محنة المنظمة الآثورية (9)
و(كرم السلطة)
في الأسابيع القليلة الماضية فاجأت، (سلطات الأمن السورية)،الأوساط السياسية، بسماحها للمنظمة الآثورية الديمقراطية بإقامة احتفالين مفتوحين (علنيين) في مدينة (القامشلي)، الأول بمناسبة ذكرى تأسيس المنظمة(15- تموز) والثاني بمناسبة يوم الشهيد الآشوري(7 آب)، بعد أن كانت قد حرمت من إقامة هذه الاحتفالات في السنوات الأخيرة.بالطبع المثير في هذا التطور المفاجئ ليست الاحتفالات بحد ذاتها فمثلها كانت تقام في الماضي وإنما في توقيت السماح بها، حيث جاءت في مرحلة تشهد عودة النظام في سوريا الى ممارسة سياسة تشديد (القبضة الأمنية) على المجتمع السياسي ومحاصرة الحراك الديمقراطي في البلاد،ومنع الأحزاب المحظورة ومعظم منظمات ولجان حقوق الإنسان والمجتمع المدني من ممارسة أي نشاط سياسي و عقد اجتماعاتها ولقاءاتها المعتادة حتى على أصغر مستوى لها،ويتم استدعاء الناشطين واستجوابهم وتوقيف بعضهم فيما إذا علمت الأجهزة الأمنية بعقد مثل هذه الاجتماعات سراً.ثمة أسئلة وإشارات استفهام كبيرة تركتها هذه (الاحتفالات الآثورية) لدى مختلف الأوساط السياسية والثقافية،وبشكل أكثر لدى أوساط المعارضة، عن مغزى ودوافع هذا (الكرم السياسي) الذي خصت به (الجهات الأمنية) المنظمة الآثورية الديمقراطية من دون باقي قوى وأحزاب المعارضة السورية المحظورة. حتى داخل المنظمة الآثورية ذاتها لم يتردد البعض من الآثوريين في إثارة الشكوك حول خلفيات ودوافع هذه (المكرمة الأمنية) التي حصلت عليها المنظمة بعد مفاوضات مع الجهات الأمنية، وذات الشكوك أثارتها الأحزاب والشخصيات المدعوة للاحتفال. وما يزيد ويعزز الشكوك لدى الأوساط السياسية حول سماح السلطات السورية للمنظمة الآثورية بإقامة مثل هذه الاحتفالات،أولاً: كونها جاءت بعد أشهر من توقيع المنظمة على (إعلان دمشق) الذي يضم غالبية قوى المعارضة السورية المحظورة(عربية وكردية).ثانياً: جاءت في مرحلة يجتاح الشارع الآشوري استياء عام بسبب ما يعصف بالمنظمة الآثورية من أزمة داخلية نالت من مصداقيتها ومن مكانتها في المجتمع، تحوم الشبهات والشكوك حول دور ما لـ(الأجهزة الأمنية) في تفجير هذه الأزمة.
ما حصل ليس لغزاً ،لا يحتاج الى تفسير أو تحليل،فدوافعه مكشوفة لكل متتبع للشأن السياسي السوري ولمن يعرف طبيعة ودور الأجهزة الأمنية في البلاد وإنجازاتها الكثيرة على صعيد شق الأحزاب و تشتيت القوى السياسية. إذ لم يسلم حزباً سورياً واحداً،معارض وغير معارض،قديم وجديد،من الانقسام والتشرذم،بعضها لأكثر من مرة، بفعل دهاء وذكاء الأجهزة الأمنية وخبرتها الطويلة في هذا المجال، بالطبع مستفيدة من الخلافات التنظيمية والفكرية والسياسية التي تحصل داخل الأحزاب والتنظيمات من حين لآخر، ومن حب البعض للزعامة.لهذا يمكن الجزم بأن هذه المهرجانات الآثورية المفتوحة ليست من دون ثمن سياسي دفعته وستدفعه المنظمة الآثورية،أنه تطور بالغ الأهمية والخطورة،يحمل أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه.فمن جهة يعكس رضا وارتياح سلطات الأمن السورية، ،على ما أقدم عليه مسؤول المكتب السياسي (بشير سعدي)في تفجير المنظمة من الداخل وشق (المكتب السياسي) وإبعاد الأعضاء الناشطين والمحسوبين على المعارضة.ومن جهة ثانية يحمل في طياته انقلاباً على خطوة المنظمة باتجاه المعارضة وتراجعاً عن توقيعها على (اعلان دمشق). ومن جهة ثالثة زعزع ثقة قوى المعارضة الوطنية بالمنظمة ونال من مصداقيتها في الأوساط السياسية. ومن جهة رابعة هذه (الرعاية الأمنية) للاحتفال أعطت نوع من الغطاء والشرعية السلطوية لـ(القيادة الهجينة) للمنظمة الآثورية التي تشكلت بعد شق المكتب السياسي.فعبر تاريخ الانشقاقات في أحزاب وتنظيمات الحركة السياسية السورية كانت السلطات السورية دوماً تقف الى جانب الجهة الموالية للنظام ورعايتها.وربما الأخطر في هذا (الاحتضان الأمني) للقيادة الهجينة أنه يحمل رسائل تحذير وتهديد الى معظم الآثوريين الذين يتنشطون داخل الحراك الديمقراطي المعارض في البلاد والخارجين عن الطاعة والرافضين للإملاءات الأمنية على المنظمة الآثورية،التي تمارس،من داخل وخارج المنظمة،وعبر مجموعات آشورية(سريانية) ترعرعت في أحضان البعث. وقد نبهنا في حلقات سابقة الى مخاطر وقوع المنظمة الآثورية تحت تأثير ونفوذ هذه المجموعات الانتهازية التي لا هم ولا قضية لها سوى جمع المزيد من المال،مستفيدة بشكل أو بآخر من آفة الفساد المستشرية في البلاد،وهي تتحرك بإيحاءات سلطوية،ولم تخف معارضتها الشديدة لتوقيع المنظمة الآثورية على (اعلان دمشق).
بالطبع،كان من المفترض أن يُحدث انخراط المنظمة الآثورية مع قوى المعارضة الوطنية عبر توقيعها على اعلان دمشق انقلاباً في نهجها السياسي ومواقفها التي كانت طيلة السنوات الماضية أقرب الى السلطة من المعارضة.لكن على ضوء الحالة الراهنة للمنظمة الآثورية الديمقراطية،وما تعانيه من حالة عدم الانسجام الآيديولوجي والفكري والسياسي بين أعضائها، الى درجة التناقض والتعارض في الرؤية السياسية والموقف من المعارضة(بشقيها العربي والكردي) ومن النظام وفي توصيف المرحلة،لا يمكن لها أن تحسم خياراتها ما بين السلطة والمعارضة بمجرد توقيعها على اعلان دمشق، أو على أي بيان أو وثيقة مع أي جهة سياسية سورية أخرى مستقبلاً.فالتوقيع على (اعلان دمشق) ليس أكثر من خطوة ارتجالية تحمس لها البعض في قيادة المنظمة للظهور والبروز،ويمكن وصف علاقة المنظمة بالمعارضة بـ(زواج المتعة)،إذا جاز التعبير.إذ لا يمكن لشخص(بشير سعدي) يخفي في جيبه (الجنسية الأمريكية) وسبق له أن هدد بالتبرؤ والتخلي عن كل آثوري في حال تم اعتقاله بسبب كتاباته وتصريحاته الناقدة للحكم في سوريا، أن يكون جدياً ليس في توقيعه على (اعلان دمشق) ومعارضته للنظام فحسب، وإنما في كل الشعارات والقضايا التي يطرحها ويتحدث عنها، كما لا يمكن لمنظمة غير متماسكة سياسياً وآيديولوجياً وغير مستقرة تنظيمياً،معزولة عن وسطها الاجتماعي والشعبي، أن تتحمل أعباء وتبعات العمل السياسي المعارض.وهي(المنظمة الآثورية) لم تنضم الى(اعلان دمشق) إلا بعد أن فشلت، بعد أشهر من الحوارات المشتركة- شاركتُ في جميعها- جرت في مدينة حلب واستكملت في دمشق، في الوصول الى صيغة من التحالف ووضع اعلان مشترك على غرار (إعلان دمشق)، مع مجموعة من الأحزاب الكردية- يصفها الكثير من الآثوريين بالتطرف- وأحزاب وقوى ليبرالية سورية أخرى تلك التي بقيت خارج اطار اعلان دمشق،وهي:( حزب آزادي الكردي، حزب يكيتي الكردي ، تيار المستقبل الكردي، حزب النهضة الوطني الديمقراطي ،حزب الديمقراطي السوري،الحزب السوري القومي الاجتماعي،حزب الديمقراطيين الأحرار، لجان الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان،التجمع الليبرالي الديمقراطي العلماني ،لجان إحياء المجتمع المدني،مركز الشام للدراسات الديمقراطية). وقد توضح لنا فيما بعد بأن بعض أطراف اعلان دمشق(كردية وعربية) لعب دوراً مهماً في إفشال تلك اللقاءات وإجهاضها، لأنها كانت تخشى من بروز تكتل أو تحالف سياسي جديد آخر بموازاة (اعلان دمشق).وبالنسبة للمنظمة الآثورية الديمقراطية، كان لسكرتير حزب (الديمقراطي التقدمي الكردي)- وهو من المنضويين تحت إعلان دمشق- دور مهم وأساسي في انضمامها المتأخر الى قوى اعلان دمشق،حيث لسكرتير هذا الحزب علاقة شخصية متميزة مع مسؤول المكتب السياسي للمنظمة الآثورية، السيد (بشير سعدي)،الى درجة كان هذا الأخير يقطع اجتماعات (المكتب السياسي) ليتصل مع سكرتير هذا الحزب لأخذ رأيه في بعض القضايا السياسية خاصة تلك التي تتعلق بالموقف من النظام والمعارضة، وحتى من (الحركة الكردية) ذاتها، قبل أن يحسم موقف المنظمة الآثورية منها داخل المكتب السياسي.وأكاد أجزم بأن المنظمة الآثورية الديمقراطية ما كان لها أن تدخل هذا النادي السياسي (اعلان دمشق ) ما لم يكن يتواجد فيه الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي .
سليمان يوسف... سوريا- القامشلي
منسحب من قيادة المنظمة الآثورية
shosin@scs-net.org[/b][/size][/font]