المحرر موضوع: عدنان الصائغ في «و» يكتب الشعر كما يتنفس  (زيارة 2215 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 308
    • مشاهدة الملف الشخصي
عدنان الصائغ في «و» يكتب الشعر كما يتنفس



 
«رويترز – من بيروت- جورج جحا »: عنوان مجموعة الشاعر العراقي عدنان الصائغ يتكلم ببلاغة.. إنه حرف العطف «و» الذي يأتي أحيانا معبرًا عن الحال.. وقد خطّ بالاحمر على الغلاف وحوله الحرف نفسه بلغات عديدة.
كأن عدنان الصائغ أراد اظهار تلك العلاقات الأزلية التي تجعل الأشياء والأمور كلها مترابطة متداخلة فلا نهايات ولا توقف حادا.
لعل هذا يصح عن الماضي والحاضر والآتي وعن هنا وهناك وكل جهة. أم لعل الشاعر من خلال أحزانه العراقية لم يجد ما يفصل الأمس عن اليوم.. وعن المقبل الذي لا يبدو شديد الاختلاف حتى الآن.
إنه استئناف للآلام وللأحزان والعذابات والغربة والتشرد..
واستئناف للأحلام تلك التي لا شفاء منها. يكتب عدنان الصائغ بقدرة على تطويع الوزن وحتى القافية المتعددين عنده على طريقة شعراء التفعيلة.
هذا التطويع يجعل الانتقال الموسيقي بين وزن وآخر سهلاً منساباً لا ينوء بما تحمل الكلمات من معانٍ او تحت وطأة الامتدادات المتباينة طولاً وقصراً. إنه حاضر «لدمج» موسيقي ناجح خاصة في نقل حوار على رغم صعوبة فيه.
فلنقرأ في قصيدة «ما والخ» حيث يقول:
«يموسقني صوتها حين ينداح
هل تتقن الرقص؟
 لا.. /رقصتني القذائف
ذات الخبال /وذات الخبب...
 أنا شاعرٌ دار بي زمني..
 واستدار
أقولُ لثوبك يخفقُ في الريح
هل تبصرين وراء الزجاج الغيوم التي تترقرق بين قميصي
                                                                 وقلبي؟
مدي يديك إلى غصنه تلمسي نبضه راعشا والعصافير»...

اشتملت المجموعة على 74 قصيدةً متفاوتةً الطول وكثير منها إلى القصر أقرب. وقد كتبت القصائد في بلدان ومناطق مختلفة من العالم وهي تحفل بالتشرد حتى تلك التي كتبت في العراق منها.
عدنان الصائغ شاعر فياض.. فكأنه يكتب شعراً كما يتنفس.. باستمرار وحرارة حياة. العراق هو البدء اذن فالقصيدة الأولى تحمل هذا الأسم.
القصيدة تختصر صورة الشاعر عن العراق وتحدده وتتبع منهج سرد صفاته بتقسيم آلي. انها أقرب إلى النثر منها إلى التوهج الشعري لكنها معبأة ومكثفة من حيث المحتوى. كتب بتعداد قام خلاله باخفاء الواو. ترك الكلمات متتبعة واحدة تنقلنا إلى الأخرى.
قال:
«عندما الأرضُ كوّرها الربُّ بين يديه
 ووزع فيها:
 اللغات
 النبات
 الطغاة
 الغزاة
 الحروب
 الطيوب
 الخطوط
 الحظوظ
 اللقاء..
والفراق
وقسّم فيها:
 السواد 
العباد
البلاد
البلايا
الوصايا
الحواس
الجناس
الطباق..
اعتصرت
 روحه
غصة
فكان /العراق».

ننتقل منها إلى قصيدة (كأس) حيث يقول:
«في الحانة
 كانت بغداد
خيوط دخان
 تتصاعد من أنفاس الجلاس
 وأصابع عازفة سكرى
 تراقص بين الوتر المهموس
 وبين الكاس
وإلى طاولتي يجلس قلبي
 ملتحفاً غصته
يرنو ولِهاً للخصر المياس
ووراء زجاج الحانة أشباح تترصدني
تحصي حولي الأنفاس
 وأنا محتار
- يا ربي –
أين أدير القلب؟
 وأين أدير الرأس؟».
الغياب والوحدة والوحشة والحنين.. كل ذلك يملأ شعر عدنان الصائغ أحد أبرز مشردي السنوات الطويلة والكثيرة الماضية من العراقيين ومن الشعراء.
في قصيدة «مطر بلندن» النثرية يقول:
«مطر بلندن.. يعبر المارون ليلي غير ملتفتين للجرح الذي خلف الجروح ينزّ منذ خمسين عاماً. هل أقول تعبتُ من نوح الحمام على غصوني جردتها الطائرات من اخضرار قصيدة.../ مطر بلندن لا الطريق تدلني للبيت .لا جرسٌ يرنُّ بأخريات الليل. لا ريح تدق الباب. أين اضعتهم!؟ أصحابك الماضين بالكلمات...
مطرٌ. سراعاً يعبر العشاق والمتسكعون فلا أرى إلاّ ظلالي في الطريق تساءل الحانات عمن سوف تشركه في المساء بكأسها وغنائها...
 لا فجرٌ يطل وراء قضبان العراق. فكم يطول الليل يا ليل العراق...؟ ».
في قصيدة «ليل لشبونة» نقرأ قوله:
«ها أنت تطوف العالم
ها أنت تطوف لوحدك
ها أنت تنوح على ما مرَّ
تناسَ المرَّ تناساك المارون
فما تنظر أو تنظر...
الليل بأوله
الليل بآخره
الليل كحالك.. شابت منه ذوائبه
 شابت روحك
أم شاب بك الوجد لبغداد
فما يلتف على جيدك ساعدها إلاّ وتعمّدتَ بأن تنأى.
يا هذا المنطرح الآن على عتبة باب الحانة
لا تدخل
أو.. تخرج».
في قصيدة «تشكيل 4» عملية تحويل أفكار إلى صور فنية ظريفة في.. كلام كتب في بلدان عديدة. يقول:
«أين يختبئ النسيم اثناء العاصفة؟..»
وايضاً:
«السحب كلام ممزق على لسان الريح».
ومن ذلك:
«السنابل التي اهتزت فرحاً بالنضوج
المناجل أكثر فرحاً منها».
في «تشكيل 6» أفكار تتحول صوراً أو تصبح أشكالاً فكرية أخرى وهي أحيانا أفكار مأخوذة عن كلام معروف او أمثلة معروفة. مثلاً:
«يعدوننا بالجنان الواسعة
كي يسحبوا
من تحتنا
 الأرض».   
ومن ذلك أيضاً:
«أسقطوا / تمثال الدكتاتور
من ساحة المدينة
 فامتلأت ثانية
بتماثيلهم».
ومن «تشكيل 7» نقرأ قوله:
«يا ..
لحياتي
كيف سرقتك الأيام مني
ولم أنتبه!؟».
ونقرأ أيضاً:
«أحلامي
 أخطاء
 لم أقترفها بعد».
وفي «تشكيل 8» يتابع هذا النهج الذي ليس شعرياً تماماً فيقول:
«حياة بيضاء
كثيراً ما نفسدها بالأحلام». 
وأيضاً:
«يعبرنا
الأمل- ساخراً-
بين صفّي عكازاتنا
الملوحة
 له».
ومن ذلك أيضاً:
«أخيراً
وصلت قمة حياتي
 لكنني لم أجد هناك
 من الأيام والأصدقاء والعشب
ما يكفي».
وفي «قصائد قصيرة» نقرأ تحت عنوان «رسائل» قول الشاعر:
«نثيث الثلج
على نافذة منفاي
رسائل متجمدة وصلتني من هناك
هكذا يخيل لي
بينما ساعية البريد على دراجتها الهوائية
تشير أنْ لا رسائل لي اليوم».
وتحت عنوان هو «...!؟» كتب يقول:
«وطن أم زنزانة
الحاكم أضحى سجانه
 نحن المحكومين به منذ زمان
 يتوارثنا سجانٌ
عن سجان
من باب الجامع
حتى الحانة».
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن وكالة رويتر الاثنين, 29 أغسطس 2011
 
 




" "
 


" "