آخر لقاء مع الفنان الراحل لوثر ايشو


المحرر موضوع: آخر لقاء مع الفنان الراحل لوثر ايشو  (زيارة 4714 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل bassamsharm

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 102
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لوثر إيشو في...
خُلاصات الألم والأمل
نمرود قاشا
Namroud_kasha@yahoo.com
لوثر إيشو آدم، مبدع عراقي ألهمته قريته "ديريه" وبعد أن غادرها مرغماً مع عائلته حيث كانت الموصل ملاذاً استمتع بدفئها وافترش ضفاف دجلتها ليختزن في ذاكرته صور البيوت الموصلية تنعكس على سطح الماء وصور صيادي السمك وهم يحتضنون شباكهم بحثاً عن الرزق الحلال. واجهات البيت الموصلي بظلاله وشبابيكه وأطواق المرمر وهي تزين رتاجات مداخل البيوت.
لوثر ايشو آدم، ولد في الزمن والمكان الخطأ، وكان بإمكانه أن يصحح الزمان والمكان ولكنه آثر أن يسير بخط متوازٍ مع محبيه وهم كثر وكان قد شعر بدفء هذه المحبة ويُقنع نفسه لأن لا يغادرها ومستعد لأن يتحمل نتيجة هذا الشعور.
لوثر.. كما غادر قريته مرغماً، غادر ملاذه الثاني (الموصل) مرغماً أيضاً بعد أحداث 2003 وقد حوصرت باشطابيا والدواسة والمجموعة الثقافية وأصبح الوقوف على الجسر (العتيق) يحمل نوعاً من المخاطرة وأصبح الدخول والخروج إلى الشوارع والأماكن العامة يحتاج إلى (فيزة) ولأنه فنان ولا يعرف غير الجمال والحب والألوان ومنظر الغروب وأشعة الشمس تتراقص على وجه دجله..
أزاء هذا الوضع لم يكن بد من هذا (الرحال) أن يحمل زوادته هذه المرّة إلى مدينة لا زال الدفء لم يغادرها بعد، تمنى- أبا مارتن- أن تكون بغديدي خاتمة مدن الترحال، ولا يغادر بيوتها وناسها إلا محمولاً على الأكتاف مطوقاً بمحبيه وهكذا كان عندما لفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي عائلته ومحبيه فجر يوم السبت 18/ حزيران/ 2011.
لوثر إيشو آدم، طفل كبير يتخذ من البراءة والعفوية عنواناً يتقدم كل العناوين في علاقته مع الآخرين. قلب كبير وبقدر الأحلام التي يخطط لها ويحاول جاهداً أن ينفذها على الواقع..
منذ صيف 2006 شارك في كل النشاطات الثقافية والفنية في بغديدي وكان لي الشرف في أن أقدمه للجمهور في محاضرة حملت عنوان "أوراق من دفتر الرسم" التي ألقاها في مركز السريان للثقافة والفنون في 12/ أيار/ 2007.
التقيته على هامش الأُُمسية الإستذكارية لشهداء سيدة النجاة والتي أقامتها فرقة مسرح قره قوش للفترة من 27 ك1 ولغاية 15 ك2 2011 للحديث عن معرضه الشخصي الأخير الذي أُقيم تزامناً مع الأمسية وطلبت منه الحديث عن المعرض وفي هذا اللقاء إتفقت معه إلى لقاء آخر شامل وقد كان حينها متذمراً من دور الإعلام في تغطيته هذه الأُمسية وتقاعسه في نشر ما تستحقه هذه الإستذكارية وفعلاً حضر إلى ستوديو الإذاعة في الموعد المتفق عليه وكان هذا اللقاء ولا أدري أن يكون آخر لقاء معه فقد كان لدي الكثير من الأمور أجلتها لمعرضه الذي كان من المزمع إقامته في عنكاوة وبإشراف مديرية الثقافة والفنون السريانية.. ولكن.. الموت لم يمهله طويلاً فقد غادر إلى الأخدار السماوية وبقي معرض عنكاوة وبيروت ودمشق والقاهرة وأوربا كلها مشاريع مؤجلة.
- لوثر ايشو آدم، أنتم لا تحتاجون إلى تعريف فأنتم علم في عالم الفن والحياة أخذ مكانه، لا بل أنتزعها من الخبرة والإبداع والتألق، ولكن لابد للمستمع الذي يعرف القليل عن هذه السارية المتألقة أن يعرف أكثر.. إذن مَنْ هو لوثر ايشو آدم؟. البدايات..؟.
البدايات، وبتواضع شديد هي بداية طبيعية في عالم الرسم ومع الرسم من خلال المراحل الدراسية الأولى الأبتدائية والمتوسطة والبداية الحقيقية فعلاً هي في الإعدادية الشرقية في الموصل فكان ذلك الموسم بحق مدرسة متكاملة المواصفات إذا جاز القول في تربية وتشجيع وإبراز طاقات مهمة جداً لمجموعة من الرسامين الأصدقاء، أذكر منهم د. خليف محمود ومزاحم الناصري وشاهين على الظاهر وهؤلاء أصبحوا أسماء كبيرة جداً ومهمة وفاعلة على المستوى المحلي والعراقي وحتى العالم أيضاً من خلال الإمكانيات التي بزخت في ذلك الشروق الجميل الذي كان يسمى الإعدادية الشرقية ومرسمها الخاص.
- ولكن.. مَنْ شجعك في الإستمرار والإبداع في الفن التشكيلي سواءً من الأساتذة والأقرباء؟.
الأساتذة كانوا كثراً، وكانوا ذوي إمكانيات عالية جدّاً وهذا معروف عن الأساتذة في الموصل وهناك أساتذة عديدون منهم مثلاً الأُستاذ عبد الغني الجوالي في مرسم الإعدادية الشرقية وسلسلة من الأسماء الكبيرة وليس آخرهم الفنان الكبير نجيب يونس وضرار القدو وراكان دبدوب وهكذا أي هناك كانت الساحة ثرية جدّاً في الأساتذة والطلبة.
- ومَنْ كان مثلك الأعلى في الفن التشكيلي العراقي؟.
مثلي الأعلى، كان اثنان وليس واحداً، إنهما جواد سليم هذا العملاق الكبير على مدى تاريخ الفن العراقي وأيضاً الأستاذ الكبير فائق حسن إلى جانب الأُستاذ الكبير نجيب يونس حيث تأثرت في طريقته بالبدايات من خلال الإهتمام باللون والتعرف على أسرار هذا الجانب.
- أُستاذ لوثر.. كيف تجد الفن التشكيلي في العراق ونينوى بشكل خاص في الوقت الحاضر مقارنة بالماضي؟.
صراحة... الفن التشكيلي العراقي في الأمس واليوم وغداً يبقى واحداً من روافد الفن العربي الأصيل، إذا لم أقل من أهم الحركات الفنية التي وجدت وستوجد من خلال عمالقة الفن العراقي، هذا موضوع ثابت لست أنا من يُفتي به، بل هو رأي النقاد الكبار والدارسين على مستوى الساحة العربية.
ويمكننا القول أن الفن العراقي رفد الفن العالمي بامكانيات كبيرة وهائلة والدليل على ذلك، عندما تتجه إلى أي عاصمة في العالم تكتشف أن عمالقة الفن التشكيلي يساهمون في بلدان قد تستغرب كيف وصلوا وكيف أسسوا هذه الأسماء الكبيرة.
- إذن.. هل يمكن القول بأن الفن العراقي يسير بخطى ثابته وخاصة في العقدين الأخيرين؟.
إن من مميزات الفن العراقي الأكيدة والأصيلة إنه فن متجذر جداً ولكن يفتح أبوابه وشبابيكه على كل الحركات المتقدمة في العالم. هذه واحدة من مميزات الفن الرافديني، أي أنه عميقة جدّاً في الأرض ولكنه يناطح السماء- إذا جاز القول- في إنجازاته فالتواصل موجود والتقدم موجود.
وفاتني أن أذكر حقيقة أُخرى- استدركها- بالنسبة للحركة الفنية في الموصل هي واحدة أيضاً من روافد الفن العراقي الأصيل.
- المعروف بأن الفن التشكيلي ينتمي إلى مدارس متعددة، التكعيبية والسريالية وغيرها، سؤالي هل هناك مدرسة حديثة متجددة ظهرت في العقود الأخيرة لا تنتمي إلى التجارب والمدارس التي سبقتها؟.
هناك.. دائماً كانت تقاس الأساليب أو الإنجازات الفنية بالمدارس المتعارف عليها والمعروفة مثل السريالية والتكعيبية والتعبيرية و.... ولكن في السنوات الأخيرة ظهر تيار عالمي جارف مهم وخطير جداً وفيه إنتقاله فكرية وفلسفية جداً عميقة، ألا وهي "المفاهيمية".
المفاهيمية، هو تيار يجمع مجموعة من الأنساق، مجموعة من الخطوط المتشابكة والمتقاطعة للوصول إلى إنجاز عمل فني ليس معتمداً على السطح التصويري فقط، بل ما يمكن أن يقدم من خلاله المعرض بدايات العرض ونهايات العرض..
- أُستاذ لوثر.. معرضكم الشخصي الأخير الذي أُقيم على قاعة فرقة مسرح قره قوش، جاء بدون عنوان، لو طلبت منكم أن تضعوا عنواناً لهذا المعرض فأي عنوان تختار؟ ولماذا؟.
لم يخطر في بالي أن أضع عنواناً للوحاتي يوماً أو حتى للمعرض.. ولكنني وبكل ممنونية يحضرني الآن عنوان ملخّص لما قدمته وهو أن هذا المعرض ممكن أن يكون تحت عنوان "خلاصات الألم والأمل" أي أن تكون اللوحات تعبيراً عن ألمي الكبير والهائل وإلى جانبه الأمل الصغير الذي يبرعم داخل أعمالي ربما...
- جميل هو العنوان (خلاصات الألم والأمل) ولكن هل بالإمكان تسليط الضوء على عدد اللوحات والأسلوب الذي رسمت فيه؟.
عدد اللوحات كان يربو على "22 لوحة" وهذا جزء من الأعمال التي رسمتها وأجزتها خلال السنة الأخيرة، أي أنها جزء ربما بسيط من مجموعة الأعمال التي قدمتها خلال هذه السنة وهي ضمن خط فكري واحد.
- المعروف أن الفنان يعتمد على مجموعة خامات لصناعة اللوحة، واسمح لي أن أستعمل كلمة (صناعة) على مجموعة خامات مثل: الزيت، والألوان المائية، أقلام ملونة، والباستيل... أسلوبكم في المعرض الأخير ابتعد عن هذه الخامات، ولا نريد فضح أسرار الإبداع، ولكن إن كان بالإمكان شرح بشكل مبسط للطريقة التي رسمتم بها اللوحات"؟.
هذا الكلام جداً جميل وصحيح، والخامات التي يتعامل بها الرسام أو الفنان التشكيلي معروفة ربما، ولكن هنا ابتعدت لأن الموضوع أجبرني على أن استخدم طريقة قد تكن جديدة على الساحة الفنية في قره قوش، ولكنها عالمياً معروفة ضمن تكنيك معين يعتمد الرسم ليس بالفرشاة ولكن بنصل السكين الخاص بالرسم، أي هنا يدخل الرسام والنحّات ويمتزجان ليخرجا عملاً.. يعني هذا يتلاءم مع الشد العصبي والإنفعالي الذي أنجز به أعمالي، فلهذا لجأت إلى هذه الطريقة. أما الأسرار، فلم يبقَ في نظري أسرار ضمن هذا العالم الواسع لأن كل شيء متاح في الأنترنيت وعلى الشبكة العنكبوتية ولكن تبقى خصوصية الفنان أن يكون مغامراً بالإستعانة بأكثر الأشياء (تفاهةً) إذا سمحت لي لإنجاز أشياء مهمة وكبيرة.
- هذا سؤال افتراضي أقصد به الوصول إلى شيء ما.. أقول: كم من الوقت يستغرق بناء اللوحة عندكم، أعرف هناك تفاوت بين لوحة وأُخرى وموضوع وآخر؟.
أنا عندي الخصوصية في هذا المجال، قد يصل إلى حد الطرافة.. مثلاً أنجز اللوحة خلال شهر، ولكن هذا الشهر ينقسم إلى قسمين. تسعة وعشرون يوماً من الشحن والإنفعال والخزن.. والإنجاز قد يكون خلال ساعة أو نصف ساعة وربما أقل، أي إنني أشتغل على اللوحة فكرياً وعاطفياً أكثر مما أشتغل بيديّ أو أصابعي أو بالأدوات التي أشتغل بها.
- يعني أنك تخزن اللوحة في تفكيرك أولاً ولفترةٍ قد تطول وعندما تشعر بأن الوقت قد حان للتنفيذ تُسقطها على القماش؟.
أبث ما أستطيع من أكبر قدر ممكن من العاطفة ووضع المفاتيح التي اتصل بها مع الجمهور من خلال عملي الفني، أي إنني أحاول عدم العبث بالمواد وإخراج ما هو زائف من الرسم.
- وهل هناك لوحة معينة أكملتها في ساعة مثلاً؟.
ربما.. هناك لوحة "لوحة الحمامة" هي لوحة معقدة للجمهور، تبدو هكذا وتبدو إنني استغرقت فيها وقتاً طويلاً، ولكنني متأكد بأن الوقت الذي أنجزت فيه لا يتجاوز النصف ساعة، وهذا شيء لا يُصدق، وأنا بصدد تسجيل هذه التجربة، تصوير هذه التجربة لكي أُري للشباب أنه بالأمكان أن تعمل أشياء مهمة بوقت قصير جدّاً.
- هل بالإمكان أن نعرف شيئاً عن تشكيل جميع الألوان المائية التي تجمع فناني الألوان المائية؟.
هذه الفكرة، لم تكن فقط في الخيال ولكننا حققنا هذا التجمع كبداية أنا ومجموعة مهمة من فناني المائية في الموصل وبالأتفاق مع فناني بغداد والبصرة وحتى جاءتنا عروض من عمان وغيرها من العواصم لتفعيل هذه الجمعية وقمنا بالمعرض الأول ونحن بصدد دفع هذه الفكرة إلى الأمام وتحقيقها بشكل أوسع لأنها لاقت صدىً واسعاً وفوجئنا بأن هذه الفكرة هي الأولى على نطاق الوطن العربي ونشر خبر المعرض والتعليق عليه في مجلات مهمة مثلاً مجلة العربي الكويتية.
- كفنان تشكيلي أقمت مجموعة من المعارض الشخصية والمشتركة ومن خلالها تعرفت عن قرب لجمهور بغديدى، هل هو متذوق للفن؟، ملاحظاته على أعمالكم والأعمال الأُخرى.. ما هو رأيكم بهذا الجمهور؟.
قد تبدو شهادتي مجروحة، لأن قره قوش فيها أهلي وأحبتي، ولكن الحقيقة يجب أن تُقال أن من أروع ما شهدت من جمهور هو في هذه المدينة، إنه بمستوى جمهور الموصل الرائع، إنه بمستوى جمهور بغداد الرائع، إنه بمستوى جمهور وثقافة بيروت أو عمان أو سورية أو أيّة عاصمة أُخرى من العواصم الأوربية، والجميل جداً أن هذا الجمهور يعوزه شيئاً مهماً ألا وهو أنه قد تشاهد شخصاً ما أو عائلة تريد الدخول إلى القاعة لمشاهدة العمل ولكنها قد تخجل لأنها لم تتعرّف على تقاليد الدخول لأن هذه التقاليد لم تؤسس بعد مع الأسف ونحن بصدد تأسيسها مع مجموعة خيّرة الموجودة من الفنانين في هذه المدينة الخيّرة والبديعة.
- لقد وصفت جمهور قره قوش (بغديدي) بالجمهور العربي والأوربي، ألا تعتقد بأن رأيك فيه مجاملة لمدينة أحببتها ولك فيها أحبة وأصدقاء!.
إنه واقع لا يُمكن إنكاره، وهناك أدلة جدّاً مهمة وهي أن الكثير من الجمهور الذي يأتي صبياناً وصبايا وكبار السن يصورون الأعمال في هواتفهم النقّالة هذا دليل قد يبدو بسيطاً ولكنه عندي مؤشر كبير، لأن هذا الجمهور متعطّش لأن يُبقي اللوحة عنده حتى عندما يغادر المعرض، هذا الجمهور يمكن الرهان عليه وخدمته بأيّة وسيلة كانت.
وعلى ضوء هذا اقترحت على جماعة فرقة المسرح أن تبقى القاعة مفتوحة بعد إنتهاء معرضي لتضم مجموعة من أبرز الفنانين المثابرين من قره قوش إلى جانب أعمالنا نحن فناني تجربة الموصل وبغداد والخارج وإلى جانب أن نعرض فيها أعمالاً للرواد بضمنها مجموعاتنا الخاصة وجرى الموافقة على عرض عمل لنجيب يونس هذا الفنان الكبير وعمل لفرج عبو سيشاهده الجمهور على هذه القاعة.
- أُستاذ لوثر... سؤالي التالي يتعلّق أيضاً بجمهور قره قوش، إذا كان جمهور قره قوش بهذا الإهتمام، إذن لماذا لا تبادرون إلى إقامة معرض تشكيلي دائم لفناني قره قوش وأصدقائهم ومحبيهم، خاصة الشباب بحاجة إلى دعم إعلامي؟.
هذا جميل، وأنا أُؤكد مرة ثانية، جرى العمل على هذا الموضوع بجهد مسرح قره قوش للتمثيل والهيئة الإدارية، فقد وافقوا مبدئياً لأن تبقى القاعة كمتحف وقاعة عرض دائمية للجمهور لكي نحافظ على هذا التواصل، وهذا ما ستدفع بع للتنفيذ.
- أغلب الفنانين يقيمون معرضاً أو معرضين شخصيين سنوياً.. لكن لوثر يخالف هذه القاعدة، المعروف عنه أنه مصنع للإبداع يبدو أن الفرشاة والزيت هاجسه اليومي، لو سألناك سؤالاً إفتراضياً أُستاذ عن معدل (الإنتاج) السنوي، رغم أن كلمة الإنتاج غير ملائمة للإبداع لكن قلنا إفتراضياً، ما هو حجم إنتاجكم السنوي؟.
عفواً... إن الإنتاج كلمة مناسبة جداً، أُخالفك في هذا ربما، لأن العملية هي إنتاج، والإنتاج هو رأس مال المنتج وهذا يجب أن يكون عليه الأمر، ومن الطريف أن أذكر إنني تعلمتُ هذا من الأساتذة الكبار مثلاً راكان دبدوب هذا الفنان الكبير، عندما تزوره في المرسم تكتشف أنه يركن في زوايا المرسم مجموعة من المعارض المتلاصقة، أي عندما تسأله ماذا رسمت آخر شيء يقول لك المعرض قبل شهرين أو المجموعة قبل ثلاثة أشهر أو المعرض الذي أشتغل به الآن.
أي إنه يركن كل عشرين لوحة في مكان محدد كمعارض تنتظر الدور لكي تعرض، أنا أُشجّع وأكون سعيداً عندما يطلق عليّ بأن أكون منتجاً. ربما السر في هذا إنني لم أتعلّم ما يكفي في حياتي أي شيء أو أيّة زاوية أو أي نشاط إنساني بقدر ما صرفت إهتمامي على الرسم، أي أن الرسم أخذ كل حيز في حياتي وإن الإنتاج يكون دائماً ليس بالعدل ولكن بصدد مقبول جداً ومتقدم في تصوري.. أي أنني أرسم نسبياً إذا كان الشهر ثلاثون يوماً فلا بد أن أرسم ثلاثين لوحة صغيرة كانت أم كبيرة..أحياناً التخطيط الصغير أعتبره أهم من اللوحة الكبيرة، المهم هو التواصل واعتبار أن آخر لوحة- أنا في إعتقادي- ومقتنع بهذه الفلسلفة عندما أرسم أيّة لوحة أتخيل أنها آخر لوحة في حياتي- فلهذا أستعجل في أن أُنجز وأُحقق أكبر عدد ممكن وأكثر النوعيات تقدماً...
- آخر معرض شخصي أقمته خارج القطر كان في مدينة "لينز" النمساوية في 3 ت2 2009.. سؤالي قد يكون تطفل لو قلت لكم: هل بيعت لوحات لكم في هذا المعرض؟ وغرضي من هذا السؤال هو إيجاد مقارنة بين سعر لفنان عالمي شرقي بلوحة آخرها تنجز من قبل فرشاة عراقية؟.
نعم.. يجوز لأن الفنان لا يعتمد في عيشه كما هو شأن الآخرين يعتمدها كمهنة أو حرفة، فقط حدثت معي صدفة غريبة أي إنني بعت أعمالاً قبل المعرض وبأسعار جداً متقدمة وجيدة وبالمواصفات الأوربية وكان هناك تقديراً عالياً بالأسعار ولكن الذي حدث أن الأعمال الغالية جداً التي سُعرت لم تبع لأنه حدثٍ قبل الإفتتاح بثلاثة أيام الكارثة الإقتصادية المعروفة عالمياً وقد كان هذا توقيتاً شيئاً فقي ذلك الموضوع.
لكن الحمد لله أن الأسعار التي بيعت بها أعمالي كانت جداً جداً متوازية مع الأعمال الأوربية الموجودة مع معرضي في تلك السنة.
- وفي معرضك الأخير في قره قوش هل بيعت لوحات؟.
لم تبع لوحات، ولكن طلب مني أن تُشترى لوحات، الغريب في هذا المعرض أنا لم أعول نهائياً على بيع لوحات لأن المناسبة كانت تتطلّب مني عدم بيع لوحات.
كانت مجموعة كبيرة من الأعمال تحت مسميات "مجاميع خاصة" أي أن بعض الأعمال لناس آخرين أصدقاء قد اشتروها قبل شهر وشهرين فالبيع كان ثانوياً ولم أضعهُ في الحسبان... لكن.. بعد افتتاح القاعة للعروض الدائمية سنقوم بتسعير الأعمال كلاً حسب قدرته وذوقه ولكي نخلق سوق عرض وطلب للفن والرسم الجيد والمتقدم ولكي نشجع الأثرياء أن يلتفتوا لأن يجمعوا مجموعات مهمة قد يكون استثماراً أغلى وأفضل وأكثر ضماناً من الإستثمارات الأُخرى ونحن نسمع كل يوم كيف تباع اللوحات برخص عندما يكون الفنان في حاجة وكيف تكون أسعار هذا الفنان عندما يغادر العالم أو تتقدم تجربته في العمر.
- بقي لدينا سؤال واحد وأخير- أبا مارتن- ما هي مشاريع الفنان لوثر ايشو  المستقبلية؟.
إنني في صدد تكملة تجربتي ضمن الخط المفاهيمي الذي ذكرته في بداية اللقاء لإخراج مجموعة جديدة أشتغل عليها الآن والخروج بها إلى فضاءات أوسع لتقديم فكرة عن ما أنجزه أخيراً..
هناك عروض لإقامة معرض بداية الصيف في عمان وبيروت إضافة إلى واحدة من العواصم العالمية التي لم أَبُت بها لحد الآن. لنقل هذا الهم الذي أمارسه يومياً عن طريق الرسم والذي يمثل بالخلاصة هم هذا الشعب المقهور والمغلوب على أمره والذي يعيش أزمة نتمنى أن تزول قريباً.
- شكراً جزيلاً أُستاذ لوثر على هذا اللقاء الجميل، نتمنى أن يتحقق كل ما تمنيتموه وأنتم تشكلون بوابة جميلة لهذا الوطن والتي من خلالها نطل على الفن الجميل والذي يزهو من بين أناملكم...؟.
أنا أسعد بهذا اللقاء أتمنى لكم النجاح والتألق والتوفيق في عملكم.[/size]