المحرر موضوع: رذاذ مشاعر الطائي يلون عيون قصيدته  (زيارة 2867 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 308
    • مشاهدة الملف الشخصي
رذاذ مشاعر الطائي يلون عيون قصيدته


ميسون خلدون الطائي
قصيدة "مطر خفيف" للشاعر الدكتورمعن الطائي، هي قصيدة متعددة الأوجه والقراءات ولا يجوز أن ننظر إلى النص من زاوية ضيقة، فقيمته تكمن في احتوائه على شفرة أو مفتاح لفهمه.
يختار الشاعر ظاهريا نموذج المرأة أو الحبيبة لتكون محورا لقصيدته، ومادة أساسية لشعره. يظهر الشاعر في مظهر الحبيب الذي ينتظر حبيبته بلهفة وصبر، فيخاطب الشاعر حبيبته، يسألها، ويصفها بأحلى الصفات محاولا أستدراجها، بينما هي تمتنع، ويطول أنتظار الشاعر وتتعدد أسئلته. أما ضمنيا فأن الشاعر يخاطب "القصيدة"، لتأتي المشاهد في محلها لكي تمنح صور معمقة للحالة التي يمر بها عند انتظاره للألهام، وقد فضل الطائي أن يحتفظ بمفتاح النص وبذكاء في مكان ما من النص الشعري. وهكذا تخرج القصيدة عن واحد من أهم اغراضها المعروفة وهو استخدام القصيدة لمناجاة المرأة (الحبيبة) والتغزل بها، من خلال كسر الشاعرللأطار القديم وعكسه للصورة المتعارف عليها وتوظيفه لرمز المرأة (الحبيبة) للتغزل بالقصيدة محاولا الوصول الى قلبها .
في المشهد الأول يصف الشاعر الحالة التي يشعر بها عند انتظاره للالهام، يتخيل الشاعر نفسه بأنه يقف في "موقف الباص" وما تحمله هذه العبارة من دلالة على الانتظار. يصلنا إيقاع الحزن عندما نتفاجيء بعدم وجود مطر حقيقي بل" رذاذ خفيف من الكآبة"،يستمر الشاعر بالتلاعب بالكلمات حيث يبدو الشاعر لأول وهلة وكأنه يقرأ جريدة "اتابع بهدوء جريدة الصباح"، لنكتشف بأنه يراقب بهدوء مشهد "جريدة الصباح" المتطايرةعلى الرصيف المقابل. يظهر الشاعر مقدرة عالية على شرح ووصف خطوات خلق أو ولادة القصيدة، فهي تبدأ بفكرة والتي يرمز لها بالجريدة المتطايرة،و مفردة "الصباح"تأتي دلالة على طول انتظار الشاعر، فعند تقدم النص سيكتشف القارئ بأن وقت كتابة القصيدة هو "المساء":
هذا المساء
كل شيء يبدو هادئا،
المقهى في نهاية الشارع،
بعد أن كان يقف وحيدا في موقف الباص، يفاجئنا الشاعر في كسر الهدوء الذي يسود المشهد من خلال مخاطبته لأمرأة عن طريق استخدامه للصيغ ألأستفهامية :
كنت في كل مرة انسى أن اسألك:
لماذا ينمو على راحتيك
عشب أزرق؟
و لماذا كلما اجتازت سماءك
فكرة عابرة
تسربت نحوي موسيقى ناعمة؟
هذه الأسئلة التي يبدأ الشاعر بتوجيهها إلى حبيبته، قد تتناغم مع أسئلة أخرى تدور في ﺫهن قارئ النص: من هذه المرأة ؟ ولماذا تأتي وعلى راحتيها " عشب أزرق" ؟ يمهد الشاعر من خلال استخدامه لتشبيه غريب بأن هناك شيء من الغرابة والخيال، فهل يخاطب الشاعر امرأة عادية من العالم الذي نعيش فيه؟!
يبدأ ألقارئ بتتبع بعض الخيوط لفهم المعنى أو "المرأة اللغز "، يستخدم الشاعر مفردة "العشب"، كرمز للحياة والخصوبة، أما استخدامه للون الأزرق ليصف به العشب بدلا من اللون الأخضر فيمكن تفسيره في ضوء تحليل البنية التركيبية للقصيدة . فقد أختار الشاعر مفردة "أزرق" لتكون قريبة من مفردة "سماء" التي تليها مباشرة، وهكذا يحقق الشاعر مقاربة ﺫكية لأرتباط اللون "الأزرق" بالسماء، ونوع من الانسجام في الصورة التي يتخيلها القارئ. يظهر الشاعر بمظهر الرسام الذي يستخدم أدواته بإتقان، ويرسم صور بألوان متجانسة وهو يركز على الأثر الذي يحدثه النص الشعري على المتلقي. وبما ان قدوم الألهام او اكتمال "القصيدة " هو شيء ينتظره الشاعر بصبر ولهفة،وهو حدث يسعد الشاعر ويزيل عنه القلق والتوتر، يختار الشاعر اللون " ألأزرق " للعشب، ربما لأنه لون مفضل لديه وقد يشعره بالراحة النفسية وهو شعور يسوده عند كتابته للقصيدة واكتمالها كلماتا، وموسيقى، ومعنى.
ويستمر الشاعر في وصف الحالة التي يمر بها وهو في ألهامه "تسربت نحوي موسيقى ناعمة"، ويستمر في خلط ألوانه واختيار اللون المناسب، فهو يختار اللون الأخضر ليلون عيون القصيدة التي طالما أحب حضورها، وهذا يفسر لنا ايضا سبب تجنب اختيار الشاعر للون ألأخضر للعشب تفاديا للوقوع بالتكرار .
و في اخضرار عينيك
ينكسر زجاج الاسئلة؟
كما بدأت الأسئلة فجأة، فأنها تتوقف فجأة، فالمخاطب غائب فهذه المرأة أو "القصيدة " تبدو أقرب الى الحلم منه الى الحقيقة. فالألهام هو شئ غامض كهذه المرأة الغامضة، هو موسيقى داخلية تسلي النفس، وهو نور قادم من السماء في لحظة اللاوعي. حيث يقترن تعدد الأسئلة دون الحصول على اجابة بالمخاطب "القصيدة" أو الالهام فيقف الشاعر عاجزا عن تفسيره.
ويستمر الشاعر في رسم الصورة، أو المشهد الثاني والذي ينسجم مع المشهد الأول، مشهد ألأنتظار، وما يحمل من دلالة ترقب وقلق. يبدو المشهد للوهلة الأولى بأنه روتيني:
هذا المساء
كل شيء يبدو هادئا،
المقهى في نهاية الشارع،
الرصيف المقابل،
الشرفات المطلة على الفراغ،
روحي الممددة في وسط المدينة
كنهر قديم
يعاني الشاعر من الأنتظار، انتظار الحبيبة. يتلمس القارئ بأن الهدوء الذي يسود المشهد هو هدوء غير مريح ويتعزز هذا الشعور من خلال استخدام الشاعر للمفردات " الفراغ، روحي الممدة، نهر قديم، وهم قديم" فهو هدوء يرتبط بالموت. هناك فراغ داخلي لدى الشاعر، فهو ينتظر القصيدة و قد طال انتظاره لها. هناك شعور يسود القارئ بالبرد و الظلام "همس الأضواء البعيدة" وعدم الراحة " اسراب الطيور المهاجرة " كناية عن الغربة . يرسم الشاعر مشهد اخر خالي من الالوان ليصف بدقة معاناته في أنتظار الألهام او النور القادم من السماء ليضئ روحه المعتمة. يظهر الشاعر مقدرة عالية في سبر اغواره من الداخل،فبدون الألهام يبدو الشاعر كنهر راكد ممدد كجثة قديمة. فالماءالموجود على السطح لا يمنح الحياة، الشعر المكتوب سابقا لا يمنح الجمال، فالشاعر متوتر، قلق بأنتظار الماء الحقيقي، الماء الذي يهبط من السماء " الألهام"، أو الماء الذي ينبثق من دواخل الشاعر ولا وعيه الشعري
كما هو ملاحظ تخرج قصيدة " مطر خفيف" .
ويتعزز تعلق الشاعر بالقصيدة ويتعزز طول انتظاره ونفاﺫ صبره من خلال استخدام الشاعر لصيغة المبالغة "كم من المواسم علي الأنتظار":
كم من المواسم علي الانتظار
حتى يزهر البنفسج في رخام عزلتي
و أنت تلوحين لي كاحتمال
وهم قديم.
وهكذا تبدأ أسئلة الشاعر فجأة كما تنتهي فجأة كصرخة اعتراض، فالشاعر يريد ان يلون روحه الفارغة بجمال زهرة البنفسج بما تحمله من دلالة الحياة والجمال .
ثم يأتي المشهد الثالث وهو مشهد مهم، حيث يضع الشاعر الشفرة ومفتاح اللغز " المخاطب الغائب". يبدأ المشهد بعبارة " دورة المفتاح ":
دورة المفتاح في الباب
صرير مفاصله المتعبة
و الغرف الخالية إلا من الصمت
فهل يستخدم الشاعر هذه العبارة "دورة المفتاح" للتنويه بأن مفتاح فهم النص الشعري يكمن في هذا البيت او المشهد؟! أو جاء أستخدامه لها بدون وعي؟!...وفي الحالتين فأن استخدام مفردة المفتاح في بداية البيت تحسب لصالح ألشاعر وقدرته على الأبداع، فهي حركة ذكية من الشاعر. ويستمر الطائي في استخدام اللعبة اللغوية وانتقاءه المتميز للكلمات للتعبير مجازا عن الفراغ الداخلي لدى الشاعر " الغرف الخالية "، وقد تعبر هذه العبارة عن عدم وجود الكلمات المناسبة التي ممكن أن يستخدمها لأكمال كتابة القصيدة. فعبارة "اوراق وأفكار مبعثرة" تعطي دلالة القلق وعدم الأكتمال،ا ﺫ لم تكتمل القصيدة بعد . ثم نصل الى مفتاح النص،
" وقصيدة تأبى أن تشاركني المساء" .. وأخيرا يكشف الشاعر هوية حبيبته التي يشتاق الى حضورها ويعاني من غيابها، انها " القصيدة". والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماﺫا لم يستمر الشاعر في لعبته اللغوية مثلا أن يستخدم الشاعر مفردات أخرى بدل "قصيدة" مثلا "وهي تأبى أن تشاركني المساء " أو و"حبيبتي تأبى أن تشاركني المساء"...؟! والجواب قد يكون في رغبة الشاعر في ان يكشف مفتاح اللعبة او اللغز من اجل اغلاق أي أحتمالات أخرى .. ولكي لا" يبقى المعنى في قلب الشاعر" بل في مكان ما من القصيدة وعلى القارئ الذكي كشفه وتلمسه، كما انه يشعر القارئ بنوع من الغموض و الرغبة في الكشف والتحري.فكشف السر يأتي في صالح الشاعر، فهو يتحدى القارئ يستمر في لعبته اللغوية الذكية ويظهر بمظهر العشيق الذي يعاني من غياب المعشوقة، يتعاطف القارئ مع الشاعر وربما يستعيد تجربة شخصية، ليصحو على حقيقة معاناة الشاعر وهوية معشوقته، فالشاعر يعاني من عدم قدرته على اكمال القصيدة وهو في أنتظار الألهام ليعيش راحته النفسية.
ثم يأتي المشهد ألأخير، ويلجأ الشاعر الى مناجاة أو محاكاة هذا ألخيال. يشبه الشاعر نفسه بنافورة مهملة وما تحمله من دلالة الفراغ، اليباس والخلو، فالنافورة خالية من الماء (مهملة)، كما أنه يشبه القصيدة بالعصفور الذي جاء ليرتوي من ماء هذه النافورة، العصفور في غاية العطش، "بلله العطش". غير أن كلمة بلل لا تستخدم عادة مع كلمة " العطش "، فالعطش لا يبلل فنقول "قتله العطش" أو مات من العطش". مفردة "بلل" توظف من قبل الشاعر لأعطاء شعور مزيف بأن العصفور قد نال كفايته من الماء. وهذا يخالف الحقيقة، لأن لا ماء في النافورة أي أن الشاعر ما زال يعاني ولا يستطيع أكمال قصيدته العطشى لمشاعره وكلماته. كثيرا ما يستخدم العصفور في القصائد الشعرية كرمز يرتبط بالشاعر او قصيدته. فالعصفور أو الطيور بشكل عام هي من اكثر الحيوانات التي تم أستخدامها كرموز في النصوص الشعرية، ويرجع هذا لأسباب عديدة وكما يلخصها الكاتب ليونارد لوتواك في كتابه ( الطيور في الأدب ألأنكليزي): اولا . الشاعر كالعصفور كلاهما يحبان الحرية ولا يستطيعان العيش بدونها، ثانيا. لغة الشاعر لغة موسيقية جميلة كلغة العصفور غير أنه يعاني من عدم قدرة الناس على فهم لغته كما هو من الصعب عليهم فهم لغة العصفور، الشاعر كالعصفور يعيش في عالمين على الأرض وفي السماء، ثالثا. يحاول الشاعر أن يتعلم من العصفور روح المقاومة والقدرة على البقاء في الظروف الصعبة، وأخيرا وليس آخرا فأن الطيور بقدرتها على الطيران ترتبط بعالم الخيال والميتافيزيقيا وهذا شيء يحرك أحساس الشاعر.
ثم يصف الشاعر خطوات خلق أو ولادة "قصيدة":
أدرك فجأة
أنك الضوء و أنا الحجر.
ينفطر قلبي الحجري
و أنا أحصى المسافة بصبر
بين الغياب و بين اكتمال
النظرة التائهة
شعر الشاعر هو ذلك الضوء القادم من اعماقه ليضئ روحه الخالية، ويستمر الشاعر في رسم لوحته مضيفا بعض البصمات التكميلية، ليطلع منها لوحة جميلة متناسقة الألوان، وأخيرا يضع الضوء "انت الضوء وأنا الحجر". فبدون القصيدة تصبح روح الشاعر لوحة خالية من الألوان.
يقترن حضور القصيدة بالحياة " عشب، موسيقى ناعمة, زهر البنفسج، ضوء، مطر"، بينما تصبح حياة الشاعر قاسية وخالية من البهجة في حالة غيابها أو تأخرها عن المجئ، وهذا يتضح من خلال استخدام الشاعر للجمل الشعرية العميقة التي تنقل الأحساس بالمرارة وصعوبة العيش والتي يستطيع القارئ ان يتلمسها من خلال المفردات والعبارات " رخام عزلتي، الحجر، قلبي الحجري، وهم قديم، روحي الممددة، هدوء، فراغ، صمت"، وكأن القصيدة هي التي تمنح الشاعر الحياة وليس العكس. وهذا يعبر عن العلاقة الوثيقة بين الشاعر وقصيدته، فشعر الشاعر هو ملجأ يلجأ اليه ليستضل به من حرارة الواقع، كما أنه فسحة يدخل منها الضوء لينير ايام الشاعر وساعاته المعتمة، وهو العالم السحري الذي يستطيع الشاعر ان يستخدم فيه عصاه السحرية بحرية ليخلق عالمه الخاص به، وليعيش ايامه كما يشاء، وليقول كلمته الأخيرة .
لا يستطيع الشاعر أستدراج القصيدة بأرادته، فهو ينتظر بصبر ولادة القصيدة، فقدومها أو أكتمالها يحتاج ألى مجموعة من العناصر والتي تتجانس مع بعضها البعض لتمهد لولادة شرعية لقصيدة مميزة، وتتلخص هذه العناصر بالعاطفة، الأفكار، ألأسلوب والموسيقى. ويمهد الشاعر برشاقة لقرب حضور القصيدة:
و أنت تعبرين الشارع بخفة.
أمنع عزلتي من
محاولات استدارج قلبك
كي لا يخدش الحضور اكتمالك
وأخيرا ينجح الشاعر بالوصول الى قصيدته، والذي يقترن بزخات المطر الخفيف دلالة على نزول الألهام . يعيد الشاعر تقريبا ما جاء في المشهد الأول لكن هذه المرة المطر حقيقي وليس "رذاذ خفيف من الكآبة".
هذا المساء
كل شيء يبدو هادئا
أيضا
أيضا، فهناك جريدة تطيرها الريح وقد ترمز الى فكرة جديدة تلوح في الأفق، وقد تكون بذرة او شرارة لقصيدة جديدة، ويبدو أن قدر الشاعر ان يعيش في قلق دائم.
مطر خفيف
1
في موقف الباص
بللني رذاذ خفيف
من الكآبة
انهمر فجأة
بينما اتابع بهدوء
جريدة الصباح
تطيرها الريح
على الرصيف المقابل.
كنت في كل مرة انسى أن اسألك:
لماذا ينمو على راحتيك
عشب أزرق
و لماذا كلما اجتازت سماءك
فكرة عابرة
تسربت نحوي موسيقى ناعمة؟
و في اخضرار عينيك
ينكسر زجاج الاسئلة؟
2
هذا المساء
كل شيء يبدو هادئا،
المقهى في نهاية الشارع،
الرصيف المقابل،
الشرفات المطلة على الفراغ،
روحي الممددة في وسط المدينة
كنهر قديم
يحفظ اسرار الثرثرات العابرة،
همس الأضواء البعيدة،
اسراب الطيور المهاجرة.
كم من المواسم علي الانتظار
حتى يزهر البنفسج في رخام عزلتي
و أنت تلوحين لي كاحتمال
وهم قديم.
3
دورة المفتاح في الباب
صرير مفاصله المتعبة
و الغرف الخالية إلا من الصمت
مذاق القهوة المعتاد
و استراحة المساء
أوراق و افكار مبعثرة
و قصيدة تأبى أن تشاركني المساء
4
في موقف الباص
مازلت منتظرا
كنافورة مهملة
بينما تدورين حولي
كطائر بلله العطش
أدرك فجأة
أنك الضوء و أنا الحجر.
ينفطر قلبي الحجري
و أنا أحصى المسافة بصبر
بين الغياب و بين اكتمال
النظرة التائهة
و أنت تعبرين الشارع بخفة.
أمنع عزلتي من
محاولات استدارج قلبك
كي لا يخدش الحضور اكتمالك
يبللني مطر خفيف
ينهمر فجأة
و جريدة تطيرها الريح.
هذا المساء
كل شيء يبدو هادئا
أيضا




 

" "