المحرر موضوع: نصوص المرايا المتقابلة  (زيارة 3099 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عدنان الصائغ

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 11
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نصوص المرايا المتقابلة
« في: 22:19 06/10/2011 »
الشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر، حاصداً نوبل لهذا العام 2011:
 




نصوص المرايا المتقابلة

عدنان الصائغ
شاعر عراقي مقيم في لندن


وأنا الغريب/ أنا وحدي أعوم في الثلج/ وشفتاي قطعتان من حديد/ وعندما يضرب الليل عيني/ سأذهب إلى بيتي الصغير/ لأسهر مع الكتب/ الكتب... السرطان الذي يأكل/ أحداقي...
حسين مردان

"حقيقتان تقتربان واحدة من الأخرى/ واحدة آتية من الداخل/ وأخرى من الخارج/ وحيث تجتمعان/ يتسنى للمرء أن يرى نفسه".
الشاعر السويدي توماس ترانسترومر

"إنه لموجع عبور الجدران، وقد يُمرِض/ لكنّه ضروري؟ العالم واحد، لكنها الجدران/ جزء منك هو الجدار/ تعلم أو لا تعلم/ هو كذلك للجميع/ ما عدا الأطفال/ هؤلاء لا جدار لهم"
توماس ترانسترومر أيضاً




داخل قاعة المرايا، في مسرح هيب hipp السويدي، كانت وجوه الشعراء تتداخل وتتكرر عبر انعكاسات المرايا التي شكلت جدراناً للقاعة الكبيرة وبالتالي كانوا يبدون للناظرين، لا نهائين عبر سلسلة تكرارهم. وهذا الجمهور الجالس، المتكرر، يبدو لهم لانهائياً أيضاً.
هل التكرار، وهم مكرر.
وأتذكر ماكس جاكوب وهو يقول: "على قصيدة النثر أن تبتعد عن أي مقابلة على الواقع مثلاً فلا مجال للمقارنة بينها وبين أي شيء آخر لإقامة التشابه أنها لا تسعى لخلق شيء سوى ذاتها"..
هل المرايا تكررنا إذن؟.. ام نحن تكرارها؟ أم المرايا هي وهمنا، حلمنا المتواتر؟..
لكن المرايا وهي تخلق التشابه، قد تجملّه احياناً.
هكذا بدأ الأمر بالنسبة لي وأنا أدلفُ إلى هذه الصالة شاقاً طريقي وسط الطاولات التي تحلّق حولها جمهور الشعر والفرجة معاً، لأختار طاولة منعزلة، علي أستعيد وحدتي التي أفسدها التكرار في زحمة المرايا وموهتها الوجوه المتداخلة ببعضها البعض.
هل المرايا تمتهن لغة التمويه؟
أتلفّتُ بعيني، أجوب الموائد والآلات الموسيقية وثياب الفتيات مكشوفة الصدر والبطن، والبوسترات الأنيقة. وأتذكر تلك الأمسية التي جمعتني مع شلة من الأصدقاء الصعاليك، نهاية الثمانينات، حين جئنا لقراءة قصائدنا في قاعة المكتبة الوطنية، بباب المعظم. ففوجئنا أنهم أوصدوا أبوابها، بأوامر خاصة من وزارة الدفاع التي تقع مقابلها. وعبثاً حاولنا اقناع الحارس بضرورة الشعر وميشيل فوكو. لكنه تسمّر بالأوامر المشددة.
وبقينا حائرين أمام الجمهور الذي التفَّ حولنا ، لكن بلا مرايا.
فما كان إلاّ أن ألتفتُ بحثاً عن أي مسند أو مكان بديل، لأجد "تنكة" صفيح فارغة مرمية خارج السور الحديدي وقد علاها الصدأ. هرعتُ إليها لأحملها وأعود بها إلى مكان التجمع في حديقة المكتبة. ثم لنجلس عليها ونبدأ أمسيتنا الشعرية. جلس الجمهور على العشب المندّى، وبدأنا بالقراءة واحداً بعد الآخر، كأنّا نقرأ أمام مرآة الفراغ الكونية.. حقاً كانت أمسية رائعة.
جاءت الشاعرة السويدية كارين لينتز والشاعر اليوغسلافي ميلسوفيش والشاعر الإيراني علي آينيه وآخرون. جلسوا إلى طاولتي وابتدأوا جوّهم الفنتازي مع الأحاديث والموسيقى والضحك والفودكا والطعام. سألتني شاعرة كانت تجلس معنا لماذا أنا حزين دائماً..
ابتسمت في وجهها لكي لا أفسد عليهم ليلتهم مثلما أفسدوا عليّ وحدتي، خافياً تحت أبط ذاكرتي تلك الصفيحة الصدئة وبقايا عشب الأيام اليابسة ودخان الحروب، متملياً ابتسامتها الثملة تطبطب على أوجاعي بين أكواب الفودكا وغناء خافت متقطع.
كانت المرايا تعكس أيضاً وجه الشاعر السويدي الشهير توماس ترانسترومر  Tomas Tranströmer الذي أُصيب بشلل نصفي بسبب جلطة دماغية( ) أفقدته القدرة على النطق والحركة. وبعد عناء طويل مع المرض، تماثل جزءٌ بسيط منه للشفاء، وها هم أصدقاؤه الشعراء يحتفون به.
أنظر إليه جالساً على مقربة منا وعلى محياه المحتدم سيماء الرضا والحبور والقلق والنشوة وهو يجلس أمام  اثني عشر شاعراً من اثني عشر بلداً، يقرأون  ترجمات قصائده باللغات: الاسبانية، العربية، الانكليزية، الفرنسية، الصربية، الايرانية، الاسلندية، الكرواتية، التركية و.. و..، هو الذي تُرجم شعره إلى أكثر من 51 لغة في العالم، ووصفه الشاعر جوزيف برودسكي (الحائز على جائزة نوبل 1987) بأنه شاعر من الطراز الأول. وقال ديريك والكوت (نوبل 1992): "إن على جائزة نوبل أن لا تتردد في منح ترانسترومر جائزة نوابل". ووصفته المجلة الفرنسية الجديدة بأنه "الشاعر الذي يحتضن العالم السحيق ويعلّمنا أن نحسّ في لعثماتنا الهازئة اختلاجات لغة لا تُنسى". وقالت عنه لجنة جائزة نيستردات العالمية بأنه "واحد من الشعراء الأكثر تفرداً في هذا العصر".. وقال عنه آخرون، وأخرون، الكثير، الكثير.

* "الحقيقةُ ملقاةٌ على الأرض
لكن لا أحد يجرؤ على التقاطها
الحقيقة تقع في الشارع
لا أحد يجعل منها حقيقته"
* "لأن الهوامشَ تصعدُ إلى النهاية
إلى حدودها القصوى
وتفيضُ على النص"
* "يحدثُ ولكن نادراً
أن أحداً منّا يرى الآخر في الواقع:
للحظةٍ يظهرُ إنسانٌ
كما في صورةٍ فوتوغرافية ولكن بشكلّ أوضحَ
وفي الخلفيةِ
شيءٌ ما أكبر من ظله"
* "السيد (أكس) لا يجرؤُ على مغادرةِ شقتّهِ
سورٌ معتمٌ من أناسٍ غامضين
يَحولُ بينَهُ
وبين الأفقِ المتدحرجِ بلا نهاية"
* "في منتصف الحياة يحدثُ أن يأتي الموتُ
ويأخذ قياسَ الإنسان. هذه الزيارةُ
تُنسى والحياةُ تستمرُ. ثمَّ تُخيَّطُ
البذلةُ بصمت.."( )

عندما انتهى الشعراء من تلاوة ترجمات قصائده وسط أجواء الموسيقى والأضواء، نهض من كرسيه بصعوبة وحيّا الجمهور الذي تعالى تصفيقه وصفيره المشجع أكثر وأكثر. وعكست المرايا خفق الأيدي التي حلقت كطيور ملونة في فضاء المرايا باتجاه ساحة كوستاف أدولف، متصاعدة مع زفير آلات "الموسيقين الخمسة( )" هناك.
قادني إليه الشاعر الاسباني البرتو موسكارو، فحياني بحبور، والتفت متحدثاً لرفيقته ولـ موسكارو إنه قرأ بعضاً من قصائدي المترجمة للسويدية وإنه سعد بها ثم أجلسني جنبه ليلتقطوا لنا صورأ تذكارية.. تركتنا المرايا وانشغلت بتكرار وميض الفلاشات بسرعة ربما فاقت لمح البصر الذي حدده هدهد سليمان، زمناً أو برهاناً لحمل عرش بلقيس إليه من اليمن..
لكن ترانسترومر لم يكن يحلم بعرش.
كان يكفيه عرش القصيدة..
ولم يكن يحسب حساباً لنوبل، رغم استحقاقه لها أو استحقاقها له، منذ سنوات حسب تأكيدات الأكاديمية السويدية نفسها وترشيحها له لأكثر من مرة. ورغم.....
كان مشدوهاً وفرحاً بنصوصه التي تكررت بمرايا الألسن التي عكست ترجماتها بأشكال وايقاعات شتى للمستمعين( )..
كأن بين كل مرآتين متقابلتين عالم من "مُثل معلّقة" كما يصفها السهروردي الحلبي القتيل. وبينهما تقف روح الشاعر كأنها البرزخ الذي وصفه القاشاني بـ "الحاجز بين الأجساد الكثيفة وعالم الأرواح المجردة"..
هل المرايا روح أيضاً؟
أم نص؟
وكيف يمكن تدوينه إذن؟
لكن المفكر الفرنسي جيرار جينة يقول: "إن كثيراً من النصوص تخفي وراءها نصوصاً أخرى"..
كأن المرآة متنٌ للنص، وعلى حواشيها تسيل الحروف الأخرى: شروحاً وتعليقات واضافات.
فما نراه داخلها هو الأصل لا الفصل.
وما حيوتنا خارج متن النص إلاّ سلسلة طويلة من الهوامش المثقلة بالهوامش( )..

2004 مالمو

*   *   *



ــــــــــــــــــــــــــــ
•   من كتاب "اشتراطات النص، ويليه، في حديقة النص" - المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2008.