الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون ونظرية الدفع الحيوي


المحرر موضوع: الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون ونظرية الدفع الحيوي  (زيارة 8654 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

                          الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون ونظرية الدفع الحيوي
بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن / استراليا
ايلول 2011


عد الكثير من الفلاسفة والعلماء النقطة التي انطلق  منها الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون  كانت بداية لمحاولة جديدة للربط بين الميتافيزيقية والمادية عن طريق النظام البايلوجيا لموجود في الطبيعة في بداية القرن العشرين.

 ولد هنري برغسون من عائلة يهودية فرنسية في 18 اكتوبر 1859 (عام الذي وضع تشارلز داروين نظرية التطور) وتوفى في 4 يناير 1944.  كان طالبا متوفقا في الدارسة، حينما اكمل المراحل الاولى دخل في تخصص الرياضيات والعلوم الطبيعية، لكن سرعان ما انتقل الى الفلسفة لوجود له مقدرة فائقة في التحليل والملاحظة.

 حاول فهم مشاكل الميتافيزيقية في الفلسفة في البداية ، لم تعجبه الموجة المادية التي هبت على الفكر البشري في القرن التاسع عشر. ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا التي تخرج منها استاذا للفلسفة. عام 1888 كتب اول كتاب تحت عنوان ( الزمن والارادة الحرة) ثم كتابا اخر بعد ثمانية سنوات تحت عنوان ( المادة والذاكرة) الذي يعد اكثر كتبه تعقيدا. عام 1898 عين استاذا في دار المعلمين ثم انتقل الى كوليج دي فرانس عام 1900 وبقى هناك الى عام 1941. كانت شهرته سطعت في الافق عام 1907 حينما اصدر كتابه الجديد ( التطور المبدع او الخلاق) وفي عام 1914 انتخب عضوا في الاكاديمية الفرنسية.

 اهمية برغسون ترجع الى تحديه اصحاب النظرية المادية من هوبز وهيوم وسبينوزا وماركس فيورباخ وسبنسر الذين عجزوا تفسير ولادة الحياة من المادة الجامدة.  يذكر ان الاكاديمية السويدية منحته جائزة نوبل للاداب عام 1927 لطلاوة لغته واسلوبه المتميز في الوضوح والدقة.

مقدمة تاريخية عن علوم البايلوجي:
ابوقراط كان اول طبيب الذي وضع الحلف الذي جعل من مهنة الطب مهنة مقدسة ، لحد الان يتلو خريجي كلية الاطباء قسمه. وضع بعض المباديء والحكم الصحية التي ساعدت الناس على تغطي الامراض وكسب الصحة عن طريق تطبيقها، كذلك كان اول من قام تدريس علم الطب كعلم، حرصا منه على ضياع خبرته بعد ان لاحظ شرع الناس يلتهون بكسب المال والحروب والتجارة.

من بعد  ذلك جاء  الفيلسوف المشهور ارسطو الذي هو موسوعة كبيرة لعلوم عديدة مثل المنطق و الفلسفة علم الحياة، حينما شكل مجاميع وفرق لجمع جميع انواع الاحياء ومن ثم وضع تصنيفا لها.
في القرون الوسطى كانت النقلة النوعية على يد الطبيب الانكليزي وليم هارفي (1578-1657) الذي اكتشف الدورة الدموية الكبرى في جسم الانسان بعد ان بقت الصيغة الاولية لهذه النظرية التي اتت على يد العالم الروماني (غالين) لمدة 1400 سنة.
اما سانت هيلار ( 1772 – 1832) امن بوجود شكلٍ اولي قابل للتطور بالنسبة الى النبات والحيوان.
ثم جاء جورج غوستاف (1744- 1832) الذي قال :" ان الكائنات الحية التي تستمر بعد الكوارث قد توالدت مجددا بشكل اكثر اكتمالاً)

لكن  جان لامارك (1744- 1829) كانت له مشاركة مهمة جدا، فهو يعد الاب الحقيقي لنظرية التطور التي ابدع فيها داروين في وشحاحها المذهب والمفصل. حيث امن بوجود غريزة لدى الاحياء العضوية تدفع الى اتجاة الكمال ، كلما زاد هذا الاكتمال كلما زادت درجة تعقيد اعضاء هذا الكائن. وفسر الدافع لهذا التطور في التأقلم ضد معطيات البيئة وان هذا التأقلم ينتقل بالوراثة وضرب مثالاً زيادة طول عنق الزرافة بسبب شحة الغذاء.

الراهب يوهان مندل ( 1822- 1832 ) مؤسس علم الوراثة والاجنة في القرن الثامن عشر. كانت هذه  بداية لعلم جديد مهم الذي لا زال العالم  يعطيه اهمية كبيرة (حيث قبل بعض سنوات اعتبر بيل كلنتون الرئيس الامريكي الاسبق اعظم انجاز في القرن العشرين كان وضع الخارطة الكاملة للجينات الوراثية). وانه المفتاح للقضاء على الكثير من الامراض وكذلك تحسين الجينات. على الرغم وجود شك كبير لدينا بأنها خطورة هذه العملية وتأثيرها هو اخطر من اندلاع حرب بشرية  بالاسلحة الكيمائية والبايلوجية.

اما نظرية التطور التي وضعها تشارلز داروين (1809-1882) في سنة 1859 كانت بمثابة صاعقة على النظريات التي سبقتها. فقد تخلى كليا عن مفهوم ثبات الانواع. حسب نظريته كل انواع الحية تتكارث لغرض الحفاظ على جنسها ونوعها. فوضع نظريته على اساس الانتخاب الطبيعي لاربعة عوامل مهمة هي "الوراثة ، تغير مناخ الطبيعة وقابلية التأقلم ، الانجاب ، الصراع من اجل البقاء"

على الرغم من وجود اشارات واضحة من ان برغسون كان متأثرا بفلسفة عمانوئيل كانت حينما كان طالبا، لكن بعد انتقل الى تأييد نظرية سبنسر التي تخلى عنها ايضاً ،لانها اهملت اهم عامل في الموضوع وهو الزمن، فهو لا يتفق مع ديكارت في مقولته المشهورة (انا المفكرة) ولا مع كانت (الصور الحسية) التي يعطيها العقل للاحاسيس المنتقلة اليها عن طريق الحواس من الخارج، وانما وجد الحقيقة هي عبارة عن سيولة مطرودة للتغير في هذا العالم. فهو شبه الحياة كلها عبارة عن لحن واحد طويل  يمتد من الولادة الى لحظة الموت.

لكن هنري برغسون ربما كان متاثر بالفيلسوف الهولندي سبينوزا اكثر من اي فيلسوف اخرى، فمفهوم الدفع الحيوي لا يأتي من الخارج الطبيعة وانما يراه موجودا فيها ولكن ينقصه  التمدد والتلاحم كي تتفجر الحيوية والنشاط والطاقة في الكائنات الحية. لكن بلا شك ان برغسون مدين  لاستاذه الاول سبنسر الذي استلهم منه الكثير ولكن في النهاية ابتعد عنه من كثرة تعمقه في فلسفته.
كتبه:
الزمن والارادة الحرة 1888
المادة والذاكرة 1996
التطور المبدع 1907
الاخلاق والدين

المعطيات البديهية

نظرية الدفع الحيوي:
ينطلق برغسون في طرح نظريته في الدفع الحيوي من  وجه نظر مناقضة للنظرية المادية الالية الميكانيكية التي تلغي فكرة وجود الحرية في الطبيعة والتي سادت في القرن التاسع عشر، فحسب هذه النظرية ان الوجود هو حالة مادية متسلسلة مترابطة من اول حدث الى اخر لحظة مسجلة في الوجود.  فكل حدث هو نتيجة لحدث اخر سبقه. فيقول برغسون:" اذا كان الوجود بكل ما يحويه  في لحظة معينة هو نتيجة لالية اللحظة التي سبقتها، دون ان يكون هناك قوة مدركة تنشيء وتخلق وتختار، واذا كانت هذه اللحظة  السابقة اثرا  للتي سبقتها وهكذا سنرجع في التسلسل الى ان نصل الى السديم الاول، ونتخذ منه سبباً لكل ما طرأ على الكون من احداث، وان نعتقد بأن السديم هو السبب في كل سطر كتبه شكسبير وانه العلة في فصاحة ابطاله كل من هاملت وعطيل و مكبث ولير وكل جملة وعبارة قالوها"

يصور العالم مكون من جزئين احدهما مادي مرئي وجزء الاخر حيوي مخفي ، تحصل الحياة حينما يمتد الجزء الجزء الحيوي المخفي  ويتحد او يظهر في لمادة ويتسلط عليها ولكن في درجات مختلفة وفي دفعة واحدة.( كأن برغسون سحق بمعوله النظرية المادية الى الابد) . الحياة بكل انواعها ارادة حرة لذلك هناك الاختلاف والتغير المستمر..
في كتابه (المعطيات البديهية) يجل ايما جلة برغسون لجيل لاشيليه بسبب رؤيته في اطروحاته تقاربا كبيرا لرؤيته حيث وصف الوجدان بإتصال مستمر، كالاتصال الموجود بين النغمات الموسيقى.

الذاكرة والزمن:
من المهمات التي وضعها برغسون امامه كما قلنا في البداية انه يريد اثبات خطا النظرية المادية الالية في تفسير الوجود، وانها غرقت في  مقولة ديكارت (انا افكر فإذن انا موجود)، وتوقفت عندها بعد ان اهملت الجزء المخفي من الحقيقة. كذلك ساعد كانط ونيوتن على دعم النظرية المادية في طغيانها على العلوم الانسانية الاخرى، على الرغم من كانط وضع عالمين متوازين في الوجود احدهما عالمنا المحسوس(العملي)  وعالم النظري الضروري الذي يعجز عقلنا عن اثباته او معرفته ( الشيء في ذاته) . واتفقوا مع اصحاب النظرية الحتمية (الماديين) على ان وجود الحرية في هذا العالم  مقتصر في عالم المثل او النظري فقط ، لكن في نظر برغسون  انهم مخطئون، لانهم وضعوا الزمن والمكان في مستوى واحد بينما في الحقيقة هناك اختلاف كبير الاثنين لدى النفس الانسانية ، لان المكان هو صورة التي يخلقها الذهن عن طريق الحواس بينما الزمن شيء اخر، انه جوهر الانا، بل جوهر الاشياء، بل هو جوهر الوجود.

يعتبر برغسون موضوع الذاكرة من المواضيع المهمة في تفسير نظريته، فهو يرى بالاضافة الى عملها في عملية خزن الصور لاحداث الماضي انها عامل حاسم في اعطاء الارادة الحرة لاتخاذ القرار المناسب اعتمادا على المعلومات المتراكمة في الذاكرة معطيات الحاضرة في تلك اللحظة. فهو يرى الذاكرة وعاء تجمع المعلومات والصور حسب بعدين الزمان والمكان  يستفاد منها الكائن الحي متى ما اراد ، وان الادراك يتناسب مع القوة التي يمتلكها الكائن الحي في اتخاذ القرار الصائب. وهنا يهجم برغسون على الماديين فيقول :" اذن الكائن الحي مركز للعمل في الحقيقة، وهو كتلة فعالة مؤثرة، لانه يضيف الى العالم قوة ونشاطاً. ليس الانسان  كالة ميكانيكة كما صورها الماديون لا حولة وقوة لها ، بل مركز منبه وقوة خالقة متطورة، وينتج عن الادراك حرية الارادة، كوننا احراراً يعني اننا نعرف من نفعل" ( ول ديوانت ص 559) .

ربما يكون برغسون اول فيلسوف من بعد هيرقليطس واوغسطينوس اثار موضوع الزمن في فلسفته. يمييز برغسون نوعين من الزمن زمن متعلق بالمكان الناتج من تقسم العقل للاشياء كي يستطيع معرفتها وادراكها وزمن نفسي داخلي متواصل كقطعة موسقيقة واحدة غير منفصلة تماما.

المخ والعقل:
الادراك يعرفه برغسون بأنه القوة التي تمكن الكائن من اتخاذ قرار من بين المجاميع الكثيرة او الاحتمالات الكثيرة.  بينما المخ هو المخزن او الحاوية  لها. فمجرى النهر ليس مثل الماء الجاري فيه وان كان الماء يتعرج مع اعوجاج المجرى.

كان برغسون يواجه في نظريته الدفع الحيوي متخلفات جبهتين متعارضتين هما جبهة الماديين من ديمقريطس وهوبز وهيوم و وكوندياك والجبهة الثانية الاثنينية التي تبدو اقرب اليه من امثال افلاطون وكانط وليبنتز وديكارت وسبينوزا.

سلم برغسون بفكرة التطور في كتابه (التطور الخلاق) ولكن اضاف عناصر نظريته عليها فاصبحت نظرية برغسون للتطور ( نظرية الدفع الحيوي) . فهو لا يرى التطور يحصل عن طريق اعادة تأليف العناصر فككت اولا تفكيكا مفتعلا وكأنه يظن بان هناك استمرية في التطور حسب نظام الدفع الحيوي(  الفلسفة الفرنسية من ديكارت الى سارتر، ص 128). فهذه القوة تسري في الانواع المختلفة من الكائنات الحية  لا حسب الغائية التي تحدث عنها ارسطو ولا السببية حسب فلسفة الماديين وانما حسب ما تختاره البصيرة ( الامكانية للحدس التي اعطاها برغسون تعريف البصيرة الغريزة الحيوانية وعقل الانسان.
برغسون قسم  نظام الدفع الحيوي الى ثلاثة مراحل :-
المرحلة الاولى – سار من الخلية الاولى وانتهى في شعبة الحشرات ولم يتقدم منذ ملايين السنين واصبحت هائمة مخدرة هناك.
المرحلة الثانية – قفز من مرحلة الحشرات الى محلة الفقريات بعد مخاطرة كبيرة
المرحلة الثالثة : كانت القفزة من مرحلة الغريزة الحيوانية الى مرحلة الانسان العاقل الذي يشكل رأس سهم اتجاه شجرة الحياة عند داروين.
الفرق بين الحشرات والانسان تكمن في قابلية الادراك. فالحشرات لها الادراك المباشر لبعض الاشياء بينما في الانسان له العقل الذي يمكنه احيانا التكيف وحل مشاكله بنفسه