قصة قصيرة الأواني المستطرقة

المحرر موضوع: قصة قصيرة الأواني المستطرقة  (زيارة 329 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Zuhdi Al-Dahoodi

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 22
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصة قصيرة

الأواني المستطرقة


زهدي الداوودي



موت الحاج سمين صاحب الصنائع السبعة الذي لم يكن في بال أحد، قد أصبح الآن حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها.
 لقد مات فعلا.
 ومات بطريقة درامية لم يكن يتصورها أي فرد من أهالي هذه البلدة الصغيرة التي تنتج العباقرة، الذين ما أن يشبوا ويصلوا منتصف الطريق، إلا ويخطفهم الموت بهذا الشكل أو ذاك. وقبل أن ينعوه ويقوموا بإقامة صلاة الميت على روحه الطاهرة التي كرسها لمساعدة الآخرين، راحوا يذكرون أعماله الطاهرة وحسناته ووقوفه إلى جانب المحتاجين والفقراء. وبعد أن أسهبوا في وصف  صفاته هذه عرجوا إلى إبداعاته التي لم يقصر في تطبيقها على    تطوير البلدة الصغيرة ومساعدة مواطنيها في مجالات تصليح الساعات اليدوية والمنبهات والدراجات الهوائية وأدوات الفلاحة وتصليح محركات التراكتورات والبنادق وصناعة الأباريق المستعملة في إعداد الشاي أو الوضوء، ناهيك عن العلاج الطبيعي لمختلف أنواع الأمراض التي يقضى عليها في أقصر وقت ممكن. لقد كان، رحمه الله، لا يترك معضلة إلا ويحلها دون مقابل. ويعيش من وراء التبرعات السخية التي كان يغدقها عليه زبائنه والطيبون من أهالي البلدة الصغيرة.

وفي معرض الحديث عن آخر إبداعاته تم التطرق إلى اختراعه لجهاز يولد الكهرباء من خلال إحدى عجلتي الدراجة الهوائية التي تعلق وتتحرك بواسطة ضغط الماء. وبهذا تمكن من تشغيل المروحة وإضاءة الغرفة التي يسكنها. وبخصوص تقدير أعماله، أنقسم الناس إلى فريقين، فريق يعتبر أعماله من صنع الشيطان وفريق يعتبرها من مظاهر التطور العلمي التقني، ولكن بقي السؤال الحائر كيف مات هذا العالم بهذا الشكل؟

منذ أيام غير قليلة أحس الحاج سمين بأن بالوعة الأوساخ لا تشتغل على ما يرام وأن الغائط لا يترك مكانه إلى البالوعة التي تمتلئ مرة في كل ثلاث أو أربع سنوات، حيث يجري استدعاء محمود أبو الغائط الذي يحضر فورا إلى المكان المعين. وبعد المسوحات التي يقوم بها، يقدم حسابا مفصلا لسعر كلفة التنظيف. وإذا وافق الزبون على دفع المبلغ المقترح، يبدأ العمل بنشاط ملحوظ. وبالطبع يوافق الزبون على أي سعر يقترحه منظف البالوعات، ذلك أن الروائح الكريهة لا تزعجهم هم فحسب، بل تمتد إلى الجيران وجيران الجيران.
وراح الحاج سمين يفكر بطريقته المعتادة في كيفية حل المشكلة بأسلوب شبه مجاني، إذ أن دفع مبلغ من المال لتنظيف بالوعة القاذورات أمر غير وارد. وتذكر أنه تعلم في صغره في المدرسة الابتدائية قانون (الأواني المستطرقة). وبعد تفكير عميق، قفز في مكانه فرحا وهو يصيح:
" والكعبة وجدتها"
ولكن الشيء الذي وجده، بقي سرا في صدره حتى آخر لحظة من حياته. هكذا كانت عادته، لا يجهر بسره، إلا بعد أن تنجح تجربته. ولا يهمه بعد ذلك ما سيحصل لاكتشافه أو اختراعه. المهم أنه نجح في تجربته. وراح يفرك يديه من شدة الفرح. واجتاحته قوة غريبة منحته زخما هائلا لتحقيق فكرته التي لا يصرح بها حتى لأعز إنسان إليه. وبدأ بعملية الحفر برسم دائرة قطرها أقل من متر واحد على مسافة تبعد حوالي نصف المتر من البالوعة المليئة حتى الحافة. وقدر أنه يتمكن من إنجاز مشروعه خلال ثلاثة أسابيع تقريبا. وإذا اقتضت الحاجة، فيمكن إضافة أسبوع آخر ليس أكثر، ذلك أنه في كل الأحوال لا يمكنه أن يتفرغ للحفر بسبب دكانه الذي يحتاجه في معيشته اليومية.

تنفس الحاج سمين الصعداء لتمكنه من إنجاز البالوعة خلال ثلاثة أسابيع. وراح يفكر في طريقة تمكنه من نقل محتوى البالوعة القديمة إلى الجديدة ووجد نفسه أمام عدة احتمالات:
الاحتمال الأول، شق مجرى بين حافتي البالوعتين يتم بواسطتها نقل المحتوى من البالوعة القديمة إلى الجديدة، الأمر الذي يوقف عملية الفيض.
الاحتمال الثاني، نقل المحتوى من البالوعة القديمة إلى الجديدة بواسطة أنبوب مطاطي هائل (صوندة).
الاحتمال الثالث، حفر نفق في أسفل البالوعة الجديدة، يربط بين البالوعتين، بحيث ينتقل محتوى البالوعة القديمة إلى الجديدة حسب قاعدة الأواني المستطرقة. وراح يفكر في اختيار أحد الاحتمالات العملية. بالنسبة إلى الاحتمال الأول وجد أن التغلب على الرائحة الكريهة غير ممكن، ذلك أن تغطية المجرى عملية صعبة. أما الاحتمال الثاني فغير واقعي وذلك لتعذر الحصول على الأنبوب المطاطي المطلوب. بقي الاحتمال الثالث الذي وجده قابلا للتحقيق وهو حفر نفق يؤدي إلى الربط بين البالوعتين، الأمر الذي يؤدي إلى سيلان المحتوى حسب قانون الأواني المستطرقة من البالوعة المملوءة إلى البالوعة الفارغة.

حمل الأزميل ونزل بخيلاء إلى قاع البالوعة الطرية التي تنبعث منها رائحة الرطوبة والتربة الندية الممزوجة برائحة القاذورات المتخمرة المنبعثة من الجدار المشبع بغاز الميثان. وطرب أنفه للرائحة المخدرة التي بدأت تنتشر في أعصابه. وراح يحفر ببطء في النفق الممتد إلى البالوعة القديمة. ولم يلبث إلا وأحس بنفسه قد تحول إلى طائر ملون خفيف بجناحين واسعين يخفقان باتجاه السماء اللانهائية.
كل شئ جرى بصمت وسرية تامة لم يحس بها أي فرد من أفراد البيت، ذلك أن موقع العمل يقع على ساحة تقع بدورها خلف البيت. كان الحاج سمين يظهر عادة في فترة تناول الغداء. وها أن فترة تناول الغداء قد حل ولم يحضر.
بحثت زوجته عنه في الدكان وفي السوق وأنحاء البيت فلم تجده. وذهبت إلى الحوش الواقع وراء البيت دون جدوى. نفذت إلى أنفها رائحة محتوى البالوعتين المفتوحتين ولشد ما كانت دهشتها شديدة عندما اكتشفتهما وهما مملوءتين إلى منتصفهما بالغائط المتعفن.   
وأطلقت صرخة عالية شقت السكون وهي تلطم رأسها ووجهها وتولول بصوت حزين.