المهرجان الثقافي العاشر للغة السريانية – ملاحظات وآراء
المعروف أن مدينة القامشلي تحتضن كل عام مهرجان اللغة السريانية وللعلم أن هذا المهرجان هو العاشر في تريخ هذه المدينة . لن نتحدث عن المهرجانات السابقة لما كان لها دور متميز في تفعيل وتنشيط اللغة السريانية بآدابها وحضارتها ، إنما فقط سنتطرق إلى مهرجان هذا العام : مواده ، آلياته ، وأمور أخرى تتعلق بترتيبات المكان ..
في الواقع ، ولابد من الإشارة إلى أن لهذا المهرجان وغيرها من المهرجانات الأخرى فوائد كثيرة ومن أهم فوائدها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من لغتنا الجليلة التي تعيش أزمة خانقة في ظل انحدار أو انحساره لأسسها . على المستوى الشعبي ، تشير التحريات إلى أن التعريب – أتحدث فقط عن سورية ربما في العراق الوضع مختلف– متواصل وعدد المتحدثين بهذه اللغة تتراجع يوما بعد يوم أضف إلى ذلك أنها باتت تعاني من مفردات دخيلة هائلة ، لغة اصبحت عند البعض هيكلا جامدا لم يبقى منها سوى أدوات الربط السريانية و وبالطبع قد يعود السبب الى أزمة في الهوية لدى متحدثيها أو غياب التعليم بهذه اللغة وهذا أمر مهم ، اذ لاتوجد مدارس سريانية حقيقية كما المدارس العربية ، والخوض في هذا الأمر ربما يثير شجونا .. ومهما حاولنا أن نجمل " الصورة لايمكن إنقاذ ما أصابه التلف منذ سنوات وسنوات ، لكن دعونا نتحدث عما هو ممكن ، عن مهرجاننا السنوي الذائع الصيت لهذا العام ، وتحديدا عن المواد . علينا أولا ألا نبالغ في أهمية المواد المقدمة ، بالطبع هناك تفاوت في المستوى أي في المستوى المعرفي واللغوي وفي كافة الأحوال لا ينبغي ان نقلل من أهميتها، بالتالي هذه هي الإمكانات المتوفرة ، لكن لا بد من القول من أنه يكفي "التبجح " بمعرفة اللغة الكتابية " الفصحى " لأن الحديث بهذه " الفصحى " بات عبثا لأن ليس هناك من يتكلم بها وفي الوقت نفسه لا بد من الاستفادة من ارثها ومفرداتها الغنية في تنشيط لغتنا المحكية . اللغة المحكية هي فقط التي يجب الكتابة بها وهي اللغة االحية وهذه حال جميع لغات العالم ماعدا العربية والسبب معروف لدى العامة . إذن ، يجب أن نلتفت إلى اللغة المحكية بلهجتيها الشرقية والغربية ( أعتقد أن الاختلاف بينهما شكلي جدا ) وأن نتصدى لكل المشكلات التي تحيق بها ، وهي اللغة التي واكبت وجودنا من جيل إلى جيل وهي التي تتحدي قصة هذا الشعب وهي التي تعكس أفكارنا وأحاسيسنا ، ومن الغرابة أن يحاول البعض بتفعيل لهجة ميتة ألا وهي " الفصحى " وأن يتبجح بها البض من الأخوة . اللغة المحكية تداولها الناس منذ أكاد ( تحية الىة الباحث آشور ملحم المشارك في هذا المهرجان والقادم من العراق ) والى هذه اللحظة ، مرورا بعصور عصيبة وصولا إلى هذه اللحظة العصيبة الراهنة . هذه اللغة ( ان شئت سميها السريانية أو الآشورية فلا مشكلة ) تحمل عبق الأكادية والسومرية اللغتين المؤسستين للسريانية الحديثة ومن أراد قول عكس ذلك فهذا عبث على عبث ، وهنا أثني على محاضرة الباحث بالأكدية آشور ملحم الذي ربط بين الأكادية والسريانية من خلال قراءة نص أكادي باللغة السريانية ، واثني أيضا علة ماقدمه الأخوة الآخرون من جهود مشكورة والخاتمة الجميلة لنيافة المطران متى روهم راعي المهرجان .
والمكان ! ؟ أي المكان الذي أأقيم عليه المهرجان . أولا لكنيسةالسريان الأرثوذكس في القامشلي صالتان مكيفتان وواسعتان هما صالة ماريعقوب النصيبيني وصالة مار كبرئيل . في اليوم الأول والثاني أقيم المهرجان في ساحة مار يعقوب للرياضة بالطبع هي مكشوفة ولا أعتقد أنها تصلح لاقامة هكذا مهرجان إضافة إلى أن الجو كان حاراً جدا ومغبرا لدرجة أن المشاهد سئم من متابعة مجريات المهرجان إذ أراد البعض مغادرته قبل أن يشرف على النهاية ، وهذا ما عكس سلبا على عدد الجمهور الذي لم يتجاوز المائة . أما اليوم الثالث فقد أقيم المهرجان في صالة مار يعقوب المكيفة المغلقة في جو بارد وعدد لا بأس من الجمهور . السؤال الذي يتبادر إلى الذهن : ماسبب عدم إحياء المهرجان في إحدى الصالتين المكيفتين ؟ هل لأنهما كانتا محجوزتين لحفلات الأعراس كما يقول البعض ؟ فإذا كان كذلك ، فان الأمر يثير الاستغراب والدهشة بل يثير إشارات استفهام . أليس هذا المهرجان هو الأكثر أهمية من حفلة عرس ؟ ؟
لكن مهما تكن هذه السلبيات التي رافقت هذا الحفل لابد أخيرا أن أثني عل الجهود المبذولة من كل الأطراف ولاسيما رابطة نصيبين لأدباء السريان وبالأخص الملفونو عيسى رشيد لجهوده الجبارة وغيرته التي لاحدود لها والأخوة من أبناء شعبنا القادمين من العراق الذين اغنوا المهرجان بإمكاناتهم الهائلة في مضمار اللغة السريانية .
ختاما ، تحية لهؤلاء الذين كانوا هنا في بقاع الرافدين والذين وضعوا اللبنة الأولى لكتابة لها صداها الآن ، تحية للأكادية الجميلة المؤسسة التي تواصلت في السريانية بالرغم من جغرافيتها التي تتضايق يوما بعد يوم . تحية لآشور ومكتبته النينوية الذي علم العالم فن المكتبات وتحية لآشور ملحم الذي حمل لنا شيئا من عبق الأكادية ..
عزيز توما - القامشلي
aziztouma@hotmail.com