"نهر ذو لحية بيضاء"... مجموعة قصصية جديدة لهيثم بهنام بردى
عنكاوا كوم - خاص عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، صدرت للقاص هيثم بهنام بردى مجموعته القصصية الجديدة الموسومة "نهر ذو لحية بيضاء".
تقع المجموعة في ثمانين صفحة من القطع المتوسط، توجت بغلاف معبر جميل تتوسطه لوحة عالمية تستلهم أجواء قصص المجموعة التسع التي كتبها القاص بين أعوام 1974 و 1994.
و"نهر ذو لحية بيضاء" هو الإصدار السادس عشر لهيثم بردى في القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والرواية وأدب الطفل، خلال مسيرته مع الكتابة منذ مطلع سبعينات القرن الفائت.
وينشر الموقع قصة "نهر ذو لحية بيضاء" التي كتبها القاص في العام 1975، وقد اختارها عنوانا لمجموعته القصصية الجديدة.
"نهر ذو لحية بيضاء" صورة قديمة في ذاكرة الصبي: - أبي… من أين يأتي النهر.. ؟
- من الجبال العالية البعيدة.
وعمد إلى تدثيره جيدا وهو يبتسم، وقبل أن ينهض سأله.
- وهل له أب.. ؟
- أجل يا ولدي.
- من والده ؟
أنعقد حاجبا أبيه وحار في الإجابة وبعد صمت همس.
- والده يسكن في السماء.
- وهل يزوره… ؟
- من.. ؟
- أبوه…
قال الأب بتودد.
- أجل.
- وهل يحب النهر أباه.. ؟
- طبعا.
هلل الطفل بفرح لا محدود.
- أنا أحب النهر.
- وأنا أيضاً.
ضحك الأب وقال وهو يدغدغ خدي الطفل.
- كلانا نحب النهر.
قام الطفل مستوياً على فراشه وعقد ذراعيه اللدنين على رقبة أبيه ثم ذاب في ثنايا صدره الخافق وقال في همس.
- أنا أحبك يا أبي.
قبله من جبينه ثم أنامه في لطف وتمتم.
- وأنا أيضاً.
وامتدت أنامله نحو المصباح المنضدي المجاور لسرير الطفل وأطفأه فانغمرت الغرفة الصغيرة في ضوء اخضر زاهٍ ينبعث من نقطة متوهجة تحت السقف، وسمع صوت أبيه الذي حث خطاه المتمهلة نحو باب الغرفة.
- والآن حان وقت النوم.
- نعم بابا.
وقبل أن يفتح الباب.
- بابا.. هل للنهر لحية ؟
انطلقت قهقهة الأب الجذلى في فضاء الغرفة عميقة صادقة.
- نعم يا بني.. للنهر لحية.. لحية بيضاء.
ثم نبر بعد برهة تفكير كمن يكلم نفسه.
- وله معطف رماني مصنوع من الفراء، يأتي منحدراً بقلنسوته المغطاة بنتف الثلج الناصعة ويوزع الهدايا على الأطفال عشية العيد.
توقف ريثما يستعيد أنفاسه ثم استطرد بحرارة.
- نم يا ولدي واحلم بالنهر فأنه سيأتيك محملا بالهدايا والعلب ذات الأشرطة الحريرية الملونة والدمى التي تغني و…
وأغمض الطفل مآقيه على صورة النهر وهو ينحدر من الجبال القصية على عربة تجرها كلاب بيض لها عيون تلصف وألسنة مدلاة يسيل منها اللعاب الدافق الحار.
*****
هبط المساء بطيئا مثل بيت العنكبوت فارشاً خيوطه الداكنة على المدينة التي وهبت فرحها القدسي على واجهات المخازن والشوارع الفسيحة المضاءة بالمصابيح الباهرة الجالسة مثل الحوريات فوق قمم الأعمدة المنتشرة بنسقٍ نظيم على أرصفتها المزحومة بالتشابك البشري المتدافع، فيما بدا بجسده الضامر وثيابه الرثة وسط هذا التمازج اللوني الجميل للملابس الزاهية مثل تلطيخة شوهاء في لوحة فنية أبدع خالقها في خلقها، واصل خطوه متتبعاً بضعة أطفال أنيقي الملبس وفي أيديهم ثمة دمى جميلة إستهوته واحدة بعينين زرقاوين فراودته فكرة اختطافها ولكنه في خضم صفائه الطفولي الفذ عزف عن رأيه واكتفى بالتمتع بمرآها عن قرب. وإذ غادروا الساحة الفسيحة ذي الأراجيح المنصوبة ائتلقت في عيونهم نظرات حيية عابقة بلذة العيد وأحلامه الناغية وفي أفواههم طعم لذيذ ممزوج بأصوات الدمى المتكلمة والتي تحمل الفرحة داخل عيونها الزجاجية، وعندما وصل والأطفال مشارف الجسر تأمل الماء المنساب، كان في حلة العيد يرتدي ليل المدينة الضاج بالحياة… قال في توسل حميم.
- أيها النهر.. هل تسمعني.. ؟
- قل يا ولدي.. ماذا تريد ؟
هتف في فرح غامر.
- أريد دمية كبيرة.
- خذ يا ولدي.
ويحتضنها، يقبلها في عينيها الزرقاوين، ويمشي مع الأطفال في فرحٍ لا متناهٍ ثم يدسها بجانبه عندما يأوي إلى الفراش والعينان الحنونتان للأب الذي طوته الأيام تحدقان في وجهه الطفولي الغارق في بحر من الضوء الأخضر الباهر بفرح وتباهٍ، شعر برغبة جامحة للغناء، فأطلق صوته..
خرجت يوم العيد في ملبسي الجديد
أقول للإخوان هيا إلى الدكان
أثار صوته العذب الأطفال فطفقوا يصفقون ويرددون معه.
فيومنا سعيد وعندنا نقود
فأخذته نشوة الطفولة فبدأ يصفق بكفيه الضامرتين بعروقها النافرة واقترب من الأطفال ثم انصهر في بوتقتهم في ألفة طفولية صادقة فيما كان النهر يمسد لحيته البيضاء وينغم بصوته الأجش.
خرجت يوم العيد في ملبسي الجديد.
*****
بعد أن شيع الأطفال كل إلى بيته طمعا في المزيد من التمتع بمرأى الدمى، أدار ظهره- والليل خيمة كبيرة مكتظة بالنجوم الساطعة الشاهقة- وأحس برغبة لا تقاوم للنوم بيد أن قطة متوثبة أنسته، لوهلة، نعاسه وأيقظت فضوله الطفولي النزق. كانت جالسة قبالته، داخل مستطيل من الضوء ينسكب من واجهة مطعم صغير مقفر، تهز ذيلها وتراقبه باهتمام اقترب منها وهو يهش ويصفر لها، ثم التقط وبسرعة خاطفة قطعة حصى صغيرة وقذفها بقوة شحن فيها كل أساه فقفزت من أمامه مذعورة تموء في خوف وغضب حيواني وعتاب، راقت له الفعلة، وأشفت نظراتها الوجلة غليله فأنشأ يضحك من أعماقه بفرح وصخب طفولي أليف.… ترك لقدميه العنان ووجد نفسه يندلق نحو شارع رئيسي وخطرت بباله سرقة الشحاذ المكفوف الذي يقتعد باب فندق رخيص،... وصفق كمن عثر على كنز، ركض بين الأجساد المندفعة إلى غاياتها تحت أضواء النيون البارقة، ولما عاين المنديل المفروش أمام قدمي المكفوف خبا الإلتماع الذي كان ينث من أعماق عينيه العسليتين الناعستين وهمس بلوعة.
- أين يضع نقوده إذن.. ؟
وعلى المنديل الذي يعلن عن حمل خفيف من النقود، لا تزال عيناه مسمرتين.
- ماذا افعل.. ؟
وحول عينيه قاذفاً الليل المحلولك والمدينة المتلفعة بالعباءة السوداء بنظرة عاجزة وجلة، وقال بحسرة.
- أين أذهب.. ؟
كانت أقداح الكاستر الدافئة المتراصة وراء الواجهة الزجاجية لمحل يغرق بالأضواء البهيجة توحي إليه دوماً باقتحام المحل وخنق صاحبه ثم القفز إلى الواجهة والغرق، حتى الموت، في الرائحة الزكية الشهية للمزيج الأصفر حد خروجه من زقومه. بيد انه هذه المرة كان من الخور والألم والجوع بحيث لم يتحرج من لمس فخد رجل بدين كان يلتهم الكاستر بنهم، وسمع الصوت الناعم المستجدي، صوته يخرج من فمه ذليلا مهانا.
التفتت عينا الرجل نحوه وخزرتاه بنظرة مريبة، أشار الصبي إلى فمه، وازدرد لعابه… برم الرجل شفتيه بتقزز ومضى يمضغ بتلذذ وشخيره يتعالى برتابة مع ارتفاع وانخفاض كرشه، أحس أن فائدة، لا أحد يحس به… مشى خطوات يسيرة ساهماً، وتوقف يحدق بالصورة الكبيرة الملونة التي تتزين بها صالة سينما قديمة تفوح منها رائحة العفونة والعطن، كان طرازان بعضلاته المفتولة القوية وجسده الفارع اليافع الحديدي يصارع أسداً هائجاً وقد امسكه من شدقيه مرتكزا على ساقٍ واحدة فيما ترك الثانية تتشكل ككماشة على ظهر الأسد الذي.. لابد.. أن يستكين لمصيره المحتوم، فكر مع نفسه: لو صرت طرازاناً، أول شيء أفعله تمزيق جميع الرجال ذوي الكروش المنتفخة بالسكين التي أتحزم بها على وسطي المفتول بعضلاته القوية.... دلف يتفحص الصور المعروضة مبهوراً، كان ينظر إلى طرزان ويرى وجهه على الزجاج وهو يبتسم معجباً، تمنى أن يتنعم برؤية طرزان وهو يصارع الضواري و"الشيتا" ترقص فرحة فوق أغصان شجرة الموز.. رأى شاباً متأنقاً على وشك الدخول فاجتاحته رغبة عارمة لا تردع للتشبث به، ربما يدخله معه، وقبل أن يشرع بالمحاولة ارتسمت صورة البدين أمام لواحظه فسحب يده وخرج مهموما وقد دكه الجوع والتعب، انزوى في أول زقاق صادفه وتقرفص على الأرض، نفض رأسه وثقب بكارة العتمة بعينيه الصقريتين وسافر خلل الغلس إلى غرفة تسبح في القٍ اخضرٍ زاهٍ، ورجل أنيق بقامة طويلة ورشيقة يقبض بكفه المشعرة على مقبض الباب والصوت الدافئ يتجول في فضاء الغرفة.
- نم يا بني واحلم بالنهر فانه يأتيك محملاً بالهدايا والحلوى والدمى..
فأغمض مآقيه على صورة النهر وهو يأتي منحدرا من الجبال على عربة تجرها كلاب بيض لها عيون تلصف وألسنة مدلاة يسيل منها اللعاب الدافق الحار.. فتحها ثانية والفرح فيهما أسراب من الحمائم البيض والبسمة في شفتيه شمس سرمدية، بيد انه لم يجد سوى الاسوداد الكالح لمعالم الزقاق التي سرعان ما توضحت داخل عينيه: كان ثمة بيت على مقربة من مجلسه يقابله دكان موصد الأبواب ثم خرابة مهجورة يعشش فيها الماء الآسن… أحس بالكرى يطرق رأسه الصغير فأغمض عينيه وأطل على بستان واسع مثقل بأشجار البرتقال والفستق والبنفسج وفي عليائه تبتسم السماء له بعيونها الزرقاء وتحت قدميه انعطافة جدول نحو الأشجار… قفز منتشياً وهو يهتف.
- ما أجمل هذا البستان.
ثم وهو يعاين عصفوراً على غصنٍ قريب.
- وما أجمل عصافيره.
توقف يراقب العصفور الذي سرعان ما صفق جناحيه بقوة وحلق طائراً نحو قمم الأشجار ثم اختفى.. مشى صوب سنديانة تظلل الجدول، وقف على حافته وفكر… ما أجمل الحياة هنا… ندت حركة مفاجئة بالقرب منه، رأى قرداً متدلياً من غصن السنديانة يراقبه بفضول واهتمام، قعد القرفصاء، قفز القرد على الأرض المعشوشبة وقلده، ضحك واقترب من القرد ثم طفق يصفق والقرد يفعل مثله ويقفز بنشوة وصخب حيواني محبب، حملته النشوة السكرى إلى ابعد حدود الفرح فأنشأ يرقص حتى تعب فتمدد على العشب ينظر السماء المشرقة، ثم سمع صوتاً رخيماً يناديه، نهض مستويا على مرفقيه وبحلق، سأل بحيرة.
- من أنت.. ؟
- أنا النهر.
- أين أنت ؟
- في الجوار.
- لم لا تأتي ؟
- سأفعل.
- متى ؟
- في الليل.
ثم بصوت رخيم.
- عندما تنام كي أعطيك هدية الميلاد.
- شكراً يا نهر.
وبعد برهة هتف.
- أيها النهر…
- نعم.
- لي رجاء.
- سل.. يا حلو.
- أيقظني عندما تأتي لكي أرى لحيتك البيضاء.
سمع صوت ضحكة عميقة دافقة، ثم سمع النهر..
- حسناً يا فتى..
ومضى يلعب مع القرد حتى أضناهما التعب والجوع… وحينما أرسلت الشمس بقايا خيوطها تمدد على العشب الندي متوسداً البطن الدافئة للقرد وانغمر في إغفاءة رخية حالماً بالنهر وهو يأتي من الجبال البعيدة على عربة تجرها كلاب بيض لها عيون تلصف وألسنة مدلاة يسيل منها اللعاب الدافق الحار…
الموصل
آذار- 1975