قصائد لتوماس ترانسترومر


المحرر موضوع: قصائد لتوماس ترانسترومر  (زيارة 3216 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الستار نورعلي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 173
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصائد لتوماس ترانسترومر
« في: 13:00 15/10/2011 »
قصائد لتوماس ترانسترومر
عبد الستار نورعلي

ليس لأحد الحقّ أنْ يدّعي بأنه أول من يترجم للشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر ويقدمه للقراء العرب الآن وهو لأول مرة يسارع ليترجم له بعد نيله جائزة نوبل في الأدب هذا العام 2011 دون أنْ يكون قد استقصى وتابع وتأكّد ، فالموضوعية والعلمية واحترام الذات تقتضي المنهجية في البحث والقول والاستناد الى التوثيق . وفي المقدمة هذه أستعرض ما ينفي هذا الادعاء .     

القصائد اللاحقة ترجمتُها عن السويدية ونشرتها في مجلة المدى عدد 27 (1) لسنة 2000 ، والمجلة كانت تصدر حينها من دمشق . القصائد كانت تحت عنوان (شاعر واربع قصائد ، من الأدب السويدي الحديث توماس ترانسترومر ) . وللحقيقة أبين هنا أنه في استوكهولم وفي أمسية شعرية أقامها لي نادي 14 تموز الثقافي العراقي في تلك السنة 2000 التقيت لأول مرة بالشاعر العراقي علي ناصر كنانة مع الشاعر والمترجم والقاص العراقي جاسم الولائي ابن مؤلف الأغاني العراقي القديم الشهير سيف الدين ولائي ، فأخبرني الشاعر كنانة أنه يحضّر رسالة ماجستير في جامعة استوكهولم عن الشاعر ترانسترومر وقد فوجئ بأنني سبقته في الكتابة عنه وعن شعره وترجمته فأثنى على ترجمتي ودقتها وجمالها مبدياً اعجابه بها . ثم أصدر الشاعر علي ناصر كنانة عام 2003 ترجمة عربية للمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر ترانسترومر  عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . كما صدرت ترجمة ثانية للمجموعة بترجمة الاستاذ قاسم حمادي عن دار بدايات عام 2005 وبمراجعة وتقديم الشاعر أدونيس . وأقيمت للشاعر توماس ترانسترومر احتفالية تكريمية في دمشق وبيروت في نفس العام حضرها الشاعر نفسه وزوجته الى جانب ادونيس والمترجم قاسم حمادي . كما قام الشاعران العراقيان المقيمان في السويد ابراهيم عبد الملك وجاسم محمد بالترجمة له ضمن كتابهما المشترك (أنطولوجيا الشعر السويدي ) الصادر عن دار المدى عام 2009 . وللأمانة أقول بإنّي لم أطلعْ على الترجمتين المذكورتين لمجموعته الشعرية الكاملة وانما قرأتُ عنهما ، لكنّني اطلعتْ على الانطولوجيا .

كما كتب القاص العراقي عبد الستار ناصر مقالةً عن توماس ترانسترومر قبل سنوات في صحيفة الزمان مشيراً الى عظمته وحياته وشعره وشلله مثمناً عالياً استمراره على الابداع رغم حالته الصحية متمنياً عليه مواصلة الابداع الشعري ليتحف العالم بروائعه . وهنا أود أن أشير باعجاب واحترام وتقدير وإكبار الى زوجته الرائعة الوفية مونيكا ترانسترومر التي وقفت وتقف حتى اليوم بجانبه مثمنين عالياً دورها الكبير في رعايته واستمراره على الكتابة والابداع ومتابعة نشاطه وأموره الأدبية والحياتية بنفسها .

وهنا وبهذه المناسبة ونزولاً عند طلب عدد من الأخوة المبدعين الأ‘عزاء أعيد نشر هذه القصائد وكما نُشرت في مجلة المدى حينها والمشار اليها أعلاه مع اضافة اسماء القصائد والمجاميع الشعرية بالسويدية أيضاً . وسألحقها بتراجمي الأخرى للشاعر والتي نشرت قبل سنوات .

شاعر وأربع قصائد
من الأدب السويدي الحديث
توماس ترانسترومر

توماس ترانسترومر من أشهر الشعراء السويديين المحدثين المجددين . ولد عام 1931 في العاصمة استوكهولم . درس علم النفس وعمل في هذا التخصص عدة سنوات . انفصل والداه وهو طفل فعاش في كنف أمه التي كانت معلمة . نشأ في طفولته على شواطئ أرخبيل استوكهولم لفترات طويلة ، فكان لهذا الاتصال بالريف والشاطئ والبحر آثار واضحة فيما كتب ، كما كانت صداقته مع جده لأمه الذي كان قبطاناً مرة ذات أهمية خاصة في حياته . لايزال الشاعر حياً يعيش في مدينة فستروس منذ فترة طويلة وهو مشلول .

لقد برز ترانسترومر شاعراً عام 1954 حين اصدر  أول ديوان له (17 قصيدة) فلفت اليه الانتباه ولقي الاهتمام ، إذ رأى فيه النقاد صوتاً شعرياً جديداً على الطريق سيكون له شأن في الشعر السويدي الحديث . يمتاز شعره بالبساطة والوضوح واستخدام اللغة اليومية . لكنّ صوت الشاعر ينطلق خلال النص قوياً غامراً , وتُظهر البساطةُ في لغته دعوة للقارئ وايماءة للدخول في عالم القصيدة . أصدر اثني عشر ديواناً .

استهلال *

اليقظة مظلةُ أملٍ من الحلم
حرّاً من الدوامةِ الخانقةِ يهبطُ
المسافرُ نحوَ طوقِ الصباحِ الأخضر
الأشياءُ تلتهبُ . إنه يعي ـ في حالةِ قُبّرةٍ مرتعشةِ ـ
أنظمةَ جذورِ الأشجارِ الجبّارةِ
للمصابيح الدائرةِ تحتَ الأرض . لكنّ فوق ارضِ
تقفُ الخضرواتُ ـ في فيضانٍ استوائيٍّ ـ
بأذرعٍ مرفوعةٍ مصغيةٍ
إلى ايقاعاتِ مضخاتٍ خفيةٍ . وهو
ينحدرُ باتجاهِ الصيفِ الى الأسفلِ
في الفوّهةِ المضيئةِ الى الأسفل
خلال فتحةِ الأعمارِ الخضر النديةِ
مرتجفةً تحت مُحرِّكِ الشمسِ . هكذا ترتفعُ
هذه الرحلةُ العموديةُ خلال اللحظةِ ، وتتوسعُ الأجنحةُ
الى استراحةٍ لطائرٍ جارحٍ فوق ماءٍ هائجٍ
دويُّ بوقِ العمرِ النحاسي
الطريد
معلّقٌ فوق القاع الخاويةِ .

في ساعاتِ الصباحِ الأولى يتمكنُ الوعيُ أنْ يحتويَ العالم
مثلما تُمسكُ اليدُ بحجارةٍ دافئةٍ منْ وهج الشمس
وقفَ المسافرُ تحت الشجرةِ . فهل
بعد السقوطِ في دوامةِ الموتِ
سينمو ضياءٌ باهرٌ فوقَ رأسهِ ؟


النافذةُ المفتوحة **

وقفتُ أحلقُ ذقني ذاتَ صباح
أمام النافذةِ المفتوحةِ
في الطابقِ الأعلى .
انكسرتْ ماكنةُ الحلاقةِ .
بدأتْ بالدوران .
أحدثتْ أزيزاً اشتدَّ فاشتدّ .
نما الى هدير .
نما الى طائرةٍ مروحيةٍ
واندفعَ صوتُ ـ القبطان ـ منطلقاً
خلالَ الهدير . صرخَ :
" أبقِ عينيكَ مفتوحتين !
إنّك ترى ذلك لآخرِ مرةٍ ."
ارتقينا
حلّقنا على انخفاض فوق الصيف .
كم أحببْتُ ذلك ، هل له وزنٌ ؟
دزينةٌ منْ لهجاتٍ خضرٍ .
خصوصاً تلك الحمرةَ في جدران البيوت الخشبية .
لمعتِ الخنافسُ في النفاياتِ في الشمسٍ .
القبو الذي سُحبَ الى الأعلى من الجذورِ
جاء خلال الهواء .
نشاط .
زحفتْ آلاتُ الضغط .
كانَ البشرُ حتى هذه اللحظةِ هم
وحدَهم بلا حركةٍ .
لقد احتفظوا بدقيقة صمتٍ ،
خاصةً الموتى في مقبرة الريفِ
كانوا بلا حركةٍ
مثلَ انسانٍ حين يجلسُ لالتقاط صورةٍ بطفولة الكاميرا

حلِّقْ على انخفاض !
لم أدرِ الى أين
أديرُ رأسي
بمدى البصر المنشطر
مثلَ حصان



العندليب في بادَلوندا ***

في منتصف الليل الأخضر على حدود العندليب الشمالية . أغصانٌ ثقيلةٌ مُعلّقةٌ بالشرفة ، السياراتُ الصمُّ تندفعُ باتجاهِ خطّ مصابيح النيون . لا يخطو صوتُ العندليبِ جانباً ، إنّهُ حادٌّ مثل صياح الديك ، لكنّهُ جميلٌ بلا اختيالٍ . كنْتُ في السجنِ وقد زارني . كنْتُ مريضاً  وقد عادني . لم ألحظْ ذلك في حينها ، بل الآنَ . يسيلُ الزمنُ من الشمسِ والقمرِ وفي كلِّ تيك تاك تيك تاك ساعاتٌ مُمتنّةٌ . لكن لا وجودَ لأيِّ زمنٍ هنا قطُّ . صوتُ العندليبِ فحسب . تلك الأنغامُ الشجيةُ التي تشحذُ منجلَ سماء الليل المنير .


شوارع في شنغهاي ****

                   1
الفراشةُ البيضاءُ في الحديقةِ أمستْ مقروءةً من الكثيرين
أعشقُ فراشةَ اللفافةِ هذهِ كما لو كانتْ
زاويةً مرفرفةً للحقيقةِ ذاتها

في الفجر يجري حشودٌ من البشر  بنشاطٍ فوق كوكبنا الصامت
عندها تغصُّ الحديقةُ بالبشر . لكلِّ واحدٍ ثمانيةُ وجوهٍ
مصقولة كالاحجارِ الكريمةِ ، لكلِّ الظروف ، اجتناباً للزلل
لكلِّ واحدٍ أيضاً وجهٌ غيرُ مرئيٍّ ، يعكسُ "شيءٌ لا يتحدثُ عنه الناس"
يبرزُ احدُهم في لحظاتٍ متعبةٍ وهو ذو طعمٍ حادٍّ مثل جرعةٍ
من نبيذٍ لاذعٍ مع ذلك الطعم الحادّ

يتحركُ سمكُ الشبوط في السدِّ منذُ الأزلِ ، إنهم يعومون أثناءَ نومهم ،
نموذجاً للإيمان : دائماً في حركةٍ .

                  2
انتصفَ النهارُ ، والملابسُ المغسولةُ ترفرفُ في رياح البحر
الرماديةِ عالياً فوق سائقي الدراجات
الآتين في ضجةٍ مكتومةٍ . ضعْ اشارةً في المتاهاتِ الجانبيةِ !
أنا محاطٌ بعلاماتِ الكتابةِ التي ليس باستطاعتي استجلاؤها .
أنا بالكامل ضمن الألف باء
سدّدْتُ ما كانَ عليَّ ولديَّ من فواتير لكلِّ شيءٍ .
لقد جمعتُ الكثيرَ من الفواتير غير المقروءةِ
أنا شجرةٌ قديمةٌ بأغصانٍ ذابلةٍ متدليةٍ
ليس بمقدورها السقوطُ على الأرض

هبّةٌ من البحرِ تجعلُ هذه الفواتير تفرقعُ .

               3
في الفجر يطأ حشودٌ من البشرِ بنشاطِ كوكبنا الصامت .
نمتطي كلُّنا صهوةَ الشوارعِ ، إنها مزدحمةٌ مثلَ سطحِ سفينةٍ .
أينَ نحنُ في الطريقِ ؟ أتكفي أكوابُ الشاي ؟ يمكننا اعتبار أنفسنا سعداءَ
لأننا استطعنا اللحاقَ كي نمتطيَ صهوةَ الشارع !
هذا قبلَ ألفِ عامٍ منْ ولادةِ الخوفِ من الاحتجاز .

خلفَ كلِّ واحدٍ يمشي هنا يحومُ صفٌّ يريدُ اللحاقَ
بنا ، يمرُّ بنا ، يتوحدُ فينا .
شيءٌ يريدُ التسللَ خلفنا ، يراقبنا
ويهمسُ " احدسْ مَنْ هذا !"
تبدو علينا السعادةُ في الشمس ، بينما ننزفُ دماً منْ جرحٍ لا نحسُّ به ...

ـ ترجمتُ القصائدَ ترجمةً حرفيةً للمحافظةِ على الصور وتدفق المعاني كما وردت في النصوص وفي أسلوب الشاعر البسيط السهل الممتنع العميق ، حيث إنّ الترجمةَ بتصرف والنقل ملاءمة لخصائص وصور اللغة الأخرى يعني خلق نص جديد ، بينما نريد المحافظة على روح النص الأصلي.
* استهلال PRELUDIUM هي القصيدة الأولى من ديوانه الأول (17 قصيدة 17 Dikter ) 1954
** النافذة المفتوحة Det öppna fönstret من ديوان (الرؤية في الظلام Mörkerseende ) 1970
*** العندليب في بادَلوندا  Näktergalen i Badelunda من ديوان (للأحياء والموتى För levande och döda ) 1989 ، وبادلوندا منطقة في مدينة فستروس التي يقيم فيها الشاعر
**** شوارع في شنغهاي Gator i Shanghai من الديوان السابق

ترجمة عن السويدية : عبد الستار نورعلي