جاسم سيف الدين الولائي من الشعر إلى الرواية ثمّ إلى ترجمة الأدب الجميل


المحرر موضوع: جاسم سيف الدين الولائي من الشعر إلى الرواية ثمّ إلى ترجمة الأدب الجميل  (زيارة 3412 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد الكحـط

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 764
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

جاسم سيف الدين الولائي
من الشعر إلى الرواية ثمّ إلى ترجمة الأدب الجميل







أجرى اللقاء:
محمد الكحط – ستوكهولم-


عرفناه شاعرًا وصحفيًا، ومن ثمّ خاض تجربة ترجمة الرواية، وها هو اليوم يفاجئنا بعمل إبداعي جديد، وهو خوضه في ترجمة الرواية من اللغة السويدية إلى العربية.
عن هذه التجربة ومصاعبها، نتوجه له بالحديث.


جاسم: قبل أن نبدأ الحديث دعني أعلن لك عن غبطتي وسعادتي لحصولك على شهادة الدكتوراه في الإعلام، وأن أهنئك وأشد على يدك وأتمنى لك النجاح والتفوق في حاضرك ومستقبلك. والآن تستطيع أن تسأل.

•   شكرًا، ما الذي أغراك لتتجه إلى هذا النوع من الإبداع وأعني به باب الترجمة؟


جاسم: الحقيقة ليس في الأمر ثمة إغراء، إن لم يكن الكتاب نفسه هو الأداة والغاية من الإغراء، ليس هو إغراء بقدر ما هو شوق معرفي يُثيره  فضول شديد لمعرفة أشياء كثيرة عن أناس آخرين، يعيشون حياة مختلفة عما كنّا نعيشها نحن في مجتمعنا، في جغرافية وطبيعة مختلفة،عن أناس تربطهم علاقات اجتماعية نجهلها، أو نعرف القليل عنها، ولكننا مع الاكتشاف نجدها علاقات طبيعية تحكمها قوانين دقيقة متفق عليها ولا تحتاج في تنفيذها كواقع اجتماعي إلى سلطة تنفيذية هي في طبيعة الحال سلطة غائبة حاضرة. نحتاج إلى معرفة المزيد عن حياتهم في أعمالهم ووظائفهم وآليات إنجازها وبدائل حلولهم لهذه المشاكل وكذلك آلياتهم العديدة في التجريب والإنجاز ونسب النجاح التي تكون في الغالب مرتفعة. كلما ازدادت المعرفة ازداد الشوق والفضول للمزيد، ومع ازدياد الفهم تزداد الأسئلة لتبلغ أنساق جديدة: كيف كانوا يعيشون في الماضي؟ كيف كانوا يفكّرون، يتعلمون، يعملون، يتنزهون، يحاربون، كيف كانت تبدو مدنهم وقراهم، ملابسهم ووسائل سفرهم وتنقلهم؟ وتفاصيل كثيرة تتوزع في المجتمع كما يتوزع الدم في الجسد الإنساني من القلب حتى أدق الأوعية في الجلد، وهي تفاصيل صعبة الحصر.
للحديث عن هذه الهاجس المعرفي أو الفضولي إن شئت، علي أن أعود لعقود إلى الماضي، إلى بذرة الفضول وبادرته الأولى. في طفولتي حصلت على قصة أطفال باللغة الإنكليزية، لا أذكر منها سوى صورة الغلاف الملونة التي بقيت راسخة في ذاكرتي، وهي لوحة لفتاة بتنورة قصيرة حمراء، كانت تقف عند سكة حديد تشير منهمكة لقطار ينطلق بسرعة كبيرة أن يتوقف قبل أن يصطدم بجذع شجرة هائل كان قد سقط قاطعًا السكة، فتنقذ القطار وركابه من خطر كبير. أذكر أيضًا أن سائق القطار كان اسمه جو. ولحماقتي فتشت حينها طويلاً في القاموس عن معني كلمى(Joe) بالعربية قبل أن أكتشف أنها اسم علم. كان هذا الكتاب أول صندوق سحر ملغز فتحته بجهد جهيد بمفتاح اللغة. بعدها بسنوات أهدتني إحدى قريباتي (الأستاذة قسمة محمد الجواهري) وكانت طالبة في كلية الآداب (قسم اللغة الإنكليزية) كتاب بيكيت صمويل (في انتظار غودو) بلغته الأصلية. بعدها عثرت في سوق السراي علي كتاب أكاديمي صادر عن كلية المعلمين بجامعة كولومبيا عنوانه (مسالك العلم) كان متعتي لسنوات قادمة عديدة، ثم ما كان يحدثني به بعض المعارف والأصدقاء وأساتذتي عن أدب شكسبير وديكنز وجاك لندن وغيرهم، إضافة لما قرأته من الأدب الروسي والفرنسي والايطالي والاسباني المترجم إلى اللغة العربية شعرًا ومسرحًا ورواية أثناء وجودي في بغداد وفي دمشق من بعد. كان أغلبه غثًّا وغير أمين للأسف. على سبيل المثال اكتشفت وأنا في السويد أنّ ما ترجم إلى العربية من رواية روبنسون كروسو لـ (دانييل دوفيه) ونداء من البرية لـ (جاك لندن) وكذلك قصة الكونت دو مونت كريستو، لم يكن للأسف إلا جزءًا مفبركًا من الأصل، ينطبق ذلك على أغلب الأدب الكلاسيكي في الغرب، دون إغفال العديد من المترجمين المبدعين والمخلصين الذين بذلوا جهودًا جديرة بالتقدير في نقلهم أدب ولسن ومورافيا وغارسيا ماركيز وتولستوي وأرغون ونيرودا وإيلوار وكثيرين غيرهم إلى لغتنا العربية وهي لغة رفعت وترفع من شأننا وشأن كلّ أشكال الجمال والإبداع دون أن نرفع نحن للأسف ما تستحق من شأنها. الأمر الذي دفعني أن أعيد قراءة بعضها وأنا في هذا السن باللغة السويدية بالاعتماد على القواميس ومواقع الترجمة في الانترنت وعشرات الأسئلة التي أوجهها للأبناء والأصدقاء الأكثر دراية مني باللغة السويدية. وهكذا أصبحت طفلاً خمسينيًا تستهويه ألوان وعناوين الكتب وأسماء مؤلفيها، بما في ذلك أعدت قراءة بعض كتب الأطفال.
الأكثر إغراءًا في مجال ترجمة الفن والأدب الجميلين توفر الكتب في مكتبات البيع ومكتبات القراءة والإعارة وكذلك في صالات (الأكشون)، أي محلات بيع الأغراض المستعملة من الملابس وأثاث البيت والتحف واللوحات الفنية حتى الكتب واسطوانات الموسيقى وأشرطة الأفلام التي تُباع بأثمان بسيطة وتقدم أرباحها إلى الشعوب الفقيرة كمساعدات إنسانية. وعلي أن أؤكد هنا أنني لا أشتري من هذه الصالات التي أتردد عليها أسبوعيًا سوى الكتب لا غير، رغم أن هناك أشياء تُغري بالشراء لجودتها وبخس ثمنها، ولا أضمن بأنني سأستمر في العزوف عنها.

•   ما هي المصاعب التي تواجهها في الترجمة، خصوصًا ونحن نعرف أن الترجمة تحتاج إلى إلمام عالٍ بكلتي اللغتين. كيف وفقت في ذلك؟

جاسم: الصدفة لعبت دورًا كبيرًا في أول كتاب ترجمته وهو رواية (سرّ النار) للروائي السويد المعروف هيننغ مانكل التي طبعتها أولاً  دار المنى في ستوكهولم. أما الطبعة الثانية فقد ساهمت في طبعها وتوزيعها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. ووزعت الطبعتان بشكل واسع في أسواق أوروبا والبلاد العربية.

•   كيف لعبت سلسلة الصدف في ظهور هذه الرواية؟


جاسم: لم أختر أنا بالذات هذا الكتاب لقراءته وترجمته فيما بعد، وإنما اختارته لي ابنتي الوسطى صابرين، بعد أن استعارته من مكتبة مدرستها وقرأته، ثمّ طلبت مني قراءته وترجمته إلى اللغة العربية. قمت بترجمته وبقي النصّ في الحاسب سنوات طويلة حتى اكتشفه الشاعر الصديق إبراهيم عبد الملك وكان بدوره قد ترجم العديد من كتب الأطفال والشباب لحساب دار المنى.
لم أسعَ أنا شخصيًا بمفاتحة دور النشر لطبعه وتوزيعه، بل قام عبد الملك بنفسه بتقديمه إلى السيدة منى زريقات وفاوضها على طبعه وزكّاني أمامها. فأوقفت عملية ترجمته من اللغة الإنكليزية واعتمدت ترجمتي لأنها عن اللغة السويدية مباشرة وليست عن طريق لغة وسيطة.
لم أخطط بأن هذا الرواية هي أول نصّ لمانكل باللغة العربية وأول تعريف به للقارئ العربي بعد أن سبقت 35 لغة أخرى لغتَنا العربية. ولم أكن أعرف أيضًا أنّ هذه الرواية كانت قد حصدت العديد من الجوائز الأدبية في العديد من معارض الكتب والمؤسسات الثقافية، وقد كان حظ النسخة العربية الفوز بأفضل كتاب في الترجمة والإعداد في المعرض الدولي للكتاب في الشارقة الدورة 19 عام 2010.
أما مواقف هيننغ مانكل من قضية الشعب الفلسطيني وحصار غزّة ومشاركة في أسطول الحرية لفكّ الحصار عنها ونقده القاسي للسلطات الإسرائيلية وطلبه بوقف توريد كتبه إليها، فقد قرّبت مانكل من قلوب العرب والرأي العام العالمي فاستقبله أكثر من بلد عربي وبدأ القراء العرب في البحث عن رواياته ونتاجاته وأخباره فذاع صيت الكتاب وزاد الطلب عليه. لم أخطط لهذا ولم أكن لا أنا ولا غيري ندرك أنّ مانكل تصل جرأته إلى هذا المستوى رغم معرفة الجميع بمواقفه الإنسانية إزاء قضايا الفقر والاحتلال والاضطهاد والحروب الأهلية والقبلية والطائفية في أفريقيا والعالم العربي والعالم، وأنّه يعيش نصف حياته في موزمبيق.
حول مصاعب الترجمة، ليست اللغة هي العائق الوحيد. مع الوقت يصبح التعامل مع اللغة أكثر يُسرًا. ويومًا بعد يوم يمكن للمرء أن يتعلم وتصبح حاجته أقل إلى قواميس اللغة وسؤال الآخرين وتفاصيل البيئة والمكان والزمان لحدث القصة أو الرواية. بالنسبة لنا كعرب أو أجانب على العموم أننا كلما عدنا باللغة السويدية في الماضي قبل 50، 70، أو مئة عام نكتشف فيها تفاصيل ومطبات لم نكن نعرفها، كجمع الأفعال التي اختفت الآن وصارت صيغتها واحدة، هي صيغة المفرد، أو تأنيث أسماء المهن وبعض الصفات التي لم تعد موجودة اليوم. كذلك فإن اللغة السويدية اليوم مليئة بالمصطلحات الجديدة والغريبة التي ركبّها وابتدعها واستوحاها الشباب من حياتهم وطبيعة علاقاتهم وما يدور في الشارع وهي مصطلحات يتحفّظ عليها ويأنف منها كلاسيكيو المجتمع السويدي والتربويون والكثير من المتعلمين ويعتبرونها لغة أزقة.
السوق اليوم هو أكبر المصاعب، أعني عملية التوزيع لا تشجع إلا على ترجمة عدد محدود من الكتب الأدبية وهي أكثر حظًا من الشعر الذي يعاني اليوم من كساد حقيقي وحركة بطيئة. الكتب العربية والمترجمة إلى العربية تطلبها المكتبات العامة وبعض الجامعات والمدارس في السويد وبعض دول أوربا مع تنافس شديد تفرضه الكتب المنشورة بلغات أخرى. الأفراد يطلبون الكتاب العربي بشكل محدود لغلاء كلفة طبعه ونقله بطريق الشحن أو البريد مما يضاعف من ثمنه. والسوق العربية تستوعب القليل، وكذلك فإن عملية الترجمة والفحص والمقابلة اللغوية التصحيح والتوزيع تستغرق وقتًا طويلاً رغم سلامة آلية كلّ تلك الخطوات، ولا روتين في هذه السلسة كلّها، لذلك تتردد دور النشر في إنتاج الكثير من الكتب. أعتقد أن هناك عشرات الكتب المترجمة إلى العربية لم تجد الفرصة للنشر. على سبيل المثال فإن الكتب الموجودة لي شخصيًا في المكتبات والمدارس والأسواق حوالي 14 كتابًا، بعضها نفذ تمامًا من مكتبات البيع، والبعض الأخر موجود لدي وفي المخازن ولم يظهر بعد. وأتوقع أن يصل عددها إلى عشرين كتابًا في أفضل الأحوال في نهاية العام القادم. بينما يوجد في ذاكرة حاسوبي الشخصي نصف هذا العدد من الكتب إجمالاً، مترجمًا ومصححًا وجاهزًا للطبع. وأكثر من هذا العدد يمكن إنجازه في المستقبل.
لم أختر إلا الكتب التي أحببت قراءتها وترجمتها ولم تجد المؤسسة التي تتبنى طباعتها. بعض دور النشر العربية وافقت على الطبع والتوزيع وإشراك هذه المشاريع في معارض الكتاب، لكنّها اشترطت أن تضع اسم المترجم على الغلاف مثل اسم المؤلف تمامًا، في حين يجب وضع اسم المؤلف وحده على الغلاف ووضع اسم المؤلف والمترجم في الصفحة الخامسة من الكتاب كما هو متبع. ورفضت تلك الدور منح المؤلف السويدي حقوقه، فرفضت الشرطين مما أجّل ظهور تلك الكتب.
أما عن اختيار الكتب الباقية، فالكتاب الأول اختارته ابنتي صابرين كما أشرت. والكتب الباقية اختارتها دار المنى ووضعتها في خطتها السنوية وتعاقدت معي على ترجمتها.

•   هل بالإمكان تسليط الضوء على كل عمل قمت بترجمته، وأسباب اختياره؟

جاسم: أسباب الاختيار أشرت إليها في جوابي السابق. الكتب التي قمت بترجمتها عديدة. ليس باستطاعتي أن أشير إلى الكتب التي لم ترَ النور بعد، خوف أن يكون زميل آخر قد ترجمها هو أيضًا فيُصدم ويُصاب بخيبة أمل، أو يحدث لي أنا هذا. كما حدث لي مع رواية (الكلب الذي ركض نحو نجمة) لهيننغ مانكل.
إضافة إلى رواية (سرّ النار) ترجمت عددًا من الكتب الأخرى للأطفال والشباب ولأعمار متباينة بين (7 إلى 20 عامًا) وكذلك لمن هم في سن أكبر. منها:
أجزاء من سلسلة كتب مارتن ودمارك ورسوم هلينا ويليس الاجتماعية البوليسية للصغار، التي تتحدث عن حل ألغاز بعض السرقات التي تحدث في مدينة هادئة تُدعى فالبي:
لغز الزعفران، لغز المومياء ولغز المدرسة.
وبعد أيام سيصدر الكتاب الرابع لنفس الكاتب والفنانة التشكيلية وهو كتاب لغز كرة القدم.
كتابان علميان من القطع الكبير ليوهنا فون هورن ورسوم يوناس بورمان هما:
تفضل إلى البيت.. هكذا يعمل البيت.
يتحدّث الكتاب بالشرح والرسوم التوضيحية عن آلية عمل أجهزة البيت الميكانيكية والكهربائية: قفل الباب، توليد الكهرباء، المصباح، الثلاجة، الحاسوب، التلفزيون، ماصة الغبار (المكنسة الكهربائية)، شبكات الصرف الصحي وغيرها الكثير.
الكتاب الثاني: المدينة.. هكذا تعمل. أو كتاب المدينة كما يسمونه السويديون.
يتحدث الكتاب بنفس الطريقة عن كيفية عمل البنية التحتية للمدينة الحديثة: السلالم المتحركة بالطاقة الكهربائية، قطار الأنفاق (المترو) وقطار الضواحي الكهربائي، الموانئ وروافع السفن، الجسور والأنفاق، المرور والإشارات الضوئية، البنوك الآلية، تعبيد الطرق وتفاصيل أخرى.
أمسكو فابيان وهي حكاية القرد فابيان الذي جلب من أفريقيا إلى حديقة الحيوان في ستوكهولم فحن إلى بلده وهرب إليها. للمؤلف يان ليف ورسومه.
سيارات أنيس للكاتب كارل يوهان دو غيير ورسوم يان ليف.
أرنوب الذي حنّ إلى بيته وهي تروى لأطفال الحضانة. مؤلفتها ليليان إدفال ورسوم الفنانة أنا-كلارا تيدهولم.
وكتب أخرى لا أتذكر مؤلفيها ورساميها لوجودها في المخازن وتوشك مؤسسة محمد بن راشد على توزيعها.
بعد أيام سيصدر كتاب ترجمته لدار المنى بعنوان: دراجة أولّه الجديدة وهو أول كتاب يصدر بالعربية للكاتبة السويدية (أنكا هولم)، ويغيب عن بالي للأسف الفنان الذي صمم غلاف القصة ورسم لوحاتها الداخلية.
في مجال الترجمة أيضًا ترجمت للصحافة العربية في بغداد وستوكهولم ولندن ودمشق وبيروت وعمان وغيرها قصائد لشعراء من أمثال بابلو نيرودا، أديث سودرغران، ليديا لوند وقصصًا لأنطون تشيخوف، جون فوستر، جاك لندن، توفا، يالمر سودربرغ، فرانز كافكا وغيرهم مع سيرة هؤلاء جميعًا وقراءات نقدية لأعمالهم ومواضيع عديدة أخرى. ولبعض محطات التلفزيون أعددت نصوصًا لتقارير وأفلام وثائقية عن بعض الصروح في السويد، وترجمت ودبلجت بصوتي بعض اللقاءات التلفزيون لشخصيات سياسية ودبلوماسية وشخصيات سويدية عامة.

•    حدثنا عن أول كتاب ترجمته وكذلك آخر كتاب. هل شعرت بتطور وتغيّر في عملك؟


جاسم: أول كتاب هو (سرّ النار) لهيننغ مانكل. ترجمته بحب وشوق كبيرين. كانت لغتي السويدية بدائية وبسيطة، اعتمدت فيها على قراءة الأساطير وبعض الكتب البسيطة والمنهج المدرسي للأجانب. استغرقت الترجمة ككل زمنًا قصيرًا، وكتفاصيل ساعات طويلة وصلت أحيانًا إلى 12 ساعة متواصلة في اليوم احتاجت قواميس عديدة سويدية- عربية، عربية-سويدية، وقاموس مصور، وقواميس وسيطة بين السويدية والعربية والانكليزية. كنت أشعر بهاجس يقيّد حريتي في التصرّف بالنصّ العربي وخوف كبير من الوقوع في خطأ جسيم يشوه النصّ الأصلي ويحرفه عن خطّه الشاعري. سرّ النار رواية رومانسية رقيقة حساسة للغاية مثل لوح مفاتيح آلة البيانو، مثل العطر وزجاج القوارير، تتحدث عن الحرب الأهلية في موزمبيق وضحايا الألغام التي زرعها المستعمرون البلجيك تحت الأرض هناك.
الكتاب قبل الأخير الذي سيظهر في المكتبات بعد أيام هو رواية أنكا هولم (دراجة أولّه الجديدة) وتعتمد على الجانب التربوي في الأسرة والمجتمع السويديين وكيفية التعامل مع المراهقين.
الكتاب الأخير وهو بين يدي الآن. هو رواية للكبار لغته عميقة واضحة وليست معقدة، يمكن أن تتحول إلى تحفه نادرة لو تناولها أحد ما أفضل مني ونقلها إلى العربية. نادرًا ما أحتاج الآن إلى قاموس في عملية الترجمة، رغم التطور والوفرة الموجودة بها القواميس الآن ورغم انتشارها على مواقع الإنترنت، ويُسر وسرعة البحث عنها واستخدامها. أشعر بأن لا شيء يقلقني ويحدّ من حريتي وأنا أترجم نصًا كلاسيكيًا مركّزًا يقارب عمره ألـ (120) عامًا ليالمر سودربرغ. أنا رائق وبطيء ومتمهل في عملي هذا. وهذا يجيب على سؤالك الذي يقول: ما هو عملك القادم؟
النصّ الذي بين يدي الآن هو عملي القادم. أضيف بأنّ هذا العمل هو للنشر في الصحافة العربية مع سلسلة مقالات ورؤى نقدية وبعض البيلوغرافيا المرافقة لهذا النص الكلاسيكي. لن يكون لحساب أية دار نشر عربية أو سويدية، وإنما لي وللقارئ اليومي. ربما أصدر الكتاب في المستقبل. المستقبل يعني سنوات، وربما أطلب ذلك في وصيتي ولن أراه كتابًا.

•   هل ستستمر في هذا العمل، أي الترجمة؟

جاسم: في واقع الحال أنا مستمر فيه الآن. لدي ثلاثة كتب سيصدر كتابان منها قريبًا جدًا. بعد شهور أو في مطلع العام القادم سيصدر كتابًا ثالثًا وروايتي الخاصة بي (قلب الجدة نحاسة) التي أتممتها منذ ثلاث سنوات، أنوي مهاتفة الأستاذ جامع بهلول صاحب دار الكلمة في دمشق للاتفاق على طبعها، ورواية جديدة لي أيضًا أتممتها قبل شهر تقريبًا، هي رواية (الجميع يحب إيلفا)، أتمنى أن أجد من يترجمها إلى اللغة السويدية. وأعتقد أنها ستحظى بنجاح أكبر من نسختها العربية الأصلية. ولدي أيضًا خطّة لترجمة أعمال أدبية محددة سلفًا لي شخصيًا ولدار المنى.
أقول أنا مستمر الآن في الترجمة. لكن بعد أيام أو ربما شهور لا أدري إن كنت سأستمر، فأنا هوائي بالطبع كما يصفني الأصدقاء. ربما سأحن إلى الشعر الذي فارقته من سنين، أو يتحداني الشاعر السعودي الصديق د. عبد الرحمن الجديع في كتابة قصيدة عمودية على الوزن الطويل فيغريني تحديه وأعود إلى حقب أدب ما قبل صدر الإسلام وما بعده من أموية وعباسية وأندلسية وأتزود من صيدلية الشعر بشيء من التزويق اللفظي والمحسّنات البديعية واقبل تحديه أو ربما يخدعني الصديق العزيز بهجت ناجي الذي تضيء ابتسامته الرائقة عن بعد ويطلب مني هو أو الصديق الفنان د.أياد حامد أو نضال عبد فارس أن أكتب نصًا مسرحيًا فأفعل. لا أدري أي موشح عربي سيجرفني بحريره الناعم وتيّاره العنيف وإلى أين.

•   هل من مردود مالي واقتصادي تعول عليه في الترجمة؟


جاسم: حبًا وطاعة يا محمد! سأجيبك عليه. إن وظيفتي الأصلية هي الصحافة كما تعلم وأتقاضي عليها مرتبي الثابت. هناك مردود من عملي في الترجمة لأنني أتعاقد مع دور نشر، ليس في الترجمة فقط، وإنما في المقابلة اللغوية وتصحيح الكتب والتدخل (حسب الميانة) في بعض الصياغات، هذا بالنسبة للشركات فقط (الأصدقاء أصحح كتبهم لغويًا ومطبعيًا وأكتب مقدمات لبعضها محبة ودون مقابل). المردود المالي موسمي، وهو لا يعوّل عليه ويسد حاجات آنية. في الغالب أترك للطرف الأخر تقدير هذا المردود دون تدخل مني. وهو دخل لا يكافئ الجهد الكبير والوقت الطويل الذي أبذله في الترجمة، جهدي ووقتي يكافئه الكتاب فقط حين يصدر وأراه في مكتبة أو مدرسة أو في مكتبة صديق. لا أطلب أجرًا مقابل عدد الكلمات أو الصفحات أو الشهور التي أقضيها في العمل، كما هو جار في الترجمة غير الأدبية.
ولتوضيح البون الشاسع بين هذه وتلك أشير إلى أنني قبل سنوات نشرت إعلانًا في موقع دائرة خدمات اللغة عن عملي في الترجمة، ووضعت فيه أجورًا منافسة. وصلتني بعده نصوص لشركات بناء ومراكز صحية ومؤسسات خاصة وعامة، طلبوا ترجمتها إلى اللغة العربية، منها نص قصير ترجمته وأنا أقرأ الرسالة بعد ثلاث خطوات مشيتها من صندوق البريد نحو صالة المنزل. يقول النص:
(انتقل مدخل البناية إلى البوابة رقم 3C الموجود في فناء الحديقة الخلفية للمنزل لحين إكمال التصليحات في المدخل الرئيسي).
ماذا تتوقع كان أجر ترجمة هذا النص الأبله القصير. لن أذكر رقمًا، بل أقول: كان الأجر يساوي أجر ترجمة فصل كامل لرواية مهمة أترجمها في سبعة شهور. تصور أجر خمس ثواني وثلاث خطوات في ترجمة إشعار قصير يوازي عمل أجر أسبوعين في ترجمة نص جميل!
وردتني بعد ذلك نصوص أرشادية في كيفية تحفيظ الأطفال، وضرورة ارتداء واقية الحذاء البلاستيكية الموجودة في سلة خاصة عند المدخل قبل الدخول إلى المركز الصحي. بعد فترة قصير طلبت من خدمات اللغة رفع ذلك الإعلان وتوقفي عن أداء هذه الخدمة.
هذه هي الترجمة المربحة في السويد. كذلك ترجمة الوثائق والترجمة الشفاهية الفورية.

•   هل ستفاجئنا بنشاط إبداعي جديد في المستقبل القريب؟


جاسم: لا أدري!

في الختام لك منا باقات ورد. نشدّ على يديك أملين التواصل في العطاء الجميل.