 11/6/2006
قبل الخوض بهذا الموضوع لا بد لنا من التنويه إلى أن الخلافات التنظيمية موجودة في كافة الأحزاب والمؤسسات الحزبية والحركات السياسية وهي نتاج طبيعي تفرضه نوعية العمل ومقداره وكذلك التطور الفكري للرفاق وإمكانية إستيعابهم للأمور والأحداث الجارية والمشاكل الطارئة المؤثرة على المسيرة اليومية للعمل التنظيمي.
فالخلافات الواردة بين الرفاق يمكن إدراجها ضمن عدة عناوين أساسية, فمنها التنظيمية كما سبق ذكره, ومنها الفكرية وهي الأكثر حدوثاً, ومنها الإيديولوجية وهي الأكثر تأثيراً. فعادة تحدث تغيرات عميقة عند ظهورها مؤدية إلى تصدعات غير قابلة للإصلاح ينتج عنها إنشقاقات ضمن الحركات والأحزاب السياسية.
وقد تبين بأن العلاج الناجع لمثل تلك الخلافات بكافة أشكالها ومستوياتها هو الحوار البناء بين أعضاء التنظيم الواحد, المبني على الثقة التامة بعضاً ببعض مع الأخذ بعين الإعتبار بأن رغبة جميع المشاركين في الحوار هي النضال من أجل بناء وتطوير وتقدم عمل المؤسسة, وذلك من وجهات نظر مختلفة, يمكن النظر فيها والتعامل معها بصورة متحضرة بعيدة عن الأنانية والتعصب وإنكار الآخر.
وإننا كأبناء بررة للأوطان التي عشنا وترعرعنا فيها ساهمنا بإيجابيةً وبقوة من خلال مشاركة البعض القليل جداً من شبابنا, وبسلبية يُشهد لنا بها وهي صفة لنا رافقتنا عبر المراحل التاريخية العديدة المتصفة بالظلم والقهر والإطهاد الذي لازم شعبنا منذ سقوط سلطته السياسية في بلاد مابين النهرين.
وهنا لابد من الإشارة إلى نوعية العلاقات فيما بين سواد الشعب وقياداته السياسية والروحية في بلادنا. فالديكتاتورية هي الركن الوحيد التي بنيت عليه تلك العلاقة. والقيادة تعمل على تعظيم الذات وتقديسها على حساب السواد الاعظم للشعب وطموحاته. ففكرة, الأخ الأكبر والرفيق القائد والأب الروحي وغير ذلك من نعوت وصفات للقائد العظيم الأوحد, هي المسيطرة والمروَج لها بقوة التعذيب والإطهاد والضغط الفكري والسياسي, الفكرة التي أصبحت القوت اليومي للشعب وجب عليه ترديدها عنوة في كل مكان وزمان, وأصبح الفرد يرددها كالببغاء دونما وعي أو إدراك. ومع مرور الزمن أصبحت من المرتكزات الأساسية في الخطاب السياسي لكل الأحزاب والمؤسسات السياسية. وبات من الصعوبة بمكان تجاوزها والتخلي عنها, وإن نجح أحد في الوصول إلى مركز من مراكز الإخوة الكبار أو الآباء العظام, فتراه يمارس الاسلوب ذاته. فالقائد في بلادنا يفرض قدسيته بالعصا والرشاش والمشانق على شعبه ويزيد في طلبها كلما زاد كره الشعب له, وتبدأ فكرة التألّه تتأصل في نفسه, ويصبح حسب إعتقاده معصوم عن الخطأ في كل أعماله وأفعاله, التي لاتتعدى مصلحته الشخصية دون الجميع.
ولا بد من الإعتراف بأن هذه الفكرة لبعدها عن الإنسانية ولكره البشر أجمعين لها وجدت طريقها إلى عدد لا بأس به من الرفاق في كافة الحركات والأحزاب السياسية, ومنها المنظمة الآثورية الديمقراطية, التي عانت ولا تزال من مثل أولئك, ولو بدرجات متفاوتة من التأثير والخطورة.
ففكرة, الأخ الأعظم والأب القائد الذي لايخطئ, وممارستها هي التي شلت حركة التطور في البلاد ومؤسساتها, لأن التطور هو نتاج التلاحم والإنصهار بين الأفكار المطروحة وهو الصراع الفكري والسياسي لكافة أبناء الوطن وعلى كافة المستويات. وحضرة الأخ الأكبرالذي يفرض بالقوة أفكاره على علاتها ويرفض أفكار الآخرين على كل ماتحويه من رؤى عصرية لحل المشاكل العالقة كنتيجة حتمية لتعاقب اللأجيال, ورؤيتها الموضوعية للواقع وللحلول اللازمة للتطورعلى كافة الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. ولكي يستطيع الأخ الأكبر من فرض نفسه لا بد له من ثلة على شاكلته من الوصوليين الذين يقتادون على ما يسمح لهم به وهو كثير من أجل إرساء سيطرته على المجتمع والدولة بمؤسساتها, التي يحاول دوما تحزيبها والسيطرة المطلقة عليها. وتتحول الدولة والمجتمع إلى مرتع له ولأتباعه للصول والجول فيه دون رادع, مستخدماً العصا, حالة الطوارئ, والردع والضغط الأمني الهائل والمريع لفرض سيطرته تلك. وبالتدريج تتحول الدولة إلى مجتمع بوليسي تزداد فيه السرقات من أموال الدولة والرشاوى, وتتعشعش الفوضى في كافة أركانها.
لكي يتمكن الشعب من إعادة سيطرته المفقودة على مقدرات الدولة لا بد من إتخاذ إجراءات بعيدة كل البعد عن الثورية الشاملة التي يدعيها البعض, لأنها في حال نجاحها, لن تقدم سوى أخ أكبر بديل, المجتمع والناس بغنى عنه. بل يتم ذلك من خلال تبني الأحزاب والحركات السياسية للديمقراطية شعاراً لها وتعمل على توعية الجماهير على هذه المفاهيم وماهيتها وكيفية تطبيقها, لتصبح حلم العامة وهدفهم الأمثل في التغيير المنتظر.
هؤلاء الاخوة الكبار تراهم في كل مؤسسة وركن هام من أركان الدولة والمجتمع, وهم موجودون في المنظمة الآثورية الديمقراطية لكوننا مجبولين على ذلك ونحتاج إلى جهود كافة الرفاق للتخلص من هذا الوباء الكريه, من خلال التوعية المستمرة والنداء بالديمقراطية كمرجع وقانون أساسي نبني من خلاله كافة الهيئات واللجان ونختار به قادتنا ضمن أطر مقيدة لتلك النزعة الأنانية الراغبة في التحكم والأستهتار بالآخر. لنتمكن من إختيار قادة يعتمدون على الآخر ويعملون كل جهدهم ليحوزوا على ثقة الآخرين من خلال الإقدام والتضحية والعطاء. ولتطويرطاقاتنا الفكرية فيجب علينا الإعتماد على إمكانية كل الرفاق قيادات وقواعد, وإتباع فكرة الرجل المناسب في المكان المناسب, ورفض الجمود والتقوقع على الذات والإكتفاء بواقع الحال, فذلك يعني الموت البطيء.
وفي ذات الوقت لابد من التطرق إلى الخلافات التي لابد منها بين الرفاق,على كافة المستويات, وكيفية حل المشاكل المعلقة في هذه الحالة. فمحاولة نعت الآخر بصفات غير لائقة وإدخال أطراف أخرى في الموضوع يدفع إلى زيادة الطين بلة, ويدفع الرفاق إلى إتخاذ مواقف دفاعية يصعب التراجع عنها, وذلك لأننا مازلنا نشعر بالعار عند الإنسحاب حتى ولو كان للمصلحة العامة, وكذلك لفكر الإنتقام الذي جبلنا عليه لعقود طويلة من الزمن.
وهنا لا بد من التعبير عن تقديري للرفاق ومواقفهم المشرفة, مع التحفظ على الطرق الغير قانونية المتبعة لحل مشاكلهم التنظيمية فالتجريح ليس سوى خطوة نحو الافلاس. عكس كون الخلاف فكري, حيث كان من الممكن والمنطقي اللجوء إلى كافة شرائح المجتمع للتحكم والمشورى وأخذ الرأي. علماً بأن الأفكار نفسها وعلى إختلافها قابلة للتغيير مع الزمن لتلائم حاجات البشر والمجتمعات. فالعبرة ليست في فرض الرأي ولا بالفكرة الجيدة بقدر ما هي بملاحقة تطور الافكار على خلافها, ومحاولة إرساء تلك الأفكار(سابقة لأخرى لاحقة), لأن الفكرغير محدود في علّوه وسموه, وعلينا إدراك كافة درجات سلم الصعود والإرتقاء إليه.
ومحاولة منا لإخراج المنظمة من ظلمات تخلف علاقاتها التنظيمية وجب علينا العمل من الداخل وفقاً للقوانين المعمول بها لتكون الحلول ناجعة ومؤثرة وتؤدي إلى الغرض والتطور المنشود. فالتجريح والتنكيل ليس سوى تجريد بعضنا للبعض الآخر مما نملكه من إمكانيات وقدرات ميزتنا عن الآخرين. فالمطلوب منا العمل على تطوير تلك الإمكانيات والمقدرات وصقلها عن طريق الحوار البناء والنقاش العقلاني المقبول. ولرفع مستوى الأفكار السياسية المطروحة مقارنة بالمطاليب الجماهيرية وإلحاحاتها اليومية, فوجب علينا التحاور والنقاش البنّاء وزيادة التمعن والدراسة وتقصي الحقائق وعدم رفض الآخر.
فكوني إنسان لي عقل فهذا يعني أني قادر على التفكير, فأنا أفكر, وقد يكون تفكيري مغاير لتفكير الآخرين, وما علي هنا سوى قبول الآخر والأطلاع على مالديه ومحاولة الوصول إلى الحلول الوسط (بمشاركة الجميع) فالتقارب يجب أن يتم من جميع الأطراف للإلتقاء في المكان المناسب.
"الصبر والأناة من شيم المفكرين العقلاء"
موريس لحدو[/b][/size][/font]