الأزياء الآشورية تتحدث عن نفسها!
بقلم: ميخائيل مموعادة ما تقاس حضارة الأمم بآدابها وتراثها الخالد الذي تتناقله الأجيال عبر المراحل التاريخية ، سواءاً في الوطن الأم أو في الأوطان التي يأمّوها في بقاع الأرض التي تحتضنهم. ومن ذلك التراث الخالد تستشف تلك الاجيال بدقة ما يتراءى لهم ، وتستنشق منه رائحة تلك الأصالة المتوارثة عن الآباء والأجداد لتكون بمثابة الجذور التاريخية لفروع شجرة التراث بكافة أنواعه.
من هذا المنطلق تفضل كاتب السطور وأعلن قائلاً : ( أحد أقوى عناصر القومية في حياة الشعوب المنضوية تحت لواء التسميات القومية الخاصة هو التراث المشترك بين أبناء الشعب الواحد والموحّد ، وعلى أن يكون ذلك التراث مُجسّداً من خلال الموسيقى التقليدية ، الرقص الفلوكلوري ، المأكولات الشعبية ، الحكايات والأمثال ، وبالتالي الأزياء التي هي موضوعنا لمناسبة النشاط الثقافي الذي أزمع نادي بابيلون الآشوري بمدينة يونشوبينغ السويدية وأقدم على تنظيم عرضٍ تراثي للأزياء الآشورية التي لا زال استعمالها حياً ومتداولاً في المواطن الأصلية ، حيث أعلن عنه ولأول مرة بعنوان " عرض أزياء آشورية " في الساعة السابعة من مساء الأحد المصادف 21 آب 2011 في قاعة النادي.
كما وأن لهذه المناسبة دلالاتها بما تجسده العروض بالملابس التي لها كنهتها الرمزوية مثلما كان الحال للملوك الآشوريين في عهود تسنمهم السلطة في بلاد ما بين النهرين على مدى قرون طوال ، حيث كان لكل طبقة أزياؤها الخاصة كالجنود والنواطير والنساء وغيرها من الألبسة ذات الطابع المهني والتقليدي بدلالة ما احتوته متاحف الدول الكبرى من منحوتات ومخلفات الإمبراطورية الآشورية ).
هذه التقدمة المقتضبة أوحت لي أن أشيد بجهود السيدة يوليا جيري القادمة من عاصمة الضباب لندن ، لتشارك أبناء جلدتها في بلد الصقيع والثلوج السويد ، بما حاكته وخاطته أناملها من أزياء وقبعات وأحزمة واللواحق التي تُكمل هيبة الزي الآشوري المتفاوت الأشكال ، وبرونقهِ التليد المُطعم بالعتيد من الألوان الزاهية لملائمة الطبيعة وعصر الحداثة.
ما تجدر الإشارة اليه إن السيدة الطموحة والمثابرة يوليا جيري ذات الخبرة والتجربة في هذا المجال ، ومن خلال عروضها الشهيرة التي أقدمت عليها في لندن ومغنسط آلاف المشاهدين ، استطاعت في السويد أيضاً أن تجند من النساء والشابات والشباب ليثبتوا وجودهم من خلال تحليهم بتلك الأزياء التي قاربت العشرون زياً متمثلة بالرموز المتفاوتة المنقوشة والمطرزة على كل قطعة ، إبتداءاً من الرمز القومي للعلم الآشوري ، الملك والملكة ، الناطور والأسرة الملكية ، ومن ثم الطابع المتميز لكل قرية ومدينة معاصرة من شمال ما بين النهرين ولكافة الإنتماءات المذهبية لأكثر من عشرين منطقة سكنية والتي منها : نوهدرا ، القوش ، منكيش ، عقرة ، شقلاوة ، عنكاوا ، كرملش ، الخابور ، برطلة ، بغديدا ، ارموتا ، بحزاني ، كويسنجق ، والعشائرية كالتياريين وشمزدين وغيرها... بإضافة ما يتجاوز عدده ضعف ذلك.
ولكي نلقي الضوء على ما تضمنته فقرات برنامج العرض ، قبل ذلك شُنفت آذان الحضور بإغنية وطنية بجهود عضو الهيئة الإدارية السيد يونادم يونادم ، ومن ثم بوشر العرض على أنغام الموسيقى الخلفية الهادئة بزي العلم الآشوري الجذاب ، ليتبعه زي الناطور الملكي فالملك والملكة وزي البيت الملكي لتتوالى عروض الأزياء الأخرى في منتصف القاعة بين صفين من جمهور الحاضرين وعلى ضوء المناطق المُشار اليها أعلاه ، ليتخذ العارضون والعارضات فيما بعد المكان المخصص لهم بإعتلاء مسرح القاعة وقوفاً ، جنباً إلى جنب ، حيث كان يتقدم كل عرض وجود الطفلة الآشورية الشجاعة داريبيل بمعنى حامية أو حارسة الوطن ، وهي بدورها تحمل نموذجاً من صورة الزي لكل عرض. وفي الوقت ذاته صاحب العرض تعليقاً ايضاحياً وتعريفياً عن المناطق الخاصة بإرتداء واستعمال الزي بغية تزويد الحاضرين بمعلومات تُخفى عليهم ، وخاصة من الذين احتضنتهم ديار الغربة وهم بعيدون عن الوطن الأم.
بعد برنامج العرض الذي استغرق أكثر من ساعة ونصف الساعة ، وبحضور جمع غفير من المهتمين من الأطفال والشباب والكبار من كلا الجنسين ، انبرت السيدة المصممة يوليا وشكرت الحضور على اهتمامهم وتعاون هيئة النادي على استقبالها بحفاوة كبيرة ، كما واجابت بصدر رحب على بعض الأسئلة فيما يتعلق ببعض الرموز الخاصة بالأزياء. ومن ثم تقديراً لجهودها قـُـدمت لها بإسم النادي هدية تذكارية مع التقاط العديد من الصور لمجموعة العارضين بصحبة المصممة والحاضرين الذين التفوا حولها شاكرين لها عل اتعابها.
كما وتجدر الإشارة بأنه قبل ذلك وفي بداية العرض كان قد حضر ممثلو جريدة يونشوبينغ المحلية وأعدت ريبوتاجاً خاصاً معها مع التقاط العديد من الصور وتم نشر ذلك في صباح اليوم التالي بعنوان " أزياء شعبية بألوان زاهية مفرحة ". وفي خاتمة المطاف لا يسعنا إلا أن ننشر لقطات من الواقع الذي عشناه في تلك الأمسية النادرة لتضاف الى الأرشيف التراثي.