لمن الصفح والغفران؟
مصطفى صالح كريم
استوقفنى منظر الديكتاتور صدام حسين اثناء المحاكمة وهو يناقش امرأة مفجوعة وأماًّ ثكلى، وبحسب تصورات صدام المريضة انه يستطيع احراجها ناسياً أن هذه المرأة كغيرها من الناجين والناجيات عاشت وقائع الجريمة بتفاصيلها، لذلك رأيناها تنطلق في سرد الاحداث كأنها تستعرض شريطاً سينمائياً. كما استوقفني اسلوب تقديم على الكيمياوي نفسه ناسيا رتبته الاصلية (عريف) مضيفا على وظيفته الكيمياوية العديد من الالقاب والرتب.
وانه كابن عمه ومعهما القادة العسكريون المنفذون لجرائم الانفال، مازالوا مصرين على أنهم استعملوا كل هذه الوسائل الاجرامية ضد الكرد لأنهم عسكريون يؤدون الواجب، اي واجب هذا يستبيح لكم ايها القادة العسكريون ابادة هذه الالوف المؤلفة من المواطنين الكرد؟ وكأنكم تقضون سهرة من سهراتكم الحمراء التي اطلع عليها العالم من خلال أشرطة الفيديو المصورة.
*ان الضحايا الذين نجوا من جرائم "القائد الضرورة" يحقدون على الجلادين حتى العظم، لأنهم ذاقوا العذاب النفسي والجسدي الى درجة جعلتهم ينسون كلمتي "الصفح والغفران" وخاصة حين يرون الجلادين لا يفكرون لحظة واحدة في طلب الصفح والغفران من ضحاياهم، وانهم مازالوا يتبخترون بما ارتكبوه من جرائم ويتباهون بها، وازاء هذا الموقف من الجلادين تذكرت حادثة كنت قد رويتها للقراء في صحيفة (الاتحاد) عام 1997 ولا بأس من اعادة ملخص الحادثة لمن لم يطلع عليها سابقا.
*عرض التلفزيون الفرنسي في برنامج خاص لمناقشة فكرة الصفح والغفران عرض وثيقة ألم وعذاب، وكانت ضيفة البرنامج امرأة فرنسية تدعى (مايتي جيرتاينر) وبحسب ما قدمه مقدم البرنامج تبين أنها كانت في شبابها فاتنة، جذابة، ذات انوثة طاغية، استطاعت ابان الحرب العالمية الثانية ان تندس في صفوف الضباط الألمان ، وتمكنت ببراعتها في العزف على الكمان واجادتها اللغة الألمانية ان تنال ثقتهم وتستغل علاقتها بهم في تسهيل مهمة الافراج عن رفاقها المعتقلين في السجون الالمانية.
ولكن رجال الغستابو كشفوا أمرها واودعوها معتقلا خصص لإجراء تجارب علمية على المعتقلين لقياس قدرة الانسان على تحمل الألم الجسماني على غرار المختبرات التي ابتكرها صدام حسين والتي سميت بالمجازر البشرية واوكلوا أمرها الى طبيب (جلاد) الماني شاب يدعى (ليو) تولى تخريب عمودها الفقري بحيث جعلها
تعاني افظع الآلام حتى بعد سنوات عديدة من تحريرها. وبعد انتصار الحلفاء وطرد النازيين من فرنسا، كانت (ماريتي جيرتاينر) الشابة المحطمة هي الوحيدة الباقية على قيد الحياة من سجناء ذلك المعتقل- المختبر التعذيبي.
*ذات يوم في اوائل السبعينيات من القرن الماضي فوجئت الفرنسية المعذبة بالطبيب الألماني (ليو) الذي كان جلادها يتصل بها من باريس ويتوسل اليها ان تقابله، وحين استجمعت قواها وافقت على اللقاء.
حيث جثا الجلاد على ركبتيه امام الضحية قائلا لها: انه يعاني من مرض ميئوس من شفائه، وان نهايته باتت وشيكة لذلك جاء اليها متوسلا يطلب عفوها قبل ن يفارق الحياة، وازاء هذا الموقف صفحت الفرنسية عن جلادها.
*ان كبار قادة البعث وقادة النظام الديكتاتوري في العراق الذين تفننوا في تعذيب المواطنين بمختلف الأساليب الوحشية الذين لم يتورعوا حتى في سحب دماء الشباب المؤنفلين في المجزرة البشرية في الصويرة او الضباط الذين كانوا يرمون المواطنين الكرد من المروحيات الى الأرض والذين دفنوا الألوف من النساء والأطفال في الحفر التي سميت بالمقابر الجماعية.
كل هذه الجرائم ولا يوجد بينهم من يؤنبه ضميره ويندم على جرائمه ليطلب الصفح من الضحايا.. بل بالعكس انهم ما زالوا غارقين في غطرستهم متفاخرين بجرائمهم.
والأغرب من كل ذلك هناك نفر من الذين يسمون انفسهم محامي الدفاع عن صدام حسين وأعوانه يحاولون بشتى السبل ايجاد التبريرات لجرائم موكليهم بدلا من طلب الصفح والغفران.
*لذلك كله فإن الشعب العراقي يطالب بإصرار عدم الرحمة مع هؤلاء المجرمين الذين لا يشملهم الصفح والغفران لأنهم ومعهم محاميهم لا يعرفون شيئا اسمه /ثقافة التسامح/ ازاء كل ذلك لا تسامح ولا صفح ولاغفران لمجرمي الأنفال.
M_s_kareem@yahoo.comنائب رئيس (الاتحاد) بغداد[/b][/size][/font]